سلط تقرير تحليلي نشرته صحيفة هآرتس العبرية الضوء على تحول جذري في العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، حيث انتقلت من مفهوم الدفاع عن الحدود إلى نهج التوسع الدائم. وأشار المحلل زفي بارئيل إلى أن إسرائيل باتت تتعامل مع حدودها المعترف بها دولياً كخطوط مؤقتة قابلة للتجاوز، سعياً لفرض سيطرة مطلقة على أراضٍ خارج نطاق سيادتها القانونية.
ويرى بارئيل أن المشكلة الجوهرية تبدأ من تعريف الدولة لنفسها، إذ ترفض إسرائيل الالتزام بالقواعد الدولية التي تفرض قيام الدول ضمن حدود ثابتة. هذا التوجه جعل من التوسع الجغرافي جوهر المشروع الإسرائيلي المعاصر، متجاوزاً الذرائع الأمنية التقليدية التي كانت تُساق لتبرير العمليات العسكرية السابقة.
وفي الجبهة الشمالية، كشف التحليل عن بدء عملية توسع تدريجي في جنوب لبنان تهدف إلى وضع حجر الأساس لمستوطنات جديدة وفرض واقع دائم. وحذر الكاتب من أن هذا المسار سيكلف الجيش أثماناً دموية باهظة، خاصة في ظل امتلاك حزب الله ترسانة ضخمة من الصواريخ والألغام الأرضية التي قد تحول حياة الجنود إلى جحيم مستمر.
أما على الصعيد السوري، فقد أشار المقال إلى إصرار إسرائيل على البقاء في مناطق استراتيجية بمحافظة القنيطرة جنوبي البلاد. ويبدو أن هذا الرفض للانسحاب يأتي ضمن مخطط طويل الأمد يهدف إلى ضم هذه الأراضي رسمياً في المستقبل، مستغلة حالة عدم الاستقرار الإقليمي لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.
وبالانتقال إلى قطاع غزة، أكد المحلل أن القوات الإسرائيلية تسيطر فعلياً على نصف مساحة القطاع وتعمل على توسيع رقعة هذه السيطرة بشكل مستمر. هذا التحرك يتزامن مع سياسات ممنهجة تهدف إلى تغيير الطبيعة الديموغرافية والجغرافية للقطاع بما يخدم الرؤية الاستيطانية بعيدة المدى.
وفي الضفة الغربية، رصد التقرير انتشاراً لمليشيات وصفت بالعنيفة، تعمل تحت غطاء ودعم مباشر من الجيش الإسرائيلي لتنفيذ ما يشبه التطهير العرقي. هذه المجموعات باتت تتبنى أساليب قتالية وتنظيمية مشابهة للمليشيات العابرة للحدود، حيث تفرض أجندتها السياسية والعسكرية وتعتمد بشكل كامل على ميزانية الدولة الرسمية.
الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الدول المجاورة ليس تكتيكاً مؤقتاً، بل هو رسالة ومهمة أيديولوجية وهدف دائم ومقدس.
وربط بارئيل بين هذا التحول وبين شخصية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يتبنى عقيدة توسعية تشبه في بعض جوانبها تفكير دونالد ترمب. إلا أن الكاتب أوضح فرقاً جوهرياً، فبينما يرى ترمب السيطرة على الأراضي كورقة ضغط للتفاوض، يراها نتنياهو 'مهمة مقدسة' وأهدافاً أيديولوجية غير قابلة للتفاوض أو الانسحاب.
ويشير التحليل إلى أن هذا النهج التوسعي يترافق مع بناء نظام موازٍ داخل إسرائيل يركز السلطات كافة في يد رئيس الوزراء. وفي هذا النظام الجديد، تحل القوى الدينية والسياسيون الموالون محل المؤسسات الديمقراطية، مما يؤدي إلى تآكل سيادة القانون وتراجع الحريات العامة بشكل غير مسبوق.
كما لفت الكاتب إلى دور الأجهزة الأمنية والشرطية التي باتت تُستخدم أحياناً كأدوات لفرض الخوف والانصياع داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. هذا التحول الداخلي يخدم التوجهات الخارجية، حيث يتم إسكات الأصوات المعارضة لسياسات الاحتلال والتوسع لضمان استمرار المشروع الاستيطاني دون معارضة داخلية مؤثرة.
وانتقد بارئيل بشدة خضوع وسائل الإعلام للرواية الحكومية، معتبراً أن المجتمع الإسرائيلي يُقاد عبر الخوف نحو مستقبل قاتم. ويرى أن غياب المساءلة الدولية، والدعم الأمريكي المستمر، يمنحان نتنياهو الضوء الأخضر للمضي قدماً في انتهاك القانون الدولي وتوسيع رقعة الاحتلال في المنطقة.
وخلص المقال إلى أن إسرائيل تتجه نحو عزلة دولية طويلة الأمد بسبب إصرارها على رفض الحدود المعترف بها واعتماد القوة العسكرية وسيلة وحيدة للتعامل مع الجيران. وحذر من أن 'الأمن المقدس' الذي تنشده الحكومة عبر التوسع لن يتحقق، بل سيؤدي إلى مزيد من النزاعات الدموية التي لن تنجو منها الأجيال القادمة.





שתף את דעתך
هآرتس: إسرائيل تحول التوسع الحدودي إلى عقيدة 'أمنية مقدسة' وتستهدف لبنان وسوريا وغزة