يؤكد الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي بأن الطغاة والمضلين ليسوا وحدهم المسؤولين عن كوارث الأمة، فهناك فئة لا تقل عنهم مسؤولية وهي فئة "اللا-إباليون"، وبالفعل فهذه الفئة من الناس التي لا تنظر إلى الحياة بعين المسؤولية وترى بأنها فئة هامشية لا قيمة لمواقفها في نصرة الحق، تحمل على عاتقها الجزء الأكبر من انتصار أهل الباطل في مراحل معينة من التاريخ.
فلو كان البعض من الصحابة -مثلاً- يؤمنون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، وأن كل توجيهاته مقدسة وينبغي أن تؤخذ على محمل الجد، لما توانوا في تنفيذها، ولكن نظرتهم للرسول والرسالة كانت نظرة قاصرة ودنيوية، ولم يروا في حديث الغدير وسائر الوصايا النبوية سوى توريث للحكم وتكريس للسلطة، وعندهم أنهم قدموا خدمة كبيرة للنبي عندما قبلوا به، وحان الوقت ليحكموا هم وليحظوا بنصيبهم من الملك.
من هنا مرت أول خيانة في الإسلام وهي مؤامرة السقيفة، وبدأ من تلك اللحظة مشروعٌ آخر تحول مع الأيام إلى دين آخر مضاد للدين الإلهي، ووجدنا أتباع هذا الدين يتنكرون للنبي وآل بيته ويقدسون أعلام السقيفة ويقدمونها على الرسول والقرآن، لدرجة أن النبي عندهم يخطئ وأصحابهم يصححونه ويصوبون مساره.
وهذه العقيدة التي يروجون لها ليست صحيحة وليست من الدين في شيء، فالرسول لا ينطق عن الهوى، ولكنهم يعلمون أن دينهم يتناقض مع دين النبي، وحتى لا يكتشف أنصارهم حجم الهوة بينهم وبين المسار الصحيح استبقوا الأمر بالترويج لأعلامهم وبأنهم كانوا أصح عقائدياً من الإسلام ومن الرسول نفسه، ولو كانت السقيفة على دين النبي ما وجد أصحابها أنفسهم في موقفٍ واحد مناقض لما جاء في القرآن ولما ورد في السنة الصحيحة، مثل حديث الغدير وحديث المنزلة، ولما اضطروا لتسويق الترهات التي تقدم بعض الصحابة على سيد الكونين.
لقد تعامل الصحابة مع توجيهات النبي باعتيادية تامة وكأنها تصدر من زعيم قبلي أو سياسي، واعتبروها سارية فقط حتى رحيله من الدنيا، أما من بعد الرحيل فينبغي الطاعة العمياء لسلطة الأمر الواقع، ومن هنا قال أحدهم: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات"، أي أن الالتزام بتوجيهاته بعد رحيل النبي هو وثنية وردة عن الدين؛ لتبدأ بعدها سلسلة الانحرافات التي أسست للعقائد التكفيرية بين المسلمين وأذلتهم جميعاً لأعدائهم من أهل الكتاب.
وقد سمعوا جميعاً قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "لا ترجعوا من بعدي كفاراً يضرب بعضكم أعناق بعض"، ولكنهم خالفوا هذا النص الجلي الذي ورد في خطبة الوداع كما خالفوا كل التوجيهات التي رافقتها، واعتبروا أن من يرفض السقيفة ومقرراتها هو كافر يجب حز رأسه، ومضوا في ذلك حتى قتلوا الآلاف المؤلفة من المسلمين، ولا تزال حروب الردة تلك هي القاعدة التي أسست الفتن التكفيرية حتى يومنا هذا، ولولا السقيفة وما رافقها من انحراف عقائدي ما التقى مسلمان بسيفيهما ولما احتار الناس بين الحق والباطل.
ولعل التحذير الأهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لأصحابه من الاحتذاء بسنة بني إسرائيل، وهو الأمر الذي عمدوا إليه فور رحيله، ومن المعروف أن موسى عليه السلام عندما ذهب لميقات ربه كلف أخاه هارون بخلافته حتى يرجع إلى قومه، إلا أن صحابة موسى خالفوا هارون واتبعوا السامري، وهي الفتنة ذاتها التي نعرفها باسم السقيفة، والأدهى أن تتحول الفتنة إلى دين، وأن يأتي من يقدس أولئك الذين خالفوا النبي بذريعة أنهم كانوا صحابة ولا يجوز المساس بقدسيتهم، وهذا للأسف ما سبقنا إليه بنو إسرائيل يوم قدسوا صحابة موسى؛ لأن التقديس يعقبه اقتداء بالأفعال ولو كانت مخالفة لجوهر الكتاب والسنة.
ولذلك فإن التكفيريين في عصرنا يقتلون المسلمين بالهوية وقدوتهم في ذلك الصحابة وما فعلوه في حروب الردة، أي أن تقديسنا للسقيفة وأهلها هو السبب في كل اقتتال بين المسلمين عبر التاريخ، والكارثة أن الأمر يبدأ بالتجاهل واللامبالاة ثم ينتهي كدينٍ مقدس وعلى الجميع الإذعان له ولو كان مخالفاً للرسالة الإلهية.
وبهذا يتضح أن الوعي هو خط الدفاع الأخير؛ فما لم تكسر الأمةُ طوق "التقديس الأعمى" الذي أُلبسَ على الانحرافات التاريخية، ستظل حبيسةً في حلقة مفرغة من التكفير والاقتتال. ولا بد من استعادة روح المسؤولية الفردية، ورفض التماهي مع ثقافة "اللامبالاة"، للخروج من ظلال السقيفة والتحرر من تبعات المأساة؛ فالحقُّ لا يُنصر بالصمت، والهدى لا يُستعاد إلا بوضعِ "الرسالة" فوق سقف الرجال، وبإدراكِ أن الإذعان للباطل تحت أي ذريعةٍ كان، هو الخيانةُ الكبرى التي أطالت أمدَ الغربة عن النهجِ النبوي الأصيل.
لماذا خذلوا الحسين؟
35 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
لماذا خذلوا الحسين؟