عادت التوترات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى واجهة الأحداث مؤخراً، مدفوعة بتباينات حادة في ملفات إقليمية شملت اليمن والسودان. وتزامن هذا التصعيد مع تسليط الضوء على وثائق تاريخية ومسربة كشفت عن عمق الخلافات الحدودية والسياسية التي ظلت طي الكتمان لعقود طويلة بين الحليفين الخليجيين.
وتشير وثائق 'ويكيليكس' المسربة إلى أن جذور الأزمة تعود إلى اتفاقية الحدود الموقعة عام 1974، والتي اعتبرتها أبوظبي 'اتفاقية إكراه'. وبحسب برقيات دبلوماسية أمريكية، فإن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان اضطر لتوقيعها تحت ضغوط سياسية لضمان اعتراف الرياض بالدولة الاتحادية الناشئة التي تأسست عام 1971.
وأفادت مصادر دبلوماسية بأن الرياض كانت ترفض الاعتراف بجوازات السفر الإماراتية قبل التوقيع على تلك الاتفاقية، مما وضع القيادة الإماراتية في مأزق سيادي. وقد وصف مسؤولون إماراتيون في برقيات لاحقة تلك الظروف بأنها 'قوة قاهرة' فرضت تنازلات حدودية واسعة لصالح الجانب السعودي في ذلك الوقت.
وتتمحور القضايا العالقة بين الطرفين حول ثلاث نقاط رئيسية، أبرزها حقل نفط 'الزرارة' المعروف سعودياً بحقل 'الشيبة'، بالإضافة إلى الحدود البحرية المتصلة مع دولة قطر. كما تشمل الخلافات نقطة التقاء الحدود الثلاثية مع سلطنة عُمان، وهي ملفات تعتبرها أبوظبي 'عملاً غير مكتمل' رغم مرور عقود على التوقيع.
في المقابل، أظهرت برقيات تعود لعام 1974 أن الأمير فهد بن عبد العزيز، وزير الداخلية السعودي آنذاك، كان راضياً تماماً عن نتائج المفاوضات السرية. وأكد في لقاءات مع دبلوماسيين أمريكيين أن بلاده حققت أهدافها الاستراتيجية في تأمين ممر مائي إلى الخليج والسيطرة على حقول نفطية حيوية، معتبراً أن الاتفاق عزز مكانة السعودية الإقليمية.
وكشفت الوثائق أن السعودية أدارت المفاوضات بأسلوب 'الدبلوماسية السرية' مستلهمة نهج هنري كيسنجر، حيث تم حصر التواصل في دائرة ضيقة جداً من الوسطاء. ونفى الجانب السعودي حينها ممارسة أي ضغوط عسكرية، مشدداً على أن التسوية جاءت بناءً على علاقات شخصية وطيدة بين القيادتين لتجنب تكرار أزمات عسكرية سابقة.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تفجرت الأزمة مجدداً حين أبدى الرئيس الإماراتي الراحل الشيخ خليفة بن زايد غضباً شديداً من اعتراض الرياض على مشروع جسر يربط الإمارات بقطر. واعتبرت السعودية أن المشروع يمر عبر مياهها الإقليمية بموجب اتفاقية 1974، وهو ما أدى إلى تحركات ميدانية وتوتر عسكري صامت عند الحدود.
الإمارات وقعت اتفاقية الحدود مع السعودية عام 1974 في ظل 'قوة قاهرة' لضمان الاعتراف بالدولة الاتحادية.
ووصلت ذروة التصعيد في عام 2005 عندما فكرت الإمارات بجدية في سحب لواء 'درع الجزيرة' التابع لها من منطقة حفر الباطن السعودية كاحتجاج سياسي. وتزامنت هذه الخطوة مع محاولات إماراتية لإثبات التواجد في حقل الشيبة، قوبلت بانتشار عسكري سعودي مكثف في المنطقة الحدودية المتنازع عليها.
وفي إطار ما عُرف بـ'حرب الخرائط'، أصدرت الإمارات في عام 2006 كتاباً سنوياً يتضمن خريطة تظهر حدود الدولة متصلة مباشرة بقطر، متجاهلة التنازلات الحدودية السابقة. هذه الخطوة الجريئة أثارت حفيظة الرياض التي اكتفت حينها بطلب نسخ رسمية من الخريطة، معتبرة أن الملف الحدودي مغلق قانونياً ولا يقبل النقاش.
ولم تقتصر الخلافات على الحدود البرية والبحرية، بل امتدت لتشمل السياسات النقدية والمؤسسات الخليجية المشتركة. ففي عام 2009، انسحبت الإمارات من مشروع الوحدة النقدية الخليجية احتجاجاً على إصرار السعودية على أن يكون مقر البنك المركزي الخليجي في الرياض، مما أدى لتعطيل أحد أهم مشاريع التكامل الاقتصادي.
وتكشف البرقيات الأمريكية أن المسؤولين الإماراتيين عبروا في لقاءات مغلقة عن مخاوفهم من 'التنمر' السعودي تجاه الجيران الصغار في المنطقة. وذهبت بعض التقارير إلى وصف السعودية بأنها تمثل 'ثاني أكبر تهديد أمني' للإمارات بعد إيران، وذلك بسبب العداء التاريخي والمخاوف من التمدد الفكري والسياسي.
وعلى الصعيد القانوني، تظل المادتان الثالثة والخامسة من اتفاقية 1974 هما 'الألغام' التي تفجر النزاع بين الحين والآخر، حيث تمنحان السعودية ملكية كاملة للموارد في حقل الشيبة. كما تمنح النصوص القانونية الرياض حق 'الفيتو' على أي مشاريع إنشائية في مناطق السيادة المشتركة، وهو ما عرقل طموحات إماراتية عديدة.
تاريخياً، يعود هذا الصراع إلى عام 1810، حين سيطر آل سعود على واحة البريمي التي تمثل المقر التقليدي لعائلة آل نهيان الحاكمة في أبوظبي. هذا الإرث من النزاع القبلي والمكاني شكل الوعي السياسي للقيادة الإماراتية، وجعل من قضية الحدود مسألة كرامة وطنية تتجاوز مجرد الخلاف على آبار النفط.
ورغم محاولات المصالحة التي قادها مسؤولون من الطرفين في أعوام 2009 و2011، إلا أن الوثائق تؤكد أن الجمر لا يزال تحت الرماد. فالتنافس على القيادة الإقليمية والتباين في الرؤى الاقتصادية والسياسية يعيد دائماً إنتاج الخلافات التاريخية، مما يجعل العلاقة بين القطبين الخليجيين في حالة تذبذب مستمر بين التحالف والخصومة.





שתף את דעתך
وثائق 'ويكيليكس' تكشف كواليس الخلاف الحدودي التاريخي بين السعودية والإمارات