تبرز الحاجة الملحة اليوم إلى انبراي المخلصين من أبناء الأمة لدراسة خطوات عملية تؤسس لنهضة حقيقية، بعيداً عن الشعارات الرنانة. إن تأطير الآراء في سبيل هذه الغاية النبيلة يتطلب عدم الاستهانة بأي جهد مخلص، مهما كان صغيراً، لبناء صرح حضاري نرجو أن تدركه الأجيال الحالية.
إن أولى خطوات الإصلاح تبدأ بتحطيم فكرة تحصين 'أهل السبق' أو القيادات التي احتواها العنوان الأيديولوجي، بحيث لا يجوز مراجعتهم أو تعديل مسارهم. الشفافية يجب أن تكون الروح التي تحرك الأفراد والمؤسسات، فالمجتمعات الغربية أدركت مبكراً أنه لا يوجد شخص فوق النقد، وهو درس أولى بأمة الإسلام تطبيقه.
وفي سياق البناء المؤسسي، يجب أن تكون مصادر الأموال ومصارفها واضحة للعيان دون أي مواربة. إن ترفع أصحاب المشاريع عن إعلان تفاصيلهم المالية ليس مجرد خيار، بل هو شرط أساسي للبقاء والاستمرارية، حيث ترتبط الثقة بمدى الوضوح والنزاهة أمام الجماهير.
لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يكتب له النجاح إذا جفت شرايينه من أهل الأدب والفكر والفن. هؤلاء المبدعون هم نبض الأمة، وإقصاؤهم عن العناوين الكبرى يؤذن بخطر داهم، إذ تتحول المشاريع بدونهم إلى هياكل جامدة تفتقر للحس الإنساني والجمالي.
من المآسي التي تضرب العمل الجماعي هو شعور المنتسبين لعنوان معين بأنهم مميزون عن بقية الناس أو أنهم طبقة مختارة. هذا النوع من الاستعلاء يتطلب تطهراً دائماً وتوجيهاً تربوياً للشباب لنبذه، فالمهمة الأساسية هي خدمة المجتمع والذوبان فيه لا التمايز عنه.
تتجلى الانعزالية أيضاً في حصر الدوائر الاجتماعية والمهنية، مثل قصر الزواج أو العمل على أبناء التنظيم أو الفكرة الواحدة. هذا السلوك يعطل التفاعل الطبيعي مع المجتمع ويخلق فجوات فكرية واجتماعية لا تخدم المصلحة العامة للأمة بل تزيد من تقوقعها.
إن معيار تولي المسؤولية بناءً على 'الأكثر ابتلاءً' أو من قضى سنوات في السجون يضع المشاريع في صدام مباشر مع الواقع. المراجعة الحقيقية تقتضي تقديم الكفاءة والقدرة على التفاعل مع الناس، لضمان بقاء الفكرة حية وقابلة للتطبيق وسط المتغيرات المتسارعة.
إن الشفافية وروحها هي روح بقاء الأمة والعناوين والأفراد؛ فإن الغرب أدرك بأنه لا أحد مُحصن فكيف بأمة محمد؟!
على أصحاب الأفكار أن يراقبوا الله فيما يزرعونه في عقول الأجيال الناشئة، خاصة في ظل غفلة المجتمع. إذا وجد أصحاب المشاريع أن المجتمع يبتعد عنهم، فعليهم مراجعة أفكارهم ومدى قربها من المقاصد الشرعية والواقعية، بدلاً من لوم الناس على انصرافهم.
تبقى المشاريع بخير ما دامت تضع النفع العام بوصلة لها، فإذا فشلت في تحقيق الفائدة وجب مراجعة المنظومة كاملة. الانكفاء على الذات ومجاراة التيار العام لمجرد البقاء، أو استبعاد المخالفين في الرأي، هي علامات تدل على خلل بنيوي يستوجب التوقف والإصلاح.
هناك تحذير شديد لأولئك الذين يتخذون من العناوين الأيديولوجية وسيلة للتكسب المادي أو تحقيق المصالح الخاصة. إن توجيه مقدرات الأمة لنفع شخصي ليس مجرد فساد مالي، بل هو تعطيل لفرج الأمة واستغلال لخيراتها بباطل سيحاسب عليه المرء أمام الله.
إن الذين يحصرون مشاريعهم فيمن يناسبهم فكرياً فقط، يجب أن يدركوا أن مسيرة النهضة لن تتوقف عند حدود أفكارهم الضيقة. الصواب ليس حكراً على فئة، ومحاولة حجب آراء الآخرين المخالفين قد تنجح في الدنيا لكنها ستكون حجة على أصحابها في الآخرة.
التجارة الحقيقية هي مع الله، وهذا يفرض تقديم مصلحة الأمة على الولاءات الشخصية الضيقة. إن المبالغة في الطاعة العمياء من قبل الأتباع، حتى في الأمور الخاطئة، لن تغني عن القادة شيئاً يوم الحساب، بل إن النقد البناء هو ما يحمي المشروع من الانحراف.
يجب استحضار المعاني القرآنية التي تؤكد أن الخير قد يكمن فيما نكره، فقد يكون المخالف في الرأي مكملاً لنا وليس عدواً. الاختلاف في الرؤى لا يعني الخصومة، بل هو إثراء للمشروع النهضوي إذا ما تم استيعابه بروح منفتحة تبحث عن الحق أينما كان.
ختاماً، لنا في سيرة الصحابة الكرام أسوة حسنة، خاصة في واقعة صلاة العصر في بني قريظة، حيث اختلفوا في فهم النص وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا التعدد في الفهم والتقدير هو ما نحتاجه اليوم لكسر حدة الاحتكار الفكري والوصول إلى وعي جامع ينهض بالأمة.





שתף את דעתך
بين الوعي وشعارات النهضة: مراجعات نقدية في بنية المشاريع الفكرية