ב 29 יונ 2026 10:17 am - שעון ירושלים

المدرسة التي لا تُعلّم الخسارة


قبل عدة أيام  وقفت أراقب مباراة كرة قدم ودية في ساحة المدرسة بين طلاب الصف السادس. كانت الأجواء حماسية، والتشجيع يملأ المكان، حتى أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوز أحد الفريقين. ما حدث بعد ذلك  انهار حارس مرمى الفريق الخاسر باكيا ورمى قفازاته أرضا ورفض مصافحة زملائه، بينما وقف معلمه حائرا يربت على كتفه بكلمات مواساة تقليدية لم تزد الطالب إلا غضباً. حينها أدركتُ أننا أمام أزمة أعمق بكثير من خسارة مباراة مدرسية. نحن أمام جيل كامل تعلّم كيف يركض نحو الفوز، لكنه لم يتلقَّ درساً واحداً في كيفية الوقوف بشرف بعد الهزيمة.
كل ما حولنا يقدس النجاح ويضعه في قوالب براقة، وتنساق المدارس بقصد أو بدون قصد خلف هذا التيار. المناهج الدراسية مصممة لتخريج الفائزين ولوحات الشرف في الممرات لا تتسع إلا للأوائل وحفلات التكريم تُقام لمن حصدوا العلامات الكاملة. كل شيء في النظام التعليمي يلمح للطالب بلغه غير محكيه  “يجب أن تفوز لتكون ذا قيمة”. لكن ماذا يحدث حين يخرج هذا الطالب إلى الحياة الحقيقية؟ الحياة التي لا توزع الانتصارات بعدالة والتي تعج بالخيبات والرفض والأبواب المغلقة؟ حينها  ينهار  عند أول اختبار حقيقي ليس لأنه ضعيف بل لأن أحداً لم يعلمهم أبجدية السقوط والنهوض.
هنا بسبب  مفهوم غائب تماماً عن أدبياتنا التربوية وهو ما يمكن ان اسميه بـ “تربية الهشاشة” أو “بيداغوجيا الفشل”. الإدارات الحكيمة لا تكتفي بتوفير بيئة تنافسية صحية لكنها تسعى لخلق مساحات آمنة للفشل. نعم، مساحات آمنة للفشل. الطالب يحتاج أن يعرف أن الإجابة الخاطئة في الصف ليست نهاية العالم، وأن التعثر في مشروع علمي هو خطوة أولى نحو اكتشاف جديد، وأن عدم الحصول على المركز الأول لا ينقص من إنسانيته أو قيمته شيئاً. إن الخوف من الفشل يقتل الإبداع، ويجعل الطلاب يختارون الطرق الآمنة والسهلة والمكررة بدلاً من خوض  التحديات التي قد تؤدي إلى إخفاق مؤقت ولكنها تبني شخصية قوية.
في سياق عملي أرى كيف تتضاعف أهمية هذا المفهوم. طلابنا يعيشون في بيئة معقدة، مليئة بالتحديات والضغوط النفسية والاجتماعية، حيث لا تكون الخسارة دائماً نتيجة لتقصير شخصي، بل قد تكون نتاجاً لظروف قاهرة. إذا لم نُسلّح هؤلاء الطلاب بمرونة نفسية تمكنهم من استيعاب الخيبات وتحويلها إلى وقود للاستمرار، فإننا نتركهم عزلاً أمام واقع لا يرحم. المدرسة هنا يجب أن تكون الحاضنة الأولى التي تُعلّم الطالب أن الفشل ليس وصمة عار، بل هو جزء أصيل من التجربة الإنسانية. إن الطالب  الذي يواجه تحديات الهوية والمكان، يحتاج أكثر من غيره إلى أن يتعلم كيف يحول الانكسار إلى قوة، وكيف يقرأ في كل تراجع فرصة لإعادة ترتيب الأوراق.
ولترجمة هذا المفهوم إلى واقع عملي يجب ان نبدأ  بتغيير الثقافة التنظيمية للمدرسة. يجب أن يتحول المعلم من قاضي ينتظر زلة الطالب ليخصم من درجاته، إلى موجه يرى في الخطأ فرصة للتعلم. يمكن للمدارس أن تبتكر طرقاً للاحتفاء بالمحاولة والجهد، وليس فقط بالنتيجة النهائية. ماذا لو خصصنا وقتاً في الطابور الصباحي للحديث عن إخفاقات العظماء وكيف تجاوزوها؟ ماذا لو طلبنا من الطلاب كتابة مقالات عن أكبر أخطائهم وماذا تعلموا منها؟ ماذا لو غيّرنا لغة التقييم لتصبح لغة داعمة تركز على النمو بدلاً من التصنيف القاسي؟ إن تغيير لغة الخطاب داخل المدرسة من لغة “النجاح والفشل” إلى لغة “المحاولة والتعلم” يمكن أن يحدث ثورة حقيقية في نفسية الطلاب.
ويجب أن يمتد هذا التغيير ليشمل العلاقة مع أولياء الأمور. فكثيراً ما يكون الأهل هم المصدر الأول للضغط على أبنائهم لتحقيق الكمال. المدرسه الذكيه  هي التي تفتح قنوات حوار مع الأسرة لتوعيتها بأهمية السماح للأبناء بالتعثر. يجب أن يدرك الآباء والأمهات أن حماية أبنائهم من كل خيبة أمل لا تصنع منهم أشخاصاً أقوياء، بل تصنع شخصيات هشة تنكسر عند أول عاصفة. إن دورنا كتربويين هو مساعدة الأهل على فهم أن الحب الحقيقي يتجلى في دعم الطفل حين يفشل، وليس فقط في التصفيق له حين ينجح.
الإدارات التي تتجاهل تعليم الخسارة هي إدارات تساهم في هشاشة الجيل القادم. نحن بحاجة إلى قادة تربويين يمتلكون الشجاعة لإعادة تعريف النجاح، قادة يدركون أن الطالب الذي يتعلم كيف يتقبل الخسارة بروح رياضية، وكيف يحلل أسباب إخفاقه بهدوء، وكيف ينهض من جديد بعزيمة أقوى، هو طالب أعدته مدرسته للحياة الحقيقية، وليس فقط لاجتياز امتحان نهائي . المدرسه  ليست إدارة جداول ومناهج، بل هي هندسة للأرواح والعقول، وهي مسؤولية تتطلب منا أن نكون صادقين مع طلابنا بشأن طبيعة الحياة.
في نهاية المطاف، المدرسة الحقيقية ليست تلك التي تضمن لطلابها الفوز دائماً، بل هي تلك التي تمسك بأيديهم حين يسقطون وتقول لهم “لا بأس، لقد خسرتم جولة، لكنكم كسبتم درساً، والآن، دعونا نحاول مرة أخرى”. هذه هي التربية التي تبني إنساناً صلباً، قادراً على مواجهة تقلبات الحياة بشجاعة ووعي، وهذا هو الدور الأسمى الذي يجب أن تتطلع اليه كل مدرسة تسعى لترك أثر حقيقي لا يمحوه الزمن. إننا لا نعد أبناءنا ليعيشوا في عالم مثالي خالٍ من الهزائم، بل نعدهم ليكونوا أقوياء بما يكفي للعيش في عالم حقيقي، عالم يختبرهم كل يوم، ولا ينجو فيه إلا من تعلم كيف يخسر بشرف وينهض بإصرار.

תגים

שתף את דעתך

المدرسة التي لا تُعلّم الخسارة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.