ג 10 פבר 2026 8:04 am - שעון ירושלים

الضفة الغربية في مخيال اليمين الإسرائيلي: السيطرة، الاستيطان وإدارة الصراع الطويل الأمد"

يرى اليمين الإسرائيلي الضفة الغربية ليس كمساحة جغرافية متنازع عليها بانتظار تسوية سياسية، بل كأرض حُسم أمرها تاريخيًا وأيديولوجيًا، وما يجري اليوم ليس سوى مرحلة متقدمة من مراحل تثبيت هذا الحسم على الأرض. في المخيال السياسي لهذا اليمين، لا تُفهم الضفة بوصفها “ما بعد الاحتلال”، بل باعتبارها “ما قبل الاكتمال”، حيث يصبح الاستيطان ليس أداة ضغط تفاوضية، بل وسيلة لإعادة تشكيل المكان والإنسان معًا، بحيث يتحول أي حديث لاحق عن دولة فلسطينية إلى أقرب للخيال السياسي منه إلى مشروع واقعي قابل للتحقق.

بعد موجات الاستيطان الواسعة، لا يتحدث اليمين الإسرائيلي عن نهاية الصراع أو عن تسوية شاملة، بل عن انتقال هادئ من مرحلة التوسع إلى مرحلة تطبيع واقع جديد. واقع تقوم فيه إسرائيل بالسيطرة شبه الكاملة على الأرض، فيما تُترك للفلسطينيين إدارة محدودة لشؤون السكان. الأرض تُضم فعليًا حتى لو لم تُضم قانونيًا، والحدود تُمحى على الأرض حتى لو بقيت حاضرة في الخطاب الدولي. ما يهم هذا التيار ليس الإعلان الرسمي بقدر ما يهمه أن يستيقظ العالم بعد سنوات ليجد أن الدولة الفلسطينية أصبحت غير قابلة للحياة، لا جغرافيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيًا.

في هذه الرؤية، تُعاد صياغة الضفة الغربية كفسيفساء من الكتل الاستيطانية الكبرى، والطرق الالتفافية، والمناطق العسكرية، تتخللها مدن وبلدات فلسطينية محاصرة، منفصلة عن بعضها، وتفتقد لأي تواصل سيادي حقيقي. الفلسطيني هنا لا يُنظر إليه كشريك سياسي، بل كـ“سكان” يجب إدارتهم بأقل كلفة أمنية ممكنة. لا مكان لفكرة الحقوق القومية الفلسطينية، ولا اعتراف بحق تقرير المصير، بل تُستبدل هذه المفاهيم بلغة إدارية ناعمة تتحدث عن تحسين مستوى المعيشة، وتسهيل الحركة المشروطة، ومنح صلاحيات بلدية موسعة، من دون المساس بجوهر السيطرة الإسرائيلية.

يتعامل اليمين الإسرائيلي، وخصوصًا في نسخته الدينية القومية، مع الزمن كحليف استراتيجي. فكل عام يمر مع توسع الاستيطان وتآكل الجغرافيا الفلسطينية هو عام إضافي يُضعف إمكانية فرض حل سياسي شامل. الرهان لا يقوم فقط على التفوق العسكري، بل على الإنهاك البطيء، وعلى تعوّد الفلسطيني على واقع بلا أفق، وعلى اعتياد العالم على مشهد السيطرة بوصفه حالة دائمة لا طارئة. وفي هذا السياق، تتحول السلطة الفلسطينية إلى أداة وظيفية أكثر منها كيانًا سياسيًا، تُترك قائمة بقدر ما تؤدي دورها في ضبط المجتمع الفلسطيني ومنع الانفجار الشامل، دون أن يُسمح لها بالتحول إلى مشروع سيادي.

أما الفلسطيني في تصور اليمين، فله خياران غير معلنين بوضوح: القبول بحياة منقوصة السيادة والحقوق داخل جيوب سكانية محاصرة، أو البحث الفردي عن الخلاص خارج المكان، عبر الهجرة أو الانسحاب من المجال العام. هذه الخيارات لا تُطرح رسميًا، لكنها تتجسد في السياسات اليومية التي تضيق الخناق على الأرض والاقتصاد والحركة، وتحول الحياة إلى سلسلة من التنازلات الصغيرة التي تبدو غير سياسية في ظاهرها، لكنها سياسية بامتياز في نتائجها.

ورغم أن الخطاب العلني لجزء من اليمين، وخصوصًا اليمين البراغماتي، يتجنب لغة الضم الصريح تفاديًا للصدام الدولي، إلا أن الممارسة على الأرض لا تختلف جوهريًا عن خطاب اليمين الأكثر تطرفًا. الفارق ليس في الهدف بل في الأسلوب. الهدف واحد: أرض تحت سيطرة إسرائيلية دائمة، مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين وأقل قدر ممكن من الحقوق لهم. الدولة الفلسطينية تُرفض هنا ليس فقط لأنها تُصوَّر كخطر أمني، بل لأنها تهدد الرواية الأيديولوجية التي ترى في الضفة جزءًا لا يتجزأ من المشروع الصهيوني.

ويرتكز هذا التصور كذلك على هاجس ديموغرافي عميق يكاد يكون هاجسًا وجوديًا في عقل اليمين الإسرائيلي. فالفلسطينيون، من وجهة نظره، لا يشكلون مجرد تحدٍ أمني أو سياسي، بل خطرًا عدديًا متراكمًا يهدد تعريف إسرائيل كدولة يهودية على المدى الطويل. هذا الخوف لا يُقال دائمًا بصراحة، لكنه حاضر بقوة في السياسات المتعلقة بالأرض والتخطيط والسكن والحدود. الأرض مطلوبة، أما السكان الفلسطينيون فيُنظر إليهم كمشكلة يجب تحييدها أو احتواؤها أو دفعها إلى الهامش الجغرافي والسياسي، دون ضمهم إلى الجسد السياسي للدولة.

ومن هذا المنطلق، يرى اليمين الإسرائيلي نفسه اليوم في مرحلة حصد ثمار سياسات طويلة الأمد انتهجتها حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة. لم يكن نتنياهو سياسيًا أيديولوجيًا صداميًا في خطابه، لكنه كان مهندسًا لواقع جديد تشكل ببطء ومن دون ضجيج. خلال سنوات حكمه، جرى تفكيك فكرة الشراكة مع الفلسطينيين تدريجيًا، ليس عبر إعلان نهايتها، بل عبر إفراغها من مضمونها. المفاوضات تحولت إلى طقس فارغ، وحل الدولتين بقي حاضرًا في الخطاب الخارجي بينما جرى تقويضه عمليًا على الأرض، واستمر الاستيطان كسياسة دولة لا كاستثناء.

في هذا السياق، أُعيد تعريف الفلسطينيين، والسلطة الفلسطينية تحديدًا، في العقل السياسي الإسرائيلي من “شريك محتمل” إلى “عدو مُدار”. لم تعد السلطة كيانًا يُفترض أن يقود إلى دولة، بل جهازًا وظيفيًا يُستخدم لضبط المجتمع الفلسطيني ومنع انهياره الكامل، دون منحه أي أفق سياسي حقيقي. هذا التحول لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة تراكمية لخطاب وسياسات رسخت فكرة أن الفلسطيني لا يستجيب إلا للضغط، وأن أي تنازل سياسي يُقرأ كضعف لا كبادرة سلام.

ويُضاف إلى هذه الصورة بُعد أمني لا يقل أهمية، يتمثل في الطريقة التي جرى فيها التعامل مع تنامي التشكيلات العسكرية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الضفة، لوحظ خلال السنوات التي سبقت الحرب على غزة نوع من التسامح المحسوب مع بروز مجموعات مسلحة محلية، ولم يُتعامل معها بالحسم الذي كان سائدًا في مراحل سابقة. هذا التساهل لم يكن غفلة استخباراتية، بل جزءًا من قراءة سياسية ترى في هذه الظواهر مبررًا مستقبليًا لتشديد القبضة الأمنية، وتعميق السردية التي تصوّر الفلسطيني كتهديد دائم لا كشريك سياسي.

أما في غزة، فقد تُرك القطاع لسنوات لينمو عسكريًا في إطار سياسة إدارة الصراع لا حسمه. جرى التعامل مع تعاظم قدرات الفصائل المسلحة باعتباره خطرًا يمكن احتواؤه أو تأجيله، لا تهديدًا يستوجب تغييرًا جذريًا في الاستراتيجية. التسهيلات الاقتصادية الجزئية، وضبط وتيرة المواجهات، والسماح بترسيخ حكم الأمر الواقع، كلها أسهمت في خلق بيئة انفجارية مؤجلة، انفجرت لاحقًا على نحو عنيف، وأُعيد توظيفها لتبرير مزيد من القوة وإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني.

في المقابل، لا يتخيل اليمين الإسرائيلي مستقبل الضفة كمساحة استنفار دائم بلا نهاية. فالاستنفار، في نظره، أداة مرحلية تُستخدم لتثبيت السيطرة، لا نمط حياة طويل الأمد. بعد تحقيق الحد الأدنى مما يراه ضروريًا على صعيد الأرض والبنية التحتية وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، يصبح الهدف خفض منسوب الانفجار، لا إنهاء الصراع. تهدئة السكان هنا ليست مصالحة ولا شراكة، بل تهدئة وظيفية تسمح للمستوطنات بأن تعيش وتتمدد وتتحول من مشروع أيديولوجي إلى واقع طبيعي طاغٍ في المجال العام.

في هذا الإطار، يُعاد تعريف الأمن نفسه: من حالة طوارئ مفتوحة إلى أمن روتيني عالي السيطرة، قائم على المراقبة والاستخبارات والتدخلات الموضعية، مع حضور عسكري دائم لكنه أقل صخبًا. هذا النموذج يخدم الاستيطان أكثر من المواجهة المفتوحة، لأنه يوفر بيئة استقرار نسبي تتيح للمستوطنات النمو، والاستثمار، وفرض نفسها كحقيقة لا كاستثناء، فيما يبقى الفلسطيني في حالة ضبط دائم، بلا أفق سياسي وبلا قدرة على تغيير قواعد اللعبة.

وهكذا تلتقي كل هذه الخيوط في رؤية واحدة متماسكة: خوف ديموغرافي، ورفض للشراكة السياسية، واستيطان متسارع، وسلطة فلسطينية منزوعة الأفق، وبؤر توتر تُدار لا تُحل، واستنفار يُستخدم عند الحاجة ثم يُخفف لصالح تهدئة وظيفية تخدم مشروع السيطرة طويلة الأمد. ما يجري في الضفة الغربية، وما جرى في غزة، ليس سلسلة أخطاء منفصلة، بل تعبير عن منطق يرى في الصراع حالة دائمة يمكن التحكم بها واستثمارها، وفي الانفجار أحيانًا أداة لإعادة ترتيب الواقع، لا فشلًا ينبغي تفاديه.


תגים

שתף את דעתך

الضفة الغربية في مخيال اليمين الإسرائيلي: السيطرة، الاستيطان وإدارة الصراع الطويل الأمد"

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.