Fri 15 May 2026 9:26 am - Jerusalem Time

حين يُصبح العلم الفلسطيني تهمة؟ … إسرائيل تخشى الحقيقة أكثر من السلاح

لم يعد يكفي الاحتلال الإسرائيلي ما يمارسه من قتلٍ وتدمير وتجويع وتهجير بحق الفلسطينيين، بل بات يرى في مجرد رفع العلم الفلسطيني خطرًا يهدد روايته وصورته أمام العالم، فإسرائيل التي لم تترك جريمة إلا وارتكبتها في غزة والضفة الغربية، أصبحت تخشى حتى الرموز، لأن الرمز في زمن الإبادة يتحول إلى شهادة إدانة، والعلم الفلسطيني لم يعد مجرد قطعة قماش، بل صار عنوانًا للحق والكرامة والصمود في وجه مشروع استعماري يقوم على محو الإنسان والأرض والتاريخ.

في الوقت الذي كانت فيه حكومة الاحتلال تغرق أكثر في تطرفها وعنصريتها، عبر إقرار قوانين جديدة تستهدف الأسرى الفلسطينيين وتشرعن المزيد من القمع والانتقام، كان مشهدا آخر يتصدر العالم ويكشف حجم المأزق الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه إسرائيل، لاعب كرة قدم شاب، يحتفل مع جماهير ناديه، يرفع العلم الفلسطيني في لحظة عفوية، فتتحول الصورة إلى حدث عالمي يثير غضب الساسة والمتطرفين والإعلام الصهيوني، وكأن العلم الفلسطيني أخطر على إسرائيل من كل الحروب.

هذا الغضب الإسرائيلي لا يمكن فهمه إلا من خلال إدراك حقيقة المعركة التي تخوضها إسرائيل اليوم، فالمشكلة بالنسبة للاحتلال لم تعد فقط في المقاومة الفلسطينية، بل في انهيار صورته أمام الرأي العام العالمي، إسرائيل التي حاولت لعقود تقديم نفسها كضحية، تجد نفسها اليوم مكشوفة أمام العالم باعتبارها قوة احتلال تمارس الإبادة الجماعية والتجويع والحصار والتطهير العرقي. ولهذا فإن أي صورة تعيد الاعتبار لفلسطين، أو تُظهر حجم التعاطف العالمي مع الشعب الفلسطيني، تتحول بالنسبة لها إلى تهديد حقيقي.

لقد شاهد العالم غزة وهي تُحاصر حتى الجوع، ورأى الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات وهي تُقصف، والمخيمات وهي تُحرق، والناس وهم يُقتلون أثناء انتظار المساعدات الإنسانية، ومع كل هذه المشاهد، لم يعد ممكنًا لإسرائيل أن تسيطر على الرواية كما كانت تفعل في الماضي، لذلك أصبح الاحتلال أكثر حساسية تجاه أي موقف إنساني أو تضامن شعبي أو حتى إشارة رمزية لفلسطين، لأنه يدرك أن معركة الوعي أخطر عليه من معركة الميدان.

ما يزعج إسرائيل حقًا ليس العلم الفلسطيني ذاته، بل ما يمثله من حضور متزايد لفلسطين في ضمير الشعوب، فالعلم الذي حاول الاحتلال محاصرته لعقود، عاد يرفرف في الجامعات الأوروبية، وفي الملاعب، وفي المظاهرات العالمية، وعلى منصات الفنانين والمثقفين والرياضيين، وهذا التحول يعكس حقيقة مهمة، وهي أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل أصبحت قضية إنسانية وأخلاقية عالمية.

وفي المقابل، تستمر إسرائيل في استخدام خطاب “معاداة السامية” كسلاح لمحاولة إسكات كل صوت ينتقد جرائمها، لكنها تفشل أكثر فأكثر، لأن العالم بات يميز بين اليهودية كدين، وبين الصهيونية كمشروع استعماري عنصري، فالتضامن مع فلسطين لم يعد يُنظر إليه باعتباره موقفًا سياسيًا فقط، بل باعتباره دفاعًا عن القيم الإنسانية الأساسية في مواجهة القتل والإبادة والتجويع.

إن حالة الهلع التي أصابت الإعلام والسياسيين في إسرائيل بسبب صورة علم فلسطيني مرفوع في احتفال رياضي، تكشف حجم الأزمة التي يعيشها الاحتلال، فالدولة التي تمتلك أحدث الأسلحة وأكثر الجيوش دعمًا، ترتعب من صورة ومن علم ومن موقف تضامن، لأنها تعرف في قرارة نفسها أن الحقيقة بدأت تنتصر، وأن الرواية التي بُني عليها المشروع الصهيوني تتهاوى أمام أعين العالم.

لقد حاول الاحتلال إسكات فلسطين بالقوة، وفشل، وحاول محاصرة صوتها بالدعاية والتضليل، وفشل، واليوم يحاول منع حتى حضور علمها ورمزها في الفضاء العالمي، لكنه سيفشل أيضًا، لأن فلسطين لم تعد مجرد قضية شعب تحت الاحتلال، بل أصبحت رمزًا عالميًا لمواجهة الظلم والاستعمار والعنصرية.

وربما لهذا السبب تحديدًا يخاف الاحتلال من العلم الفلسطيني أكثر مما يخاف من أي شيء آخر؛ لأن العلم الذي يرفرف رغم المجازر والحصار والدمار، يعني أن فلسطين ما زالت حية، وأن شعبها لم يُهزم، وأن ضمير العالم، مهما حاولوا تضليله، لا يزال قادرًا على التمييز بين الجلاد والضحية.

Tags

Share your opinion

حين يُصبح العلم الفلسطيني تهمة؟ … إسرائيل تخشى الحقيقة أكثر من السلاح

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.