ما جرى مع الوفد النقابي اليوناني في مطار اللد ليس حادثاً عابراً، ولا إجراءً حدودياً معزولاً، ولا سوء فهم إدارياً يمكن تجاوزه ببيان دبلوماسي مقتضب. إنه إهانة سياسية وقانونية وأخلاقية موجهة إلى اليونان أولاً، وإلى قبرص ثانياً، وإلى الاتحاد الأوروبي بأسره.
لقد كان الوفد النقابي اليوناني متوجهاً إلى فلسطين بناءً على دعوة رسمية من الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، في زيارة نقابية تضامنية سلمية، لا تحمل سلاحاً، ولا تهدد أمناً، ولا تتجاوز قانوناً. ومع ذلك، مُنع أعضاؤه من الدخول، وخضعوا للاستجواب والاحتجاز والإهانة، فقط لأن وجهتهم كانت فلسطين، ولأن هدفهم كان التواصل مع مؤسسات نقابية فلسطينية شرعية.
السؤال هنا لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل يخص كل يوناني وقبرصي وأوروبي: هل بات التضامن مع فلسطين تهمة؟ وهل أصبح التواصل مع النقابات الفلسطينية سبباً كافياً لإهانة مواطنين أوروبيين ومنعهم من الحركة؟ وهل تقبل أوروبا أن يتمتع الإسرائيليون بحرية الدخول إلى أراضيها، بينما تُمنع وفودها النقابية والحقوقية والإنسانية من الوصول إلى فلسطين أو التواصل مع مؤسساتها؟
إن ما تعرض له الوفد اليوناني يمس جوهر الكرامة الأوروبية. فالمواطن الأوروبي، سواء كان يونانياً أو قبرصياً أو فرنسياً أو إيطالياً أو إسبانياً أو ألمانياً، لا يجوز أن يُعامل كمتهم لمجرد أنه يحمل موقفاً إنسانياً أو نقابياً أو سياسياً متضامناً مع شعب واقع تحت الاحتلال. ولا يجوز أن تتحول المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل إلى أدوات رقابة سياسية على ضمير الشعوب الأوروبية.
أخاطب هنا الشعب اليوناني الصديق، الذي عرف معنى الاحتلال والمقاومة والكرامة الوطنية. وأخاطب الشعب القبرصي الصديق، القريب من فلسطين جغرافياً وإنسانياً وتاريخياً. كما أخاطب أعضاء البرلمان الأوروبي، وحكومات الاتحاد الأوروبي، والنقابات الأوروبية الحرة. إن المسألة لم تعد فلسطينية فقط. إنها مسألة أوروبية بامتياز، لأنها تتعلق بكيفية معاملة مواطني أوروبا خارج حدودهم، وبمدى احترام إسرائيل للاتفاقيات والعلاقات التي تمنحها امتيازات واسعة داخل القارة الأوروبية.
من غير المقبول أن تبقى العلاقات الأوروبية الإسرائيلية قائمة على امتيازات من طرف واحد. فإسرائيل تستفيد من اتفاقيات سياسية وتجارية واقتصادية وأكاديمية وأمنية مع الاتحاد الأوروبي، وتستفيد من تسهيلات السفر والدخول، ومن علاقات واسعة مع الدول الأوروبية. وفي المقابل، تمنع وفوداً أوروبية سلمية من الوصول إلى فلسطين، وتستجوب نقابيين، وتتعامل مع التضامن الإنساني كأنه تهديد أمني.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد إدانة لفظية. المطلوب مراجعة شاملة لكل الاتفاقيات والترتيبات الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وفي مقدمتها اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، وبرامج التعاون المختلفة، وترتيبات الإعفاء من التأشيرة، وكل الامتيازات التي تمنحها أوروبا لدولة لا تحترم في المقابل كرامة المواطنين الأوروبيين وحقهم في التنقل والتواصل.
إن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ليست صكاً اقتصادياً مجرداً من القيم. إنها تقوم، في جوهرها، على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية. وإذا كانت هذه المبادئ تُنتهك عملياً عند التعامل مع وفود أوروبية سلمية، فإن من حق أوروبا، بل من واجبها، أن تسأل هل لا تزال إسرائيل تلتزم بالأساس السياسي والأخلاقي لهذه العلاقة؟
إن مبدأ المعاملة بالمثل يجب أن يُفعّل بوضوح. فإذا كانت إسرائيل تمنع مواطنين أوروبيين من الدخول أو المرور أو الوصول إلى فلسطين لأسباب سياسية، فعلى الاتحاد الأوروبي أن يعيد النظر في حرية دخول الإسرائيليين إلى أوروبا. وإذا كانت الوفود النقابية والحقوقية الأوروبية تُهان وتُحتجز وتُستجوب، فلا يمكن أن يستمر التعامل مع الإسرائيليين كأن شيئاً لم يحدث.
إن المطالبة بتعليق الإعفاء من التأشيرة أو تقييد دخول حاملي الجوازات الإسرائيلية إلى دول الاتحاد الأوروبي ليست دعوة انتقامية، بل مطالبة بتطبيق قاعدة أساسية في العلاقات الدولية. فمن يريد امتياز الدخول إلى أوروبا عليه أن يحترم كرامة الأوروبيين وحقهم في الحركة. ومن يمنع النقابيين والبرلمانيين والحقوقيين الأوروبيين من الوصول إلى فلسطين لا يجوز أن يحصل على معاملة مميزة ومفتوحة داخل أوروبا.
على اليونان وقبرص، تحديداً، أن تتحركا أولاً. فهما الأقرب إلى فلسطين، والأقدر على فهم حساسية هذه القضية، والأكثر قدرة على تحويلها إلى ملف أوروبي جدي. المطلوب من أثينا ونيقوسيا ليس فقط الاحتجاج، بل المطالبة بتحقيق رسمي، واستدعاء ممثلي إسرائيل، وطلب تفسير مكتوب، وطرح المسألة داخل مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.
كما أن على النقابات اليونانية والقبرصية والأوروبية أن ترفض تحويل هذه الحادثة إلى خبر عابر. فالاعتداء على وفد نقابي يوناني هو اعتداء على الحرية النقابية الدولية. ومنع التواصل مع نقابات فلسطين هو محاولة لعزل العمال الفلسطينيين عن الحركة العمالية العالمية. وإذا سكتت النقابات الأوروبية اليوم، فإن الرسالة ستكون خطيرة: يمكن لأي سلطة احتلال أن تمنع التضامن، وأن تعاقب النقابيين، وأن تحدد لمن يحق أن يرى فلسطين ولمن لا يحق.
إن أوروبا التي تتحدث عن حقوق الإنسان وسيادة القانون لا تستطيع أن تصمت عندما تُهان كرامة مواطنيها على بوابة فلسطين. وأوروبا التي تطالب العالم باحترام القواعد لا تستطيع أن تمنح امتيازات بلا حساب لدولة تمارس المنع والإقصاء والتمييز السياسي ضد من يتضامنون مع شعب محتل.
من هنا، فإن المطلوب واضح:
أولاً، إدانة رسمية من اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي لما تعرض له الوفد النقابي اليوناني.
ثانياً، فتح مراجعة سياسية وقانونية لاتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية وكل برامج التعاون المرتبطة بها.
ثالثاً، تفعيل مبدأ المعاملة بالمثل في سياسة التأشيرات والسفر.
رابعاً، النظر الجدي في تعليق الإعفاء من التأشيرة أو فرض قيود على دخول حاملي الجوازات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي، ما دامت إسرائيل تمنع أو تهين أو تستجوب المواطنين والوفود الأوروبية لأسباب سياسية.
خامساً، ضمان حق الوفود النقابية والبرلمانية والحقوقية الأوروبية في الوصول إلى فلسطين والتواصل مع مؤسساتها الوطنية والنقابية والمدنية دون تدخل تعسفي.
سادساً، اعتبار هذه الحادثة اعتداءً على الحريات النقابية الدولية، لا مجرد إجراء حدودي منفرد.
إن فلسطين ليست منطقة محظورة على الضمير الأوروبي. والتضامن مع الشعب الفلسطيني ليس جريمة. والتواصل مع نقابات فلسطين ومؤسساتها ليس تهديداً أمنياً. إنه حق إنساني ونقابي وسياسي مشروع.
وإذا كانت إسرائيل تريد أن تتمتع بعلاقات طبيعية وامتيازات واسعة داخل أوروبا، فعليها أولاً أن تحترم كرامة الأوروبيين عندما يقفون إلى جانب فلسطين. أما أن تُفتح أبواب أوروبا للإسرائيليين، وتُغلق أبواب فلسطين في وجه الأوروبيين، فهذا اختلال لا يجوز أن يستمر.
كرامة الوفد النقابي اليوناني هي كرامة كل يوناني، وكل قبرصي، وكل أوروبي حر. والدفاع عنها هو دفاع عن فلسطين، وعن أوروبا في آن واحد.





شارك برأيك
كرامة المواطن الأوروبي على بوابة فلسطين