يُعلّمنا باولو فريري أن كل إنسان هو مصدر للمعنى، وأن التفكير النقدي يبدأ حين يدرك الإنسان ذاته كفاعلٍ في العالم لا كمفعول به. لكنّ القاهرين لا يكتفون بالسيطرة على الأرض، بل يسعون لاحتلال الوعي، مستعينين بثلاثة أسلحة فكرية وثقافية خطيرة: العمل المضاد للحوار، الإعلام الموجّه، واستراتيجية "فرق تسد".
أولاً: سلاح " Antidialogical Action" العمل المضاد للحوار
يناقش فريري ما يسمّيه بالفعل المضاد للحوار، ويعرّفه بأنه طريقة لتغيير الثقافة بما يخدم مصالح القاهرين. ويعتبر عملية تضليل عقول البشر بأنها أداة للقهر، تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة، أهم جانب من هذا الفعل هو (الغزو)، أي محاولة القاهرين السيطرة على الناس والعالم عبر إخضاعهم واحتلال وعيهم وتطويعهم؛ لمنع أي تغيير ثقافيٍّ يهدد سلطتهم، من خلال خلق الأساطير عن العالم، عبر غرس تصوراتٍ جامدة عن الصواب والخطأ والنظام، ثم مطالبة الآخرين بالتكيّف معها، وتُبَثُّ لهم عبر الدين والاقتصاد والتعليم والإعلام، مما يضمن أن يتشرّب المقهورون هذه الأساطير لتصبح معتقدات مترسّخة لديهم، حيث يصبح من الصعب عليهم الدخول في حوار حقيقي حول طبيعة الواقع.
ثم يؤكد فريري مرة أخرى أن أي موقف قمعي بطبيعته معارض للحوار؛ لأنه يحوّل العلاقة بين المعلم والمتعلم إلى علاقة امتلاكٍ لا علاقة إنسانية. والمعلم في هذه المنظومة ليس ميسرًا للمعنى، بل ناقلًا للمفاهيم المفروضة من فوق. لذلك قال فريري "التعليم لا يكون محايدًا. إما أن يكون تعليما للحرية أو تعليما للاستعباد".
إذن، البديل للتعليم القهري اللاحواري هو الحوار الناقد، الذي يؤمن بإيجابية المتعلمين وإنسانيتهم، بحيث يدخلون في علاقة حوار دائم مع المقهورين، وتتكفل هذه العملية بتخليص المتعلمين من الأوهام والأساطير التي صورها وصاغها النظام القديم.
في السياق الفلسطيني، يمارس هذا الغزو عبر محاولة سلخ الفلسطينيّ عن أرضه وروايته، وتحويل الاحتلال إلى واقع طبيعيّ بل وحتميّ، والتعليم أداة للتطبيع الممنهج، حيث يضغط الاحتلال لتغيير المناهج الفلسطينية كونها تدعو للإرهاب، كتحويل اسم (جدار الفصل العنصري) في الكتب المدرسية إلى (جدار الضم والتوسع)، ومن (دولة الاحتلال) إلى (دولة إسرائيل)، إلّا أن الفكر الثّوري قائم في معلّمينا، واعتمادهم على المنهج الخفيّ، دليل الوعي لديهم، لا سيّما تجربة التعلم في السجون، التي تحدّت محاولات الاحتلال في عزل الأسرى عن العالم، فكان الطالب يُعتقل عدّة أشهر، وحين يخرج يكون شخصًا آخر بخبرات حياتيّة، وثقة بالنفس، ولسان طلق. كما نجحت التجربة في إنتاج (فن السجون) من كتب وروايات ورسائل ماجستير في العلوم السياسية.
ثانياً: سلاح " Propaganda" الإعلام الموجّه – أداة تضليل العقول وصناعة "ثقافة الصمت"
يرى فريري أن القهر لا يقوم فقط على القوة المادية، بل على إنتاج وعي زائف يقدّم الاضطهاد كأنه واقع طبيعي لا يمكن تغييره. لا يوجد تضليل إعلامي ناجح دون أن يقوم القائمون عليه بإخفاء شواهد وجوده، ويقتضي ذلك واقعًا زائفًا بإنكار وجوده بشكل مستمر، في ظل شعور المُضَلَلين بأن الأشياء التي يشاهدونها هي على ما هي عليه من الوجهة الطبيعية والحتمية.
هنا يتقاطع فكر فريري مع هربرت شيللر الذي تناول أسطورة "الاختيار الفردي"، حيث تعمل وسائل الإعلام على إقناع جماهيرها بأن حقوق الفرد المطلقة هي حقيقة يعيشونها، رغم أن الواقع يختلف اختلافًا كليًّا، فهناك العديد من الشواهد التي تؤكد أن حقوق الفرد ليست سوى أسطورة، وبأنه لا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع.
فامتلاك وسيلة انتقال خاصة، ومنزل مستقل للأسرة، والعمل في مشروع لا يملكه الغير، أفكار تروّج لها وسائل الإعلام لتفتيت وعي الجماهير، وتحويلها من شعبٍ فاعلٍ إلى أفرادٍ منفصلين يسهل التحكم بهم. الإعلام الموجّه، وفق هذا المنظور، لا ينقل المعرفة، بل يزرع الخرافة ويُطبع القهر، ويجعل الناس يتقبلون البؤس كقدرٍ محتوم. وكما أشار فريري، فإن "ثقافة الصمت" تولد عندما يُقنع النظامُ المقهورين بأن فقرهم وحرمانهم أمرٌ طبيعي، فينحني الناس لا بفعل القوة، بل بفعل الإقناع المتواصل عبر التعليم والإعلام معًا.
في السياق الفلسطيني، يتجلّى هذا السلاح في محاولة طمس الرواية الفلسطينية عبر إعلامٍ عالمي يبرّر القهر باسم أمن إسرائيل، لكن الوعي المقاوم، كما علمنا فريري، يبدأ من تحويل المتلقّين إلى باحثين عن الحقيقة، لا متلقين سلبيين لها. حيث ساهمت حرب 7 أكتوبر في إظهار حقيقة دولة إسرائيل أمام العالم، وكشف الروايات الكاذبة التي تُبث للعالم، كما ساهمت ثقافة بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي من أهل غزة بالاعتماد على قدرتهم في نقل الحقيقة باللغة الإنجليزية، في إيصال الصورة الحقيقية للحرب.
ثالثاً: سلاح "Divide and Rule" فرق تسد– تمزيق وعي الجماعة المقهورة.
يتحدث فريري عن سلاحٍ أشدّ خفاءً، وهو أن القاهرين يفصلون المقهورين عن بعضهم كي يمنعوهم من اكتشاف قوتهم المشتركة. فبدلًا من تضامن الجماعات المقهورة، تُزرع بينها الشكوك والمنافسة والهرمية الزائفة، فيُعاد إنتاج عقلية القهر داخل البنية الاجتماعية نفسها. يقول فريري إن القاهرين يخلقون ما يسميه بـ "الكرم الزائف"؛ يمنحون القليل ليضمنوا استمرار التبعية.
وفي التعليم، تتجلى هذه الآلية في أساليب التقييم والعقاب والمكافأة المتّبعة حالياً، أما خليل السكاكيني فقد قام بتأسيس مدرسة في 1909 في القدس، كان شعارها: "إعزاز التلميذ لا إذلاله" وطبّق هذا الكلام فعليًّا عبر: لا علامات، ولا جوائز، ولا عقاب. فالنظام الذي يُقسم الطلبة إلى ناجح وفاشل، ومتفوق ومقصّر، يُعيد إنتاج منطق القاهر والمقهور داخل الصف ذاته. ولكن إن طرحنا هذا الطرح اليوم، فسيسألنا الناس: لماذا سيدرس الطالب إن لم يكن ثمّة علامات وجوائز وعقاب!
في فلسطين، يظهر هذا السلاح حين تُقسَّم المدارس والمناطق إلى (أ) و(ب) و(ج)، وتوزيع المعلمين المتمكنين في المدارس الثانوية العريقة للمحافظة على سمعتها، وينقسم معظم الشعب بين الفصائل السياسية، ليكونوا عبيداً لأشخاص لا لفكرة ثورية، كما عمل الاحتلال البريطاني سابقاً على تقسيم الشعب إلى حضريّ وقرويّ وبدويّ، وزرع الفتنة وشعور الأفضلية بين فئة عن غيرها.
فينعكس الانقسام الجغرافي والسياسي إلى انقسامٍ في الوعي، فيتراجع التضامن وتضعف الثقة بقدرة الجماعة على الفعل الجماعي. وهنا تتأكد رؤية فريري بأن التحرر فعلٌ جماعي لا يُنجز في العزلة، وأن المقهورين لا يتحررون إلا حين يصغون لبعضهم البعض، لا حين يتنافسون على فتاتٍ يمنحه القاهرون، ولكي يتمكن الأفراد المُستضعفون من تطبيق الممارسة "الثورية" في حياتهم يحتاجون إلى فهم وضعهم الحالي أنهم مقهورون، والعالم كما هو (أنهم يعيشون في عالم تهيمن فيه الأقلية على الأغلبية)، وأنه من الممكن أن تتغير الأمور من خلال أفعالهم وتعاونهم واندماجهم ليصلوا إلى الأنسنة والحرية.
في ضوء فكر فريري، يمكن القول إن مقاومة هذه الأسلحة الثلاثة تبدأ من التربية النقدية، من تعليمٍ يُعيد للإنسان قدرته على التساؤل، ويمنحه حق الإصغاء والتفكير. إن تحرر الوعي شرطٌ لتحرر الأرض، والتعليم الذي لا يُعلّم الحرية لا يصنع إلا عبيدًا جددًا. ولذلك، فالمعلم الحقيقي هو من لا يرسم ملامح طلابه، بل يُعينهم على رسم ذواتهم، فيتحول التعليم إلى فعل مقاومةٍ يومي، يواجه القهر بالمعنى والفكر والحوار.
* طالبة دكتوراه في القيادة والإدارة التربوية





שתף את דעתך
قراءة تربوية تأملية:أسلحة القاهرين ضد المقهورين في ضوء فكر باولو فريري وإسقاطها على الواقع الفلسطيني