Fri 17 Jul 2026 12:37 pm - Jerusalem Time

45 عاماً على مجزرة الفاكهاني: حين استباح الاحتلال قلب بيروت بالحديد والنار

في ظهيرة السابع عشر من تموز/ يوليو عام 1981، لم تكن غارات الاحتلال الإسرائيلي تستهدف مواقع عسكرية معزولة أو قرى حدودية، بل امتدت لتضرب قلب العاصمة اللبنانية بيروت. وصلت الطائرات الحربية إلى سماء منطقة الفاكهاني المكتظة بالسكان والمكاتب، وألقت حممها فوق رؤوس المارة والقاطنين في مشهد مأساوي.

خلال دقائق معدودة، انهارت مبانٍ سكنية بالكامل وتحولت الشوارع الحيوية إلى أكوام من الركام والحرائق، بينما هرعت سيارات الإسعاف في محاولة يائسة لإنقاذ العالقين. شكل هذا القصف واحداً من أشد الاعتداءات الإسرائيلية دموية على بيروت، ممهداً الطريق لمرحلة جديدة من التصعيد العسكري الشامل.

تتفق المصادر التاريخية والتوثيقية على أن الغالبية العظمى من ضحايا تلك المجزرة كانوا من المدنيين العزل الذين باغتهم القصف في منازلهم وأماكن عملهم. ولم تكن الفاكهاني مجرد نقطة جغرافية، بل كانت تمثل نبض الحياة المشتركة بين اللبنانيين والفلسطينيين في ذلك الوقت.

جاءت هذه الغارات العنيفة في ظل تصاعد حدة المواجهة بين قوات الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتخذ من لبنان منطلقاً لعملياتها. وزعمت سلطات الاحتلال حينها أن القصف جاء رداً على إطلاق صواريخ باتجاه المستوطنات الشمالية، متخذة من ذلك ذريعة لاستباحة العاصمة.

استهدف الطيران الإسرائيلي منطقة الفاكهاني بتركيز شديد، بدعوى وجود مكاتب تابعة لحركة فتح والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين داخل الحي. ورغم أن المنطقة كانت تضم مراكز سياسية وإدارية، إلا أنها كانت في جوهرها حياً سكنياً يعج بالأطفال والنساء والعمال.

كشفت المجزرة عن نهج إسرائيلي متكرر يعتمد على تحويل الأحياء المدنية المكتظة إلى أهداف عسكرية مشروعة بمجرد وجود مكتب سياسي أو منشأة تنظيمية. هذا الأسلوب أدى إلى سقوط الأبنية فوق ساكنيها، وتحولت عمليات الإنقاذ إلى سباق مع الزمن وسط انقطاع الطرق وتكدس الجرحى.

تباينت الأرقام حول الحصيلة النهائية للشهداء، حيث تشير توثيقات فلسطينية إلى ارتقاء أكثر من 300 شهيد، بينما أوردت تقارير أخرى أرقاماً متفاوتة. هذا التباين يعكس ظروف الحرب الأهلية اللبنانية آنذاك وضعف المؤسسات الرسمية في إحصاء الضحايا بدقة تحت الأنقاض.

لم تكن الفاكهاني مجرد حادثة عابرة في سجل الصراع، بل كانت اختباراً لقدرة الاحتلال على نقل المعركة من الحدود إلى عمق المدن الكبرى. وقد أظهرت الصور القادمة من بيروت في ذلك اليوم حجم الدمار الذي لحق بالمباني المرتفعة والمؤسسات المدنية والخدمية.

بعد أسبوع من المجزرة والتصعيد الدامي، نجحت جهود دولية قادها المبعوث الأمريكي فيليب حبيب في التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار في 24 يوليو 1981. ورغم أن الهدنة أوقفت المدافع مؤقتاً، إلا أنها لم تنزع فتيل الانفجار الكبير الذي كان يلوح في الأفق.

بقي الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان يمثل هاجساً للاحتلال، الذي واصل التخطيط لعملية عسكرية أوسع تنهي هذا الوجود بشكل كامل. ولم تمر سوى أشهر قليلة حتى بدأ الاجتياح الإسرائيلي الشامل للبنان في يونيو 1982، وصولاً إلى حصار بيروت الشهير.

يرى محللون أن غارات يوليو 1981 كانت بمثابة 'بروفة' عسكرية لما سيفعله الاحتلال لاحقاً في اجتياح عام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا. فقد تم اختبار ردود الفعل الدولية تجاه قصف العواصم العربية واستهداف المدنيين بشكل مباشر وواسع النطاق.

رغم مرور 45 عاماً، لا تزال ذاكرة حي الفاكهاني حية في وجدان سكان المنطقة وعائلات الضحايا الذين فقدوا أحباءهم في لحظات غادرة. لا تقتصر المأساة على الأرقام والإحصائيات، بل في القصص الإنسانية التي دُفنت تحت أنقاض الشرفات وغرف النوم.

تطرح ذكرى المجزرة تساؤلات قانونية وأخلاقية حول حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، وكيف يتم التضحية بحياة المئات مقابل أهداف عسكرية مفترضة. إن ما جرى في الفاكهاني يظل شاهداً على سياسة 'الأرض المحروقة' التي ينتهجها الاحتلال في مواجهة الوجود الفلسطيني.

اليوم، يستذكر اللبنانيون والفلسطينيون تلك اللحظات ليس فقط كجزء من الماضي، بل كدرس مستمر حول طبيعة الصراع في المنطقة. فالمشاهد التي شهدتها بيروت عام 1981 لا تزال تتكرر بصور وأشكال مختلفة في مدن فلسطينية ولبنانية أخرى حتى يومنا هذا.

Tags

Share your opinion

45 عاماً على مجزرة الفاكهاني: حين استباح الاحتلال قلب بيروت بالحديد والنار

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.