في قلب العاصمة السلوفينية ليوبليانا، تبدأ الرحلة من تفصيلة صغيرة في مقهى هادئ، حيث تبرز كلمة 'جزوة' لتفتح باباً واسعاً على تغلغل العربية في لغات لم يتوقع العرب يوماً أنهم وصلوا إليها. يروي الكاتب سعيد خطيبي كيف أن هذه الكلمة، التي يظن البعض أنها تركية، تعود في أصلها إلى العربية، لتكون أول جسر لغوي يربطه ببلد يجهل الكثيرون عمق صلاته بالشرق.
لم تكن 'الجزوة' سوى طرف الخيط في قاموس طويل اكتشفه خطيبي أثناء دراسته للغة السلوفينية في الجامعة، حيث صدم بتطابق نطق ومعنى كلمة 'جيب' بين اللغتين. هذا الاكتشاف دفعه للتنقيب أكثر، ليجد قائمة تطول من الكلمات مثل الكيمياء، والياسمين، والزعفران، والسكر، والليمون، مما يثبت أن اللغة العربية سافرت واستقرت في بقاع بعيدة قبل أصحابها بقرون.
تتجاوز العلاقة مجرد مفردات لغوية لتصل إلى عمق التاريخ الاجتماعي، حيث تبرز قصة متحف 'Aleksanderinke' الذي يخلد ذكرى نساء سلوفينيات هاجرن إلى مصر. هؤلاء النسوة استقررن في الإسكندرية منذ نهاية القرن التاسع عشر للعمل كحاضنات ومدبرات منازل لدى العائلات الميسورة، وأصبحن جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السكندري آنذاك.
هذه الظاهرة التاريخية لم تمر مرور الكرام في الذاكرة السلوفينية، إذ أقيم لهن متحف خاص وصدرت مؤلفات توثق سيرهن مثل كتاب 'المصريات' و'ريح الجنوب'. كما تناولتها السينما التسجيلية في أفلام مثل 'رسائل مصرية' عام 2010، مما يعكس تقديراً لهذا الإرث الذي يربط بين ضفتي المتوسط رغم تباعد الجغرافيا.
في المحافل الثقافية السلوفينية، يكتشف الكاتب أن للغة العربية سحراً خاصاً يتجاوز حدود الفهم اللساني إلى المتعة السمعية الخالصة. فعندما طُلب منه قراءة نصه بالعربية أمام جمهور لا يفهمها، لاحظ تركيزاً عالياً وانبهاراً بموسيقى اللغة وإيقاعها، وهو ما وصفته إحدى الحاضرات بأنها 'لغة ذات لحن' تأسر الأذن قبل العقل.
المفارقة تظهر بوضوح في تعامل عامة الناس في سلوفينيا مع الغريب الذي يتحدث العربية، حيث يجد تشجيعاً وفضولاً إيجابياً بدلاً من النفور. فمن الحلاقة التي طلبت منه التحدث بلغته الأم لتشعر بالألفة، إلى الجار السبعيني الذي بدأ يتمتم بكلمات مثل 'سلام' و'لا بأس'، تبدو العربية في سلوفينيا لغة مرحب بها ومثيرة للإعجاب.
العربية ليست مجرد جمل وكلمات، بل هي إيقاع ولحن يقع على طبلة الأذن، ينجذب إليه الأجانب حتى دون فهم معانيه.
يقارن خطيبي بين تجربته في سلوفينيا وبين 'الغربة اللسانية' التي عاشها في باريس، حيث كان التحدث بالعربية في الأماكن العامة يثير نوعاً من التوجس أو الحرج. في العاصمة الفرنسية، غالباً ما يرتبط استخدام العربية في مخيلة البعض بجهل اللغة الفرنسية، مما يدفع المتحدثين بها إلى خفض أصواتهم وكأنهم يرتكبون حماقة، وهو ما لم يلمسه في ليوبليانا.
في أحياء باريس المغاربية مثل 'بارباس'، قد تجد لافتة مكتوبة بالعربية مثل 'طاجين'، لكنك بمجرد الدخول تصطدم بواقع يفرض اللغة الفرنسية كخيار وحيد للتواصل. هذا التناقض يعكس علاقة شائكة ومعقدة مع اللغة والهوية في فرنسا، ناتجة عن إرث استعماري طويل جعل من الفرنسية لغة العلم والعمل والمكانة الاجتماعية في مخيلة الكثيرين.
أما في سلوفينيا، فقد تحولت اللغة إلى جسر للتواصل الإنساني البسيط، حيث يعمد الكاتب أحياناً إلى استخدام العربية عندما تعوزه المفردات السلوفينية. هذه 'اللعبة' اللغوية لم تخلق جفاءً، بل زادت من مساحة التفاهم الإنساني، حيث يتقبل المتلقي السلوفيني هذا الاختلاف بروح منفتحة وودودة، بعيداً عن أحكام القيمة المسبقة.
يواجه الكاتب تحديات طريفة في نقل أسماء الأكلات العربية إلى السلوفينية، مفضلاً الحفاظ على أسمائها الأصلية مثل 'الشكشوكة' و'الكسكسي'. ورغم محاولاته إقناع جاره السبعيني بالنطق الصحيح لبعض الكلمات، إلا أن الأخير يصر على صيغته الخاصة، في مشهد يجسد التبادل الثقافي العفوي الذي يحدث في تفاصيل الحياة اليومية.
يرفض خطيبي استخدام مصطلح 'المهجر' بمفهومه القديم المرتبط بجبران خليل جبران والرابطة القلمية، معتبراً أن العالم المعاصر بات قرية صغيرة بفضل وسائل التواصل. ورغم انخراطه الكامل في المجتمع السلوفيني وتحدثه لغتهم طوال اليوم، إلا أن أحلامه تظل وفية لجذوره، حيث يعود في منامه إلى الجزائر ليتحدث العربية كما تعلمها في صباه.
ختاماً، تظل تجربة سعيد خطيبي شهادة حية على حيوية اللغة العربية وقدرتها على البقاء والتأثير في بيئات جغرافية وثقافية مغايرة. إنها دعوة لإعادة اكتشاف ذواتنا من خلال عيون الآخرين الذين يرون في لغتنا موسيقى وإرثاً يستحق الاحتفاء، في وقت قد يغفل فيه بعض أبنائها عن قيمتها الجمالية والتاريخية.





Share your opinion
العربية في سلوفينيا.. لغة تسبق أصحابها وموسيقى تأسر الغرباء