א 24 מאי 2026 7:33 pm - שעון ירושלים

التعليم تحت الأنقاض.. غزة تقاوم 'الإبادة المعرفية' بخيام النزوح والمدارس الميدانية

في قلب حي تل الهوى المدمر غرب مدينة غزة، تنبعث أصوات الأطفال بترديد النشيد الوطني من داخل خيام مهترئة، معلنةً استمرار معركة الوعي والتعليم رغم الركام المحيط. مدرسة 'العودة' الميدانية أصبحت نموذجاً لهذا الصمود، حيث تضم أكثر من 1600 طالب يتكدسون في تسع خيام بلاستيكية لا تتجاوز مساحة الواحدة منها عشرين متراً مربعاً.

تأسست هذه المدرسة في ذروة الحرب خلال شهر أبريل 2024، وعانت من ويلات النزوح القسري مرتين؛ الأولى من رفح والثانية من وسط القطاع، قبل أن تستقر في غزة. وفي كل مرة، كان الكادر التعليمي يفكك الخيام ويحملها على الأكتاف، مفضلاً إنقاذ الوسائل التعليمية البسيطة على إنقاذ الممتلكات الشخصية لضمان استمرارية التدريس.

يعاني الطلبة في هذه المدارس الميدانية من ظروف قاسية، حيث يفترشون الرمال ويجلسون كتفاً بكتف تحت حرارة الشمس الحارقة التي تضاعفها أغطية البلاستيك. وتؤكد المعلمات أن الازدحام الشديد يؤدي أحياناً لحالات اختناق، فضلاً عن تشتت انتباه الأطفال الذين أثقلت كواهلهم مهام شاقة مثل جلب الماء وجمع الحطب بعد ساعات الدوام.

على الصعيد الرسمي، اعتمدت وزارة التربية والتعليم خطة طوارئ بديلة تشمل 'الترفيع الاستدراكي' لمعالجة الفجوة التعليمية العميقة التي خلفتها الحرب. وتهدف هذه الدورات المكثفة إلى تمكين الطلبة من الانتقال بين الصفوف الدراسية بعد خضوعهم لتقييمات تحدد مستواهم التحصيلي في ظل غياب التعليم النظامي المستقر.

تشير البيانات الرسمية إلى وجود نحو 820 مدرسة ميدانية ونقطة تعليمية موزعة في أنحاء القطاع، تستوعب قرابة 400 ألف طالب من مختلف المراحل. وتتداخل هذه الجهود بين المدارس التي تشرف عليها الوزارة، وتلك التي تديرها اليونيسيف، بالإضافة إلى مراكز التعلم التابعة لوكالة الأونروا التي تعمل بشكل غير رسمي.

حجم الخسائر في القطاع التعليمي يبدو كارثياً، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد أكثر من 19 ألف طالب وطالبة، وإصابة ما يزيد عن 28 ألفاً آخرين منذ بدء العدوان. كما فقدت المنظومة التعليمية 801 من كوادرها التدريسية، مما أحدث فراغاً كبيراً في الخبرات التربوية والأكاديمية اللازمة لإدارة الأزمة.

لم تقتصر الأضرار على الأرواح، بل طالت البنية التحتية بشكل ممنهج، حيث تعرضت 179 مدرسة حكومية و105 مدارس تابعة للأونروا للتدمير الكلي أو الجزئي. هذا الاستهداف جعل من العودة إلى المباني المدرسية التقليدية أمراً مستحيلاً في المدى المنظور، مما دفع الأهالي للبحث عن بدائل تعليمية مكلفة ومرهقة.

التعليم العالي في غزة واجه مصيراً مشابهاً، إذ تضرر 95% من الحرم الجامعية، وخرج 195 مبنى جامعي عن الخدمة بشكل كامل. وتقدر المنظمات الدولية مثل اليونسكو أن إعادة تشغيل الحد الأدنى من التعليم الجامعي تتطلب تمويلاً عاجلاً يتجاوز 110 ملايين دولار لترميم ما دمرته آلة الحرب.

اقتصادياً، تحول التعليم إلى عبء إضافي على كاهل العائلات التي تعاني من فقر مدقع، حيث ارتفعت أسعار القرطاسية البسيطة لمستويات غير مسبوقة. وتؤكد شهادات الأهالي أن ثمن الدفتر الواحد وصل إلى نحو دولارين، وهو مبلغ يفوق قدرة العائلات التي تكافح لتأمين لقمة العيش الأساسية في ظل انعدام الدخل.

تتحدث مصادر تربوية عن ظاهرة 'الإبادة المعرفية' التي ينتهجها الاحتلال عبر استهداف المؤسسات الأكاديمية وقتل العلماء والباحثين. ويرى مختصون في القانون الدولي أن هذا السلوك يتجاوز التدمير المادي ليصل إلى محاولة تفكيك الهوية الوطنية وحرمان الأجيال القادمة من حقها الأساسي في المعرفة والتطور.

من الناحية النفسية، يواجه الأطفال في غزة صدمات مركبة ناتجة عن الفقد والنزوح المتكرر، مما أثر بشكل حاد على قدراتهم الذهنية والتركيز. ويشير خبراء النفس إلى أن غياب البيئة المدرسية الآمنة دفع الكثير من الأطفال إلى الشوارع، مما يعرضهم لسلوكيات مشحونة بالتوتر والعنف المكبوت نتيجة الضغط المستمر.

رغم هذه السوداوية، يصر الطلبة على أحلامهم؛ فالطفل كنان الذي قضى شهوره في طوابير الماء يحلم بأن يصبح محامياً للدفاع عن حقوق شعبه. وكذلك كريم الذي يرى في خيمته الدراسية الخطوة الأولى نحو حلمه في أن يصبح طبيباً، مما يعكس إرادة صلبة تتحدى محاولات التجهيل الممنهجة.

تجارب التعليم الشعبي التي ظهرت خلال الانتفاضة الأولى تعود اليوم للواجهة في غزة، حيث يتحول التعليم من مجرد خدمة مؤسساتية إلى فعل مقاومة سيادي. هذه المبادرات المجتمعية تهدف لصون الوعي الجمعي وحمايته من الانهيار، مؤكدة أن الكتاب والقلم هما أدوات لا تقل أهمية عن أي وسيلة صمود أخرى.

يبقى واقع التعليم في قطاع غزة معلقاً بين ركام المدارس وطموحات جيل يرفض الاستسلام للجهل، وسط دعوات دولية لتدخل عاجل لإنقاذ ما تبقى. إن استمرار العملية التعليمية تحت النار يمثل رسالة تحدٍ واضحة، لكنها تحتاج إلى دعم حقيقي لإعادة بناء ما دمرته الحرب وضمان حق الأطفال في مستقبل آمن.

תגים

שתף את דעתך

التعليم تحت الأنقاض.. غزة تقاوم 'الإبادة المعرفية' بخيام النزوح والمدارس الميدانية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.