Fri 10 Jul 2026 4:41 pm - Jerusalem Time

من بن غوريون إلى 'حوشن': رحلة انكسار العقيدة العسكرية الإسرائيلية وتحولاتها

لم تكن العقيدة العسكرية الإسرائيلية يوماً وثيقة جامدة، بل تشكلت عبر عقود من الحروب والإخفاقات المتتالية. فمنذ التأسيس، حاول الاحتلال الموازنة بين محدودية الجغرافيا والقوة البشرية وبين محيطه الرافض لوجوده، مما دفعه لتبني استراتيجيات متغيرة باستمرار.

وضع ديفيد بن غوريون اللبنات الأولى للأمن القومي، مرتكزاً على مثلث 'الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع'. كان الهدف هو نقل المعركة إلى أرض العدو وتجنب حروب الاستنزاف الطويلة التي لا تقوى الجبهة الداخلية على تحمل تبعاتها الاقتصادية والبشرية.

شهدت الخمسينيات صراعات داخلية بين الجنرالات حول هوية الجيش، حيث برز الخلاف بين تيار المشاة وتيار المدرعات. هذه النقاشات العملياتية كشفت لاحقاً عن ثغرات كبرى، خاصة بعد سقوط أسطورة 'خط بارليف' الحصين تحت ضربات القوات المصرية في حرب أكتوبر 1973.

مع نهاية التسعينيات، بدأت مرحلة 'الجيش الصغير والذكي' بقيادة إيهود باراك ودان شومرون. اعتمد هذا التوجه على تقليص القوات البرية والاحتياط مقابل الاستثمار الهائل في التكنولوجيا المتطورة وأجهزة الاستخبارات الدقيقة والقدرات الجوية الفائقة.

أصدر شاؤول موفاز في عام 2002 وثيقة استراتيجية حاولت مواءمة الجيش مع التهديدات الجديدة، خاصة بعد خروج دول عربية من دائرة الصراع المباشر وبروز تهديدات 'الدائرة الثالثة' مثل إيران. ركزت هذه المرحلة على تقليص الوحدات المدرعة لصالح التفوق التقني.

جاءت حرب لبنان الثانية عام 2006 لتشكل صدمة للمنظومة العسكرية، حيث فشل الجيش في تحقيق حسم واضح ضد حزب الله. كشفت لجان التحقيق، ومنها لجنة 'فينوغراد'، عن قصور حاد في فهم طبيعة حروب العصابات والاعتماد المفرط على القوة الجوية.

في عام 2013، قدم بيني غانتس وثيقة ركزت على 'المعركة بين الحروب'، وهي استراتيجية الضربات الموضعية لإحباط قدرات الخصوم دون الانزلاق لمواجهة شاملة. كما استحدثت هذه الفترة 'قيادة العمق' لتنفيذ عمليات خاصة بعيدة عن الحدود التقليدية.

مثلت خطة 'جدعون' التي أطلقها غادي أيزنكوت عام 2015 محاولة لبناء جيش نوعي ونخبوي. سعى أيزنكوت لترشيد الموارد وتقليص القوات غير الضرورية، معتبراً أن التهديد الحقيقي بات يأتي من فاعلين 'دون الدولة' يمتلكون قدرات صاروخية متطورة.

واصل أفيف كوخافي هذا المسار عبر خطة 'تنوفا' عام 2020، طامحاً لتحويل الجيش إلى آلة 'فتاكة' تعتمد على الذكاء الاصطناعي. هدفت الخطة لربط كافة أذرع الجيش بمنظومة رقمية واحدة تتيح تدمير أهداف العدو بسرعة قياسية وبأقل خسائر ممكنة.

رغم كل هذه الخطط التكنولوجية، جاء هجوم السابع من أكتوبر 2023 ليعيد الجيش إلى نقطة الصفر. فقد انهارت منظومات المراقبة الذكية والدفاعات الحدودية في لحظات، مما أثبت أن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً عن الحضور البشري الكثيف.

وجد هرتسي هليفي نفسه يقود جيشاً في خضم أكبر إخفاق استخباراتي وعملياتي في تاريخ الكيان. خطته التي حملت اسم 'معالوت' لم تجد طريقاً للتنفيذ الكامل، حيث فرضت الحرب الطويلة في غزة ولبنان واقعاً ميدانياً مغايراً تماماً للافتراضات السابقة.

تعد خطة 'حوشن' التي أعلنها إيال زامير للفترة (2026-2030) محاولة لترميم ما دمرته الحرب الحالية. تركز الخطة على إعادة بناء مخازن الذخيرة، وتعزيز القوات البرية، والاستعداد لحروب استنزاف طويلة ومتعددة الجبهات، وهو ما يناقض عقيدة الحسم السريع.

تؤكد التحولات الأخيرة أن الاحتلال بات يدرك عجز 'الجيش الصغير' عن حماية الحدود الواسعة في آن واحد. لذا، تتجه التوصيات الحالية نحو زيادة أعداد المجندين وتطوير منظومات دفاع جوي ليزرية لمواجهة التهديدات المتزايدة من المسيرات والصواريخ.

في الختام، يظهر المسار التاريخي أن المشكلة الإسرائيلية تكمن في الفجوة بين التنظير والواقع. فكلما طور الجيش خطة تكنولوجية، وجد نفسه أمام تكتيكات ميدانية بسيطة لكنها فعالة، مما يجعل مستقبل العقيدة الأمنية رهناً بقدرتها على استيعاب دروس الفشل الوجودي.

Tags

Share your opinion

من بن غوريون إلى 'حوشن': رحلة انكسار العقيدة العسكرية الإسرائيلية وتحولاتها

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.