تُعد 'رواية الغفران'، وهي الجزء الروائي من رسالة أبي العلاء المعري الشهيرة، واحدة من أعمق وأعقد ما أنتجه التراث الأدبي العربي، حيث تمتزج فيها الفانتازيا بالخيال الخصب والنقد الأدبي الرفيع. وتبرز عبقرية المعري في اختياره الفني لتعدد المعاني عند التعامل مع المفاهيم الغيبية، مما يجعل النص منفتحاً على تأويلات متنوعة تنسجم مع رؤى العقلانيين والمتدينين على حد سواء، بأسلوب يسبق عصره بقرون طويلة.
وعلى الرغم من القيمة الفنية العالية للنص، إلا أن لغته النخبوية واستطراداته المعقدة تشكل عائقاً أمام وصوله إلى القارئ المعاصر الذي يعيش في عصر تشتيت الانتباه وضعف التركيز. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقديم صيغ تحديثية وتبسيطية، تشبه ما تفعله المناهج الغربية مع النصوص الكلاسيكية الكبرى مثل 'الكوميديا الإلهية' لدانتي، وذلك لتمكين الأجيال الجديدة من ولوج هذا العالم الفكري الشاسع دون عناء لغوي.
ويطرح الكاتب حبيب سروري رؤية لاستخدام 'الذكاء الاصطناعي التوليدي' كأداة لرفع مهارات الإبداع الإنساني وإنتاج نصوص تفاعلية تتكيف مع مختلف القراء، سواء كانوا أطفالاً أو طلاب جامعات. ويرى سروري أن رواية الغفران هي الحقل الأنسب لهذه التجربة لكونها نصاً بصرياً بامتياز، حيث يتنقل بطلها 'ابن القارح' بين مشاهد عجائبية وصفتها عدسة المعري بدقة مدهشة، مما يسهل معالجتها آلياً.
الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر اليوم على العمل المشترك مع الإنسان لرفع ملكات الإبداع إلى مستويات لم يعرفها التاريخ.
ويتضمن المشروع المقترح تقسيم الرواية إلى مشاهد قصيرة تتكون من أربع طبقات أساسية، تبدأ بالطبقة البصرية التي تحول النص إلى رسومات متحركة أو أفلام سينمائية، تليها الطبقة الصوتية التي توفر قراءة آلية مدعومة بمؤثرات فنية. كما تشمل الطبقة التفاعلية التي تسمح للمشاهد بطلب شروحات فورية للكلمات الصعبة، وصولاً إلى الطبقة التأملية التي تكشف الفلسفة العميقة وفنون السخرية التي اعتمدها المعري في نصه.
إن هذا الدمج بين الأدب الكلاسيكي والتقنيات الحديثة يهدف إلى تفجير الطاقات الفكرية الكامنة في النص الأصلي، وتحويله من مادة جامدة في بطون الكتب إلى تجربة حية تثير التساؤلات حول مفاهيم القدرة والجمال والمعرفة. ويظل السؤال الجوهري قائماً حول مدى قدرة هذه الوسائل التقنية على صون روح النص الأصلي مع جعله متاحاً ومفهوماً في ظل طوفان الشبكات الاجتماعية الذي يمتص انتباه إنسان العصر الحالي.





שתף את דעתך
توظيف الذكاء الاصطناعي لإحياء تراث المعري: مقترح لتحويل 'رسالة الغفران' إلى تجربة تفاعلية