سجل رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بورنهام، موقفاً لافتاً باعتذاره العلني عن الطريقة التي أدار بها حزب العمال ملف الحرب في غزة، وذلك بحضور سلفه كير ستارمر. وأكد بورنهام أن الموقف الرسمي كان يجب أن يتضمن دعوة مبكرة لوقف إطلاق النار وممارسة ضغوط أكثر جدية على الجانب الإسرائيلي.
وتعهد رئيس الوزراء الجديد بالإنصات بعناية أكبر للقواعد الشعبية والمطالب الجماهيرية، رغم إدراكه لصعوبة إرضاء كافة الأطراف. فبينما تطالب فئات بوصف ما يحدث بالإبادة الجماعية وحظر مبيعات الأسلحة، يظل الموقف البريطاني محكوماً بضرورات التنسيق مع البيت الأبيض والحلفاء الدوليين.
على صعيد السياسة الخارجية الأوسع، يبدو أن بورنهام يسير في حقل ألغام دبلوماسي مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد وتأثيراته على حلف الناتو. وقد التزم بورنهام برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5%، وهي خطوة تهدف لامتصاص غضب واشنطن رغم عدم وضوح آليات التمويل في الميزانية الحالية.
أفادت مصادر بأن القلق يسود العواصم الغربية من تلاشي ملامح 'أمريكا القديمة' التي كانت تلتزم بالأعراف الدولية التقليدية. ويظهر هذا القلق جلياً في تصريحات القادة الأوروبيين الذين بدأوا يفقدون صبرهم تجاه السياسات الأمريكية المتقلبة، خاصة بعد التهديدات التجارية الأخيرة ضد دول مثل إسبانيا.
شهدت قمة الناتو الأخيرة في أنقرة توترات غير مسبوقة، حيث لوح ترامب بإجراءات عقابية ضد الحلفاء الذين لا يلتزمون بزيادة الإنفاق العسكري. كما عادت الأوضاع في الخليج للتأزم مع استئناف العمليات العسكرية ضد أهداف إيرانية، مما يهدد استقرار أسعار الطاقة العالمي ويزيد من احتمالات الصراع.
في هذا السياق، يبرز كتاب 'عشر خطوات لمنع الحرب العالمية الثالثة' للوزير السابق توبياس إلوود، كتحذير من مستقبل قاتم ينتظر النظام الدولي. يتخيل الكتاب عام 2040 كزمن للندم على الفرص الضائعة التي سمحت بانهيار القواعد الدولية وصعود قوى بديلة ملأت الفراغ الذي خلفته واشنطن.
يرى إلوود أن الحرب العالمية القادمة لن تكون مواجهة واحدة كبرى، بل سلسلة من النزاعات المحلية والحروب بالوكالة التي تستنزف العالم. وفي هذا السيناريو، تصبح الانتهاكات الجسيمة للأعراف العسكرية، بما في ذلك التهديد بالأسلحة النووية التكتيكية، أمراً روتينياً يهدد بقاء التحالفات التقليدية مثل الناتو.
كان على الحكومة أن تدعو لوقف إطلاق النار في وقت سابق، وأن تصعد الضغط على إسرائيل.
لمواجهة هذه الكارثة المحتملة، يقترح الخبراء ضرورة تشكيل تحالف استقرار جديد يضم القوى المتوسطة من مختلف القارات. ويهدف هذا التحالف إلى حماية النظام العالمي القائم على القواعد، ومشاركة التكنولوجيا مع الدول الأفقر لتقليل الفجوات التي تغذي الصراعات والنزاعات المسلحة.
يواجه بورنهام تحدي تطبيق هذا البرنامج الطموح، وهو المعروف بمهارته في بناء التحالفات منذ أن كان رئيساً للبلدية. ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرته على مواجهة الضغوط الأمريكية المباشرة، خاصة في ملفات حساسة مثل الردع النووي وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
تشير التقارير إلى أن القادة الأوروبيين بدأوا يقتنعون بضرورة التغيير والاعتماد على الذات، خاصة بعد المطامع الأمريكية المعلنة في مناطق مثل غرينلاند. هذا التحول يأتي في وقت طورت فيه أوكرانيا قدراتها التصنيعية العسكرية، مما قد يقلل نسبياً من حاجتها للدعم الأمريكي المباشر والمتقلب.
لقد ترك سلفه ستارمر إرثاً معقداً من القرارات المؤجلة والأزمات المالية التي تثقل كاهل الحكومة الجديدة. وبينما نجح ستارمر في كسب بعض الوقت لأوكرانيا، يرى مراقبون أن بريطانيا خسرت وقتاً ثميناً في تحديث قدراتها الدفاعية وتمويل التزاماتها العسكرية الدولية.
في ظل هذه الظروف، يحتاج بورنهام إلى فريق دبلوماسي استثنائي لإدارة المرحلة المقبلة وتجاوز العثرات. ويبرز اسم ديفيد ميليباند كمرشح قوي للعب دور محوري، نظراً لخبرته الطويلة وعلاقاته الدولية التي قد تساعد لندن في إعادة تموضعها على الخارطة العالمية.
تتطلب المرحلة القادمة ما يصفه الدبلوماسيون بـ 'فن المعايرة'، وهو القدرة على إحداث تغييرات طفيفة في السياسة تؤدي لنتائج كبيرة. يجب على بورنهام أن يوازن بين الحزم في ملف غزة لتجنب التواطؤ الأخلاقي، وبين الحفاظ على علاقة استراتيجية متوازنة مع الإدارة الأمريكية الجديدة.
إن النجاح في هذا الاختبار سيعني تجنيب بريطانيا والعالم سيناريوهات الفشل التي حذر منها إلوود في رؤيته لعام 2040. ويبقى الرهان على قدرة القيادة الجديدة في لندن على اتخاذ قرارات مصيرية تفصل بين الاستقرار والانهيار الشامل للنظام الدولي.





שתף את דעתך
بورنهام يعتذر عن موقف 'العمال' من غزة ويواجه تحديات 'حقبة ترامب' الجديدة