Tue 23 Jun 2026 5:15 pm - Jerusalem Time

الإسناد في مواجهة الشك.. قراءة في دفاع جوناثان براون عن موثوقية الحديث النبوي

يطرح كتاب 'مدخل إلى علم الحديث' للأكاديمي جوناثان براون تساؤلات جوهرية حول تاريخية العلوم الإسلامية ومسار تطورها. الكتاب الصادر عن مركز نهوض للدراسات والبحوث في طبعته الأولى لعام 2025، يسعى لإعادة بناء مسار علم الحديث وفق منظور نقدي تاريخي يستحضر التفاعلات الاجتماعية والسياسية.

يرى براون أن الكتابات العربية السابقة ركزت غالباً على تقديم الحجج الدفاعية، بينما يفتقر الحقل البحثي إلى دراسات تعمق النظر في سياق تشكل القواعد ضمن بيئتها التاريخية الحقيقية. ويأتي هذا العمل لجسد الفجوة بين المناهج التقليدية والمناهج النقدية الغربية التي هيمنت عليها النزعة الشكوكية لفترات طويلة.

يتناول الكتاب في فصوله الأولى بدايات بروز الحديث النبوي وكيفية تعامل الصحابة مع كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم. ويوضح الباحث أن تدوين الحديث لم يكن وليد الصدفة، بل مر بمراحل نضج بدأت من الصحف الأولى وصولاً إلى المصنفات والمسندات والصحاح التي جردت السنن والأحكام.

يعتبر براون أن قضية 'الموثوقية' هي العمود الفقري لعلم الحديث، وهي التي بررت تأسيس علوم الجرح والتعديل والعلل. ويؤكد أن تعليل العلماء لأحاديث منع الكتابة ينسجم تماماً مع منطق التاريخ، حيث تم الاطمئنان أولاً على حفظ القرآن قبل التوسع في تدوين السنة.

يستخدم المؤلف مفهوم 'براديغم الإسناد' لتفسير تميز علم الحديث الإسلامي عن بقية الديانات الأخرى كالمسيحية والبوذية. فالإسناد في نظره ليس مجرد أداة منهجية للاتصال، بل هو حالة روحية ورمزية تضمن عدالة الراوي وضبطه للمتن من غير زيادة أو تحريف.

يشير الكتاب إلى أن القواعد التي وضعها المحدثون للتحقق من الخبر تتقاطع بشكل مذهل مع المعايير المهنية في الصحافة الحديثة. فكما يجتهد الصحفي المهني في انتقاء مصادره خوفاً على سمعته، كان راوي الحديث يلتزم بمعايير أدق نظراً لخطورة الوظيفة الدينية المتعلقة بحفظ الشريعة.

في فصله التاسع، يشن براون نقداً لاذعاً للمدرسة الاستشراقية الكلاسيكية، متهماً إياها بالانتقائية والتحيز السياسي. ويرى أن باحثين مثل غولدتسيهر وشاخت انطلقوا من فرضيات مسبقة تهدف إلى تقويض الهوية الإسلامية لخدمة الأهداف الكولونيالية للدول الغربية.

يفند الكتاب 'النزعة الشكوكية' التي تتبناها بعض الجامعات الغربية، والتي تفترض كذب الخبر التاريخي حتى يثبت العكس. ويوضح براون أن هذا المنهج يعاني من عطب رئيسي يتمثل في محاولة تفسير العلوم التراثية الإسلامية من خلال المركزية الأوروبية وإرثها اليوناني والروماني.

يستعرض الباحث أطروحات 'الاتجاه التنقيحي' الذي حاول تطبيق المنهج النقدي التاريخي بشكل كلي على بواكير الإسلام. وينتقد مبالغة هذا الاتجاه في استبعاد الأدلة المخالفة واعتماده على تعميمات غير مثبتة باستقراءات واسعة للمصادر الإسلامية الأصلية.

ينتصر براون لاتجاه 'المراجعة النقدية' الذي يمثله باحثون مثل فرد دونر، والذين يرون صعوبة تصديق وجود مؤامرة تاريخية كبرى لوضع الحديث. فمن غير المعقول أن ينسق مجتمع منقسم ممتد من إسبانيا إلى آسيا الوسطى لتحرير التراث الإسلامي بأسره دون ترك أدلة واضحة.

لم يغفل الكتاب دمج الفضاء الشيعي في دراسة وظائف الحديث، مناقشاً الأدوار المعرفية والعقدية والسياسية للنصوص النبوية. ويوضح كيف ساهم الحديث في تشكل الفقه وعلم الأصول، بالإضافة إلى دوره المحوري في صياغة التصوف والمذاهب الكلامية المختلفة عبر التاريخ.

يناقش الفصل العاشر من الكتاب السجالات المعاصرة حول الحديث في العالم الإسلامي الحديث، خاصة تلك المتعلقة بعلاقة السنة بالقرآن. ويسلط الضوء على المحاولات العلمانية التي تحاول عزل السنة بدعوى تناغم القرآن وحده مع قيم العيش المشترك الكونية.

في خاتمة الكتاب، يفتح براون باب التأويل بإحالته إلى حكمة سقراط حول قيمة الحقيقة مقابل آراء البشر. ورغم محاولته الحفاظ على مسافة أكاديمية تضمن له الحياد في الوسط الجامعي الغربي، إلا أن مجهوده العلمي يميل بوضوح نحو إثبات رصانة المنهج الإسلامي.

يُعد هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية، كونه يقدم شهادة من داخل الأكاديميا الغربية تنصف جهود المحدثين. إن 'مدخل إلى علم الحديث' ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو مرافعة علمية تعيد الاعتبار للإسناد كأدق نظام توثيقي عرفه التاريخ البشري.

Tags

Share your opinion

الإسناد في مواجهة الشك.. قراءة في دفاع جوناثان براون عن موثوقية الحديث النبوي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.