منذ انطلاق مسارات التسوية العربية الإسرائيلية، تكرر الرهان العربي على أن طاولة المفاوضات قد تقود في نهاية المطاف إلى استعادة الحقوق المسلوبة أو تحقيق الحد الأدنى من الالتزام بالقانون الدولي. إلا أن الوقائع المتراكمة على مدار عقود تشير إلى أن الاحتلال، لا سيما مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة، يرى في التفاوض وسيلة للمناورة السياسية وفرض الأمر الواقع بالقوة.
تعد الحالة الفلسطينية النموذج الأكثر وضوحاً في هذا السياق، فمنذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، تلقى الفلسطينيون وعوداً بإقامة دولة مستقلة في غضون سنوات قليلة. لكن ما جرى على الأرض كان مناقضاً تماماً لتلك الوعود، حيث تضاعف الاستيطان وقطعت أوصال الجغرافيا الفلسطينية بالحواجز والجدران العازلة، مع تغييب كامل للملفات الجوهرية كالقدس واللاجئين.
لقد أثبتت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبشكل صارخ في عهد بنيامين نتنياهو، أنها لا تتعامل مع الاتفاقات الموقعة كالتزامات نهائية ملزمة. بل تعتبرها مراحل مؤقتة يمكن الانقلاب عليها فور تغير موازين القوى، وهو ما تجلى في نسف التزامات اتفاق 'واي ريفر' عام 1998 المتعلقة بإعادة الانتشار والانسحاب من الأراضي المحتلة.
حتى في الحالات التي شهدت انسحابات إسرائيلية، كما حدث في قطاع غزة عام 2005، لم تكن النية تتجه نحو تثبيت مسار سياسي أو إنهاء الاحتلال فعلياً. بل تحول القطاع إلى سجن كبير محاصر يخضع لعمليات عسكرية وحروب متكررة، مما أفرغ خطوة الانسحاب من مضمونها السياسي والسيادي بالنسبة للفلسطينيين.
وفيما يتعلق بحل الدولتين الذي ينادي به المجتمع الدولي، عملت حكومات الاحتلال على تقويضه بشكل منهجي عبر التوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية. هذه السياسة تهدف إلى جعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً مستحيلاً من الناحية العملية، مما يحول أي مفاوضات مستقبلية إلى حديث عن سراب.
التجربة اللبنانية مع الاحتلال لا تختلف كثيراً في جوهرها، حيث تظهر القراءة التاريخية أن إسرائيل تنظر للتفاهمات من زاوية أمنها ومصالحها الضيقة فقط. فبعد الانسحاب من الجنوب عام 2000، استمرت الخروقات الجوية والبحرية والبرية بشكل شبه يومي، ضاربة عرض الحائط بالسيادة اللبنانية والقرارات الدولية ذات الصلة.
القرار الدولي 1701، الذي أعقب عدوان تموز 2006 وكان يهدف لتأسيس مرحلة من الاستقرار، ظل في أجزاء واسعة منه حبراً على ورق بسبب الممارسات الإسرائيلية. فقد تعامل معه الاحتلال كإطار يسمح له بالتحرك العسكري تحت ذريعة 'الأمن'، دون الالتزام بالقيود التي فرضها القرار على تحركاته العدوانية.
إسرائيل، وخصوصاً مع صعود اليمين القومي والديني المتطرف، تعاملت مع المفاوضات كأداة لإدارة الوقت وتفكيك الخصوم، لا كمسار حقيقي نحو تسوية عادلة.
اليوم، ومع عودة الحديث عن مفاوضات جديدة تتعلق بالحدود والترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية الركون لوعود الاحتلال. فالتاريخ يثبت أن إسرائيل لا تقدم تنازلات حقيقية إلا تحت وطأة الضغط المباشر، بينما تستغل المفاوضات في حالات الهدوء لتعزيز مكاسبها الميدانية.
تزداد الشكوك اللبنانية في ظل وجود الحكومة الحالية التي توصف بأنها الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان، حيث يرفض أقطابها فكرة التنازل من الأساس. هؤلاء يرون في أي تسوية طويلة الأمد تهديداً لمشروعهم العقائدي القائم على التوسع، مما يجعل من الصعب تصور وصول المفاوضات معهم إلى نتائج عادلة أو مستدامة.
يذهب لبنان الرسمي إلى هذه المفاوضات من منطلق الحرص على حماية الجنوب وأهله ومقدرات الدولة المنهكة، ومحاولة تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة ومدمرة. ومع ذلك، تظل المعضلة الأساسية كامنة في طبيعة الطرف الإسرائيلي الذي لا يخفي رؤيته القائمة على فرض الإرادة عبر القوة العسكرية الغاشمة.
يزيد من تعقيد المشهد الدور الأمريكي الذي يظهر انحيازاً مطلقاً للاحتلال على كافة المستويات السياسية والعسكرية والدبلوماسية. هذا الانحياز تجلى بوضوح في استخدام حق النقض 'الفيتو' المتكرر في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من أي مساءلة دولية، مما يشجعها على الاستمرار في سياسة التنصل من الاتفاقات.
إن الرهان على أن المفاوضات وحدها قادرة على انتزاع حقوق لبنان أو توفير ضمانات أمنية حقيقية يبدو محفوفاً بالمخاطر ما لم يستند إلى عناصر قوة فعلية. فالمصادر التاريخية تشير إلى أن الاحتلال يعيد تفسير الاتفاقات أو يعطلها بمجرد شعوره بتفوقه العسكري، مستغلاً غياب الضغط الدولي الحقيقي.
تتزايد المخاوف من أن تتحول التحركات الدبلوماسية الجارية إلى مجرد وسيلة لشراء الوقت لصالح الاحتلال، أو لتثبيت ترتيبات أمنية تخدم أهدافه دون مراعاة السيادة اللبنانية. هذا التشاؤم ليس موقفاً عاطفياً، بل هو نتاج قراءة موضوعية لتجارب مريرة مع قرارات دولية لم تجد طريقها للتنفيذ الفعلي.
في المحصلة، يبقى لبنان أمام تحدي الموازنة بين الرغبة في تجنب الدمار وبين واقعية التعامل مع عدو لا يؤمن بالتسويات المتوازنة. وبينما يسعى اللبنانيون لحماية ما تبقى من دولتهم واقتصادهم، يظل النظام الدولي عاجزاً أو غير راغب في فرض التزام حقيقي على إسرائيل يحترم حقوق الشعوب وسيادة الدول.





Share your opinion
المفاوضات مع الاحتلال: رهان على سراب أم إدارة للأزمات؟