واشنطن — سعيد عريقات-19/3/2026
بعد ثلاثة أسابيع على إطلاق الحرب ضد إيران في 28 فبراير/شباط، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيحاء بأن النزاع قد ينتهي "قريباً"، دون أن يقدّم تصوراً واضحاً للأهداف أو لآلية إنهاء الحرب. وفي المقابل، أكد وزير الحرب بيت هيغسيث ، الخميس، أنه لا يوجد جدول زمني محدد لوقف العمليات، مشيراً إلى أن القرار النهائي يبقى بيد الرئيس.
يشار إلى أن هيغسيث طلب 200 مليار دولار لتغطية الحرب على إيران، ما اعتبره بعض الخبراء بأنه إشارة على النية في استمرار الحرب لفترة أطول.
تصريحات ترمب الأخيرة عكست نهجاً قائماً على التقدير الشخصي أكثر من كونه مبنياً على معايير إستراتيجية محددة، إذ قال إن الحرب ستنتهي "عندما أشعر بذلك في داخلي". هذا الطرح أثار تساؤلات في الأوساط السياسية والعسكرية حول غياب تعريف واضح للنصر أو حتى إطار زمني واقعي لإنهاء العمليات.
أهداف متحركة وتعريف غامض للنصر
منذ بداية الحملة، تباينت الأهداف المعلنة بين تدمير القدرات النووية الإيرانية، وتقليص قوتها العسكرية، وردع نفوذها الإقليمي، بل وطرحت أحياناً إشارات إلى تغيير النظام. هذا التعدد في الأهداف، دون تحديد أولويات واضحة، جعل من الصعب قياس التقدم أو تحديد نقطة النهاية.
ورغم تأكيد الإدارة أن الأهداف "لم تتغير"، فإن هذا الثبات الظاهري يخفي غموضاً عملياً: ما حجم التدمير الكافي؟ ومتى يمكن اعتبار إيران قد فقدت قدرتها على التهديد؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات حاسمة.
تصعيد ميداني يقابله حديث عن نهاية قريبة
ميدانياً، تشير المعطيات إلى تصعيد مستمر، حيث تجاوز عدد الأهداف التي تم ضربها آلاف المواقع داخل إيران، مع توسع نطاق العمليات. كما تدرس وزارة الدفاع طلب تمويل إضافي ضخم، ما يعكس استعداداً لاحتمال استمرار الحرب لفترة أطول.
هذا التناقض بين خطاب "النهاية القريبة" والاستعدادات لحرب ممتدة يعزز الشكوك حول مدى وضوح الرؤية الاستراتيجية داخل الإدارة الأميركية.
ثبات الغموض منذ اليوم الأول
عندما أعلن ترمب بدء العمليات في 28 شباط، أشار إلى أن الحملة قد تستمر "أسابيع قليلة"، إلا أن مرور ثلاثة أسابيع لم يبدد الغموض بل عمّقه؛ إذ لا تزال الأسئلة الجوهرية بلا إجابات واضحة، من بينها ما هو الهدف النهائي للحرب، وما هي الشروط الدقيقة لإنهائها، وكيف يمكن تعريف النجاح عسكرياً وسياسياً. ويعكس هذا الغموض نمطاً متكرراً في الحروب الحديثة حيث تتسع الأهداف تدريجياً دون إعلان صريح، ما يصعّب التراجع أو إعادة التقييم ويضعف القدرة على بناء توافق داخلي. كما أن ربط نهاية الحرب بتقدير شخصي من الرئيس يعزز حالة عدم اليقين لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء، ويدفع إلى سلوكيات قد تزيد من احتمالات التصعيد. وفي الوقت نفسه، يكشف التباين بين الخطاب السياسي الذي يوحي بقرب انتهاء الحرب، والاستعدادات العسكرية التي تشير إلى احتمال استمرارها، عن فجوة قد تؤثر على ثقة الرأي العام، خاصة إذا طال أمد النزاع دون نتائج واضحة.
ويعكس غياب الوضوح في الأهداف الأميركية نمطاً متكرراً في الحروب الحديثة، حيث تتوسع الأهداف تدريجياً دون إعلان رسمي. هذا "الانزلاق الاستراتيجي" يجعل من الصعب على صانعي القرار التراجع أو إعادة التقييم. كما يضعف القدرة على بناء توافق داخلي، سواء في الكونغرس أو لدى الرأي العام. في حالة إيران، يزداد التعقيد بسبب الطبيعة الإقليمية للصراع، ما يجعل أي خطأ في التقدير قابلاً للتصعيد السريع وغير المحسوب.
كما ان تصريحات ترمب التي تربط نهاية الحرب بشعور شخصي تعكس تحولاً لافتاً في أسلوب إدارة الأزمات الدولية، حيث تتراجع المؤسسات لصالح القرار الفردي. هذا النمط قد يمنح مرونة تكتيكية، لكنه يخلق حالة من عدم اليقين لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء. فغياب المعايير الواضحة يجعل من الصعب التنبؤ بالسلوك الأميركي، ما قد يدفع الأطراف الأخرى إلى اتخاذ خطوات استباقية، تزيد من احتمالات التصعيد بدل احتوائه.
التناقض بين الخطاب السياسي والاستعدادات العسكرية يطرح تساؤلات حول الرسائل الموجهة للجمهور الأميركي. ففي الوقت الذي يُقال فيه إن الحرب قد تنتهي قريباً، تشير الأرقام والميزانيات إلى العكس. هذا التباين قد يكون محاولة لاحتواء القلق الداخلي، لكنه يحمل مخاطر تآكل الثقة إذا طال أمد النزاع. تاريخياً، مثل هذه الفجوة بين الخطاب والواقع كانت عاملاً رئيسياً في تراجع الدعم الشعبي للحروب الخارجية.





שתף את דעתך
ضبابية الأهداف في الحرب الأميركية على إيران تكشف غياب رؤية واضحة لنهايتها