كشفت مصادر إعلامية عن تحول استراتيجي في الموقف الأمريكي تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، حيث أبلغت واشنطن تل أبيب رسمياً بانتهاء التفويض الذي كان يمنحها حرية العمل دون قيود. ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الساحة السياسية تحركات مكثفة للتوصل إلى تفاهمات ميدانية تنهي حالة التصعيد المستمرة على الجبهة الشمالية.
ومن المقرر أن تنطلق في العاصمة الأمريكية واشنطن، يوم الثلاثاء، الجولة الخامسة من المحادثات المباشرة بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني برعاية أمريكية. وتهدف هذه الجولة إلى مناقشة إمكانية تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة في جنوب لبنان، ضمن خطة تجريبية لتثبيت الاستقرار الميداني.
وأفادت مصادر مطلعة بأن المقترح المطروح يبحث انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي لا تشكل منطلقاً لعمليات إطلاق نار مباشر باتجاه المستوطنات الحدودية. وتأتي هذه الخطوة في إطار إعادة تقييم أمني شامل تجريه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية للوضع الراهن على الحدود مع لبنان.
في المقابل، شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن قواته لا تزال تتمتع بحرية عمل كاملة في المناطق التي تعتبرها تهديداً مباشراً. وأوضح نتنياهو أن البقاء في ما وصفها بـ'المنطقة الأمنية' سيستمر طالما دعت الحاجة لذلك، معتبراً أن أمن المستوطنات الشمالية يظل الأولوية القصوى لحكومته.
وعلى الصعيد الميداني، قرر الجيش الإسرائيلي تسريح ما يُعرف بـ'فرق التأهب' في مستوطنات الشمال ابتداءً من الأحد المقبل، في إشارة إلى تراجع مستوى التهديدات الوشيكة. وتعد هذه الفرق تشكيلات مدنية مسلحة كانت مكلفة بالاستجابة السريعة لأي عمليات تسلل أو هجمات مفاجئة عبر الحدود.
وأشارت تقارير إلى أن الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، بدأت بفرض قيود واضحة على هوامش التحرك الإسرائيلي لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة إقليمية شاملة. ويتضمن الإطار التقييدي الجديد تحديد قواعد استخدام القوة وضبط العمليات العسكرية بما يتوافق مع الرؤية الأمريكية للملفات الإقليمية الكبرى.
وبحسب التوجيهات السياسية الجديدة في تل أبيب، فقد تم حصر العمليات العسكرية ضمن نطاق 'الخط الأصفر' لإحباط التهديدات المباشرة فقط. كما تضمنت التعليمات منع تنفيذ أي هجمات في مناطق بعيدة عن الحدود، وتحديداً في العاصمة بيروت وقضاء صور، لضمان عدم انهيار المسار التفاوضي.
مرحلة المرونة المطلقة في إدارة العمليات العسكرية الإسرائيلية بلبنان قد انتهت فعلياً وفق التوجهات الأمريكية الجديدة.
وترى واشنطن أن التهدئة في جنوب لبنان تمثل جزءاً حيوياً من معادلة إقليمية أوسع تشمل ملفات الطاقة والبرنامج النووي الإيراني. هذا المنظور الأمريكي يصطدم أحياناً مع الرؤية الإسرائيلية التي تخشى أن يُفسر الانسحاب المبكر كدليل ضعف أمام حزب الله، مما قد يمنحه مكاسب سياسية وميدانية.
وفي سياق متصل، لم تقتصر النقاشات الأمنية على الجبهة الشمالية، بل امتدت لتشمل قطاع غزة، حيث عقد رئيس الأركان الإسرائيلي اجتماعاً لبحث خيارات التصعيد. وطرحت خلال الاجتماع توصيات بشن عملية عسكرية واسعة تهدف إلى نزع سلاح حركة حماس بشكل نهائي، رغم التحذيرات من تداعيات ذلك.
وتشير التقديرات الأمنية إلى وجود مخاوف حقيقية من اعتراض أمريكي على أي توسيع للعمليات العسكرية في غزة خلال المرحلة الحالية. وتفضل الإدارة الأمريكية الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار القائم، رغم التقارير التي تتحدث عن خروقات متبادلة بين الفينة والأخرى.
ويربط المراقبون بين الضغوط الأمريكية في لبنان والوضع في غزة، حيث تسعى واشنطن لصياغة مشهد إقليمي جديد يقلل من بؤر الصراع المفتوحة. وتؤكد المصادر أن أي انسحاب من الجنوب اللبناني سيكون مرتبطاً بمدى قدرة الدولة اللبنانية على منع إعادة تموضع القوى المسلحة في المناطق المخلاة.
وتستمر وزارة الخارجية الأمريكية في التأكيد على أن المسار التفاوضي الذي بدأ في أبريل الماضي هو السبيل الوحيد للتوصل إلى تفاهمات مستدامة. وتأمل واشنطن أن تؤدي الجولة الخامسة إلى اختراق حقيقي يمهد الطريق لعودة النازحين على جانبي الحدود وإنهاء حالة الاستنزاف العسكري.
ميدانياً، تواصل القوات الإسرائيلية عمليات تدمير البنى التحتية العسكرية في المناطق الحدودية كشرط مسبق لأي عملية إعادة انتشار. وتؤكد مصادر عسكرية أن الجيش لن يغادر أي نقطة استراتيجية ما لم يتأكد من زوال التهديد المباشر الذي تمثله الأنفاق والمواقع القتالية القريبة من السياج.
ختاماً، تعكس هذه التطورات حالة من التداخل المعقد بين الطموحات العسكرية الإسرائيلية والقيود الدبلوماسية الدولية التي تفرضها واشنطن. وبينما تترقب الأوساط السياسية نتائج محادثات واشنطن، يبقى الميدان رهناً بمدى التزام الأطراف بقواعد الاشتباك الجديدة التي بدأت ملامحها تتشكل بوضوح.





שתף את דעתך
واشنطن تنهي 'المرونة المطلقة' لإسرائيل في لبنان ومفاوضات مرتقبة للانسحاب من الجنوب