كشفت الأجهزة الرقابية في دولة الاحتلال عن تفاصيل جديدة وصادمة تتعلق بحجم الإخفاق العسكري والإداري الذي سبق ورافق عملية 'طوفان الأقصى'. وأظهر تقرير التدقيق السنوي الذي أعده مراقب الدولة، ماتانياهو إنجلمان أن المنظومة الدفاعية في مستوطنات غلاف غزة كانت تعاني من ترهل بنيوي وقانوني حال دون تصديها الفعال للهجوم.
وأوضح التقرير أن كتيبة المتطوعين والعمليات الخاصة، التي كان يُفترض أن تشكل الجدار الواقي للمستوطنين، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة دون غطاء قانوني أو تنظيمي واضح. وقد أسفرت المواجهات في صبيحة السابع من أكتوبر عن مقتل سبعة من أفراد كتيبة العمليات الخاصة (RABs) واثنين من البدلاء، بالإضافة إلى 35 عنصراً من فصائل التأهب.
وأشارت مصادر إعلامية عبرية إلى أن الإخفاق لم يتوقف عند الخسائر البشرية الفورية، بل امتد ليشمل إصابة أكثر من مئة مستوطن واختطاف آخرين إلى قطاع غزة. ومن بين المختطفين كان هناك عنصران من كتيبة العمليات الخاصة، واللذان لقيا حتفهما لاحقاً خلال فترة احتجازهما لدى فصائل المقاومة الفلسطينية.
وسلط التقرير الرقابي الضوء على الوضع المتردي لأفراد هذه الوحدات، حيث عانوا لسنوات من انخفاض الرواتب وعدم انتظام وضعهم الوظيفي. هذه العوامل أدت بشكل مباشر إلى إضعاف قدرتهم على أداء مهامهم الأمنية الحساسة، وخلقت حالة من الإحباط والارتباك في صفوف القوات المكلفة بحماية الحدود.
وبحسب البيانات الواردة، فإن نحو 88% من وحدات الدعم الإداري، والبالغ عددها 44 وحدة، واجهت مشاكل جوهرية في عمليات التوظيف والتشغيل. هذا الخلل البنيوي استدعى تحذيرات عاجلة لوزيري الأمن والمالية بضرورة التدخل الفوري لتصحيح أوضاع هذه الوحدات التي تعاني من ظلم وظيفي مستمر منذ عقود.
وكشف مراقب الدولة عن فضيحة تتعلق بوسائل الاتصال، حيث تبين أن الجيش لم يوزع أجهزة اللاسلكي العسكرية على الضباط المسؤولين في المجالس الاستيطانية. واضطر العديد من القادة الميدانيين لاستخدام أجهزة خاصة تم شراؤها بجهود ذاتية صبيحة يوم الهجوم، مما قطع التواصل الفعال مع قيادة الجيش.
ووصف التقرير علاقات العمل بين قوات الجيش وقادة السرايا في الغلاف بأنها كانت 'غير منظمة' تماماً قبل وقوع الهجوم، واستمر هذا التخبط حتى بعد انتهاء المعارك. هذا الغياب في التنسيق أدى إلى فجوة عميقة في فهم المهام الموكلة لكل طرف، مما جعل المستوطنات لقمة سائغة أمام المهاجمين.
الجيش ووزارة الأمن لم يبدآ بمعالجة النواقص إلا بعد الهجوم، وحتى بعد وقوعه لم يتم تغيير آلية توظيف القوات الإقليمية.
كما رصدت الرقابة تضارباً حاداً في الصلاحيات، حيث تتلقى القوات تعليمات متناقضة من جهات متعددة تشمل الجيش ووزارة الأمن والمجالس المحلية. فالجهة المحلية هي التي تدفع الرواتب، بينما يشرف القائد العسكري مهنياً، مما خلق حالة من الفوضى الإدارية التي أثرت على سرعة الاستجابة الميدانية.
وأكد التقرير أن هذه المشكلات التشغيلية ليست وليدة اللحظة، بل تم رصدها وتوثيقها في تقارير التدقيق منذ عام 2005 دون أي تحرك جدي لتصحيحها. واتهم مراقب الدولة كلاً من الجيش ووزارة الأمن بتجاهل التحذيرات المتكررة، مما جعل المنظومة الدفاعية هشة أمام أي تهديد خارجي جدي.
ووجه التقرير نقداً لاذعاً للمؤسسة العسكرية التي لم تبدأ في معالجة هذه النواقص إلا بعد وقوع الكارثة في السابع من أكتوبر. وحتى مع محاولات الإصلاح المتأخرة، يرى المراقب أن آليات توظيف القوات الإقليمية لم تشهد تغييراً حقيقياً يضمن عدم تكرار ما حدث في المستقبل.
وتعكس هذه المعطيات حجم القصور الخطير في تعامل جيش الاحتلال مع الوحدات العاملة في المناطق الأكثر حساسية أمنياً. ورغم وضوح المؤشرات وتكرار التحذيرات من قبل الخبراء العسكريين، إلا أن الاستهتار الرسمي أدى في النهاية إلى نجاح المقاتلين الفلسطينيين في تنفيذ هجومهم المباغت.
إن التقرير يضع القيادة السياسية والعسكرية للاحتلال في مأزق جديد أمام الجمهور الإسرائيلي، خاصة مع تنصل الجهات المسؤولة من التزاماتها تجاه القتلى والجرحى. وتكشف الوثائق أن 'الجدار الواقي' الذي كان يتغنى به الاحتلال كان مجرد هيكل ورقي يفتقر لأدنى مقومات التنسيق والجاهزية.
وفي ظل هذه الاعترافات الرسمية، يبرز تساؤل كبير حول جدوى الإجراءات الأمنية الحالية في غلاف غزة إذا كانت المشاكل الجذرية لا تزال قائمة. فالإخفاق لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان فشلاً إدارياً وقانونياً تراكم على مدار أكثر من عشرين عاماً من الإهمال المتعمد.
ختاماً، يشدد التقرير على أن الحل لا يكمن في زيادة الميزانيات فقط، بل في توحيد جهات الإشراف وتحديد المسؤوليات بشكل قاطع. وبدون معالجة جذرية لهذه الثغرات، ستظل الوحدات الميدانية تواجه ذات التحديات التي أدت إلى الانهيار الكبير في مواجهة عملية طوفان الأقصى.





Share your opinion
تقرير رقابي للاحتلال يكشف إخفاقات 'كتيبة المتطوعين' وتفكك منظومة الحماية بغلاف غزة