Sun 12 Jul 2026 11:24 am - Jerusalem Time

حوار أم استعراض؟



شعارات.. شعارات.. شعارات، هو أقل ما يقال عن حدث العام الذي نظمته الأمم المتحدة قبل أيام في مدينة جنيف، الذي حمل اسم: حوار الأمم المتحدة الأول للذكاء الاصطناعي، وذلك خلال الفترة الممتدة من السادس وحتى السابع من الشهر الحالي، حيث هدف الحوار، حسب منظميه، إلى متابعة التسارع المتواتر، وبصورة غير مسبوقة، في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وصياغة توافق دولي يضبط إيقاع هذه الثورة التقنية، ويحمي البشرية من مخاطرها، وذلك عبر ضوابط عالمية شاملة حسب ما قيل، تضمن استخدام هذه التقنية لصالح الإنسانية قاطبة.
وركزت مخرجات الحوار المنشودة على السعي لدمج أولويات الدول النامية، وزيادة التنسيق العالمي لوضع وتعزيز الميثاق الرقمي العالمي للذكاء الاصطناعي، وتطوير قدرة البشرية على مواكبة التسارع الكبير في ثورة الذكاء الاصطناعي التي يشهدها العالم، خاصة في ظل غياب حوكمة شاملة، وضعف قدرة حكومات العالم الثالث، على مجاراة هذا التطور.
لكن هذه الأجندة الطموحة إنما قوبلت بالخروج عملياً ببعض الخطوات الخجولة، كإنشاء وحدة دولية للحوكمة الإجرائية، التي تساهم في توحيد المعايير، وتطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي عالمياً، ولأغراض إنسانية مفيدة. كما اشتملت التوصيات على أهمية أن لا تعكس أطر الحوكمة أولويات الدول المتقدمة تكنولوجياً فحسب، بل قيل إنها يجب أن تحمي جميع الأصوات والثقافات المتنوعة، وتضمن إشراك العالم الثالث في هذا المضمار. كما أكد الحوار أهمية دمج المبادرات السابقة التي ولدت خلال السنوات الثلاث الماضية، وجاءت نتاج العمل الأممي المكثف، بما فيها الميثاق الرقمي العالمي، وتوصيات اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى متابعة عمل اللجنة العلمية الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي تتابع رصد المخاطر وتقديم التوصيات المستمرة.
غير أن ما كان مأمولاً أن يشكل محطة لصياغة رؤية عالمية مشتركة، بدا بوجهة نظري كمشارك عن بُعد في مجريات المؤتمر أقرب، في كثيرٍ من جوانبه، إلى مهرجان خطابي، ومنصة لاستعراض الإنجازات الوطنية لكل دولة بعينها، دون وجود حوار حقيقي أممي يصنع قرارات للمستقبل، إلا ما تم حبكه مسبقاً، وفي غرف ضيقة جداً حسب المخرجات.
وفي إطار مهرجانٍ كهذا، قدّمَ رؤساء وفود معظم دول العالم مرافعاتهم وكلماتهم الرسمية، لكن معظمهم انشغل بعرض ما حققته دولته من إنجازات، واستعراض ما أقرته من استراتيجيات ومنظومات قانونية، والتأكيد على البعد الأخلاقي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي. ورغم أهمية تلك المحاور، فإنها بدت وكأنها سباق لإظهار العضلات التقنية والتشريعية، فيما اقتصر الحديث عن العمل المشترك على عبارات عامة وأمنيات يائسة، وشعارات فضفاضة لم ترتقِ إلى مستوى التحديات التي يفرضها هذا القطاع المتسارع.
وقد غابَ، في المقابل، أي تصور عملي واضح لآليات التعاون الدولي. فلم تُطرح خطة أممية ملزمة، ولم يُعلن عن إطار زمني لتنفيذ مبادرات مشتركة، ولم تتبلور مؤسسات أو آليات متابعة تضمن تحويل الأقوال إلى أفعال سوى إطار الحوكمة سالف الذكر، وكأن المجتمع الدولي لا يزال يناقش أهمية الذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزته التكنولوجيا بخطوات واسعة نحو واقع ماراثوني جديد يفرض نفسه كل يوم.
لقد افتقدَت جلسات الحوار إلى الجرأة المنشودة في إنتاج توصيات جادة تُرفع إلى الجهات المختصة في الأمم المتحدة لإقرارها واعتمادها. فالعالم، وبصراحة، لم يعد بحاجة إلى بيانات ختامية تعيد التأكيد على أهمية التعاون، بل إلى قرارات دولية ملزمة تحدد المسؤوليات، وتنظم العلاقة بين الحكومات والشركات المطورة، وتضع حدوداً واضحة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في المجالات المدنية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية.
لقد تجاهلَ المشاركون تماماً الحاجة الملحة إلى مراجعة القانون الدولي بما يواكب التحولات المتسارعة. فالمنظومة القانونية الحالية صيغت في زمن لم يكن فيه الذكاء الاصطناعي لاعباً رئيسياً في الاقتصاد أو الأمن أو التسليح أو الصراعات الدولية، أما اليوم فقد أصبح شريكاً في اتخاذ القرار، وصناعة المعرفة، وإدارة الحروب، والتأثير في الرأي العام، وصولاً إلى فبركته الاحترافية للتصاميم والنصوص والصوت والصورة.
إن غياب الرؤية المستقبلية، التي تعزز سرعة مواءمة التشريعات المحلية مع تجور الذكاء الاصطناعي، بات أمراً غير مقبول، إذ لا يمكن أن تستمر ثورة بهذا الحجم دون إطار قانوني دولي جديد يضبط إيقاعها ويحاسب من يسيء استخدامها.
لقد أغفلَت الخطابات الرنانة والمتتابعة في الحوار المذكور أيضاً الفجوة الرقمية المتسعة بين دول شمال العالم وجنوبه، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة رقمية، فيما تفتقر عشرات الدول إلى البنى التحتية والقدرات البشرية والتمويل اللازم للدخول إلى عصر الذكاء الاصطناعي، مهما كابر بعض ممثليها في الادعاء بأنهم قد قطعوا أشواطاً عدة.
لقد كان الأجدر بالمؤتمر أن يقر إنشاء موازنات وصندوق دولي مخصص لدعم الدول النامية في دخولها عالم الذكاء الاصطناعي، وتمويل البحث العلمي فيه، وبناء قدراتها التقنية، حتى لا يتحول هذا النوع من الذكاء إلى أداة جديدة لتعميق الفجوة العالمية بدلاً من ردمها.
لقد آنَ الأوان لأن تتحول المؤتمرات الدولية من منصات للاستعراض أو استفاد بواقي الموازنات، إلى ورش حقيقية لصناعة القرار. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعاً وطنياً تتباهى به الدول، بل قضية إنسانية أيضاً تتطلب شجاعة سياسية، وتشريعات عابرة للحدود، واستثمارات عادلة، وإرادة جماعية تتجاوز المصالح الضيقة.
وما لم يغادر العالم مرحلة استعراض العضلات التقنية نحو بناء منظومة دولية مشتركة، فإن الحوارات المقبلة ستبقى تتكرر بالعناوين نفسها، فيما يواصل الذكاء الاصطناعي في مواقع ازدهاره رسم مستقبل العالم بعيداً عن أي حوكمة حقيقية أو ضوابط فعلية، وفي إطار تتسع فيه الهوة بين ذات الدول التي عانت مطولاً مع انتشار الإنترنت من الفارق الرقمي العالمي.  
ما أخشاه هو من نوازع الدول التي تريد لنفسها احتكار التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، فيما تبقى بقية دول العالم غارقة في بحر من الشعارات والأمنيات والأحلام التي لا تمتلك أي رصيد فعلي يُحولها إلى حقائق، ما يُحوّل أولئك المحرومين في الأرض، ومن جديد، إلى جمهور استهلاكي لمخرجات الذكاء الاصطناعي وابتكاراته ليس إلا. للحديث بقية!

[email protected]

Tags

Share your opinion

حوار أم استعراض؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.