Mon 08 Jun 2026 9:35 am - Jerusalem Time

القدس… المدينة التي أصبحت تتقاضى أجرة التنفس



في القدس، لم يعد الغلاء مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل أصبح أسلوب حياة، أو بالأحرى أسلوب نجاة لمن استطاع إليها سبيلاً. هنا، لا يخرج المقدسي للتسوّق، بل يخرج في “رحلة تهريب اقتصادي” إلى خارج المدينة، وكأنه يعبر حدود دولة تبحث عن العملة الصعبة، لا عن ربطة خبز أرخص ببضعة شواكل.
القدس اليوم تشبه ذلك المطعم الفاخر الذي تدخل إليه لتكتشف أن ثمن الجلوس على الكرسي لم يكن مشمولًا بالفاتورة.
كل شيء هنا أغلى… بطريقة تدفعك للشك أن البائع لا يبيعك سلعة، بل يبيعك “قطعة من الصمود الوطني” مرفقة بفاتورة ضريبية وروح معنوية مجانية.
تجار القدس، حفظهم الله من المنافسة، لديهم قائمة جاهزة من الأعذار تصلح لكل المواسم:
الاحتلال…
الضرائب…
المخالفات…
التضييقات…
الركود…
وإذا نفدت الحجج، ربما يضيفون تقلبات المناخ في القطب الشمالي.
لا أحد ينكر أن القدس مدينة تعيش ظروفًا استثنائية، وأن هناك من يخنق الاقتصاد كما يخنق الإنسان، لكن السؤال الذي لم يعد يجد من يجيب عنه:
 من هو الذي قرر أن يصبح سعر ساندويش الشاورما أربعين شيكلًا؟
أربعون شيكلًا مقابل شاورما!
أي أن المواطن المقدسي حين يطلب وجبة غداء، يشعر وكأنه دخل في مناقصة حكومية لا في مطعم شعبي.
وفي المقابل، لا تبعد الضفة سوى كيلومترات قليلة، وهناك تجد الشاورما نفسها، وربما بلحم أكثر وابتسامة مجانية من العامل، مقابل ثمانية عشر شيكلًا فقط.
الفرق ليس في الطعم، بل يبدو أن شاورما القدس تُطهى على نار الضرائب وتُتبّل ببهارات “الخصوصية المقدسية”.
وعلى ذلك قِس كل شيء:
القهوة…
الملابس…
الخضار…
الإيجارات…
الخدمات…
حتى أنك أحيانًا تشعر أن الهواء في القدس يدخل إلى الرئتين بالتقسيط المريح.
المفارقة الساخرة أن المقدسي أصبح يهرب من أسواق مدينته كي يستطيع العيش فيها.
تراه يحمل أكياس التسوق عائدًا من رام الله أو بيت لحم أو أريحا، وكأنه عاد من رحلة تجارة دولية ناجحة، بعدما وفّر مئات الشواكل التي كانت ستُستنزف داخل مدينته.
ثم يتساءل تجار القدس بكل براءة:
“لماذا الأسواق فارغة؟”
فارغة لأن المواطن لم يعد قادرًا على لعب دور البطل الاقتصادي كل يوم.
فارغة لأن الراتب لم يعد يكفي أسبوعًا، ولأن شراء احتياجات البيت أصبح يحتاج إلى خطة تقشف تشبه ميزانيات الدول المفلسة.
ولعل أكثر ما يثير الرعب في هذه المدينة ليس أسعار الطعام، بل أسعار “أصحاب الياقات البيضاء”.
شخصيًا، واجهت موقفًا يلخّص الحالة كلها.
احتاج مكان عملي إلى استشارة قانونية، فتوجهنا إلى أحد المحامين المقدسيين، وهو رجل محترم بلا شك، وطلبنا منه الحضور إلى مدينة تبعد عن القدس ثلاثة عشر كيلومترًا فقط.
ومع الحواجز وتضييقات الاحتلال، احتاج الطريق نحو نصف ساعة.
وصل الرجل مشكورًا، جلس معنا، قدّم استشارة قانونية سريعة لم تتجاوز عشر دقائق، وهي تقريبًا المدة نفسها التي احتاجها لاحتساء فنجان القهوة، ثم عاد إلى القدس.
المهمة كاملة لم تتجاوز ساعة ونصف.
لكن المفاجأة لم تكن في الاستشارة…
بل في الفاتورة.
ألفا شيكل بالأرقام (2000)

نعم، ألفا شيكل (2000) مقابل ساعة ونصف، وعشر دقائق من الكلام القانوني، وفنجان قهوة ربما كان أغلى من القضية نفسها.
حينها فقط فهمت أن المشكلة في القدس لم تعد فقط في الاحتلال، بل في ثقافة استغلال بدأت تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى أصبحت أمرًا طبيعيًا.
فإذا كان رجل القانون نفسه يضرب الأسعار بهذا الشكل، فماذا نتوقع من بقية القطاعات؟
القدس اليوم مدينة جميلة حدّ الألم، لكنها أيضًا مدينة تتآكل اقتصاديًا من الداخل.
مدينة يهرب أهلها منها إليها.
يحبونها حد الاختناق، لكنهم مضطرون كل يوم للبحث خارجها عن أبسط حقوق الحياة بسعر منطقي.
والخطر الحقيقي ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في اعتياد الناس عليها.
حين يصبح دفع أربعين شيكلًا مقابل شاورما أمرًا “طبيعيًا”، فنحن لا نعيش أزمة اقتصادية فقط، بل نعيش عملية إعادة تشكيل كاملة لوعي المواطن، حتى يقتنع أن الاستغلال قدر، وأن النجاة رفاهية.
القدس لا تحتاج فقط إلى شعارات الصمود، بل تحتاج أيضًا إلى رحمة اقتصادية.
تحتاج إلى تجار يفهمون أن بقاء الناس في السوق أهم من مضاعفة الأرباح.
وتحتاج إلى ضمير يسبق آلة الحاسبة.
لأن المدينة التي يصبح فيها التسوق خارجها أرخص من العيش داخله.


Tags

Share your opinion

القدس… المدينة التي أصبحت تتقاضى أجرة التنفس

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.