Sat 09 May 2026 1:09 am - Jerusalem Time

تونس بين مطرقة الاستقرار الرئاسوي وسندان الديمقراطية الصورية

تعيش تونس اليوم في قلب تحولات إقليمية ودولية عميقة، حيث تجد نفسها متأثرة بتداعيات جيو-سياسية كبرى رغم عدم تموضعها المباشر في عين العاصفة. ويأتي هذا الواقع في ظل غياب مقومات السيادة الاقتصادية والاجتماعية التي تحمي القرار الوطني من التدخلات الخارجية والهندسة الفوقية للمجتمع.

تشير القراءات السياسية إلى أن الديمقراطية الموجهة لم تعد أولوية لمراكز القرار الدولي كما كانت بعد 'الربيع العربي'. فقد عادت الأولوية لمفهوم الاستقرار، مما يعني أن القوى العالمية باتت تهتم بقدرة الأنظمة على الهيمنة الداخلية ومنع التوترات التي قد تهدد المصالح الحيوية للغرب ووكلائهم المحليين.

إن الدعم الغربي المشروط للديمقراطية في تونس لم يكن في جوهره إلا بحثاً عن شكل جديد من 'الكيانات الوظيفية'. هذا الشكل كان يراد له ضمان المصالح الغربية تحت غطاء قيمي حضاري، بعيداً عن الصورة النمطية للغرب كداعم تاريخي للأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية.

تستخدم القوى الدولية ملفات الحريات والحقوق كأدوات للابتزاز السياسي وتحقيق مكاسب مادية ورمزية. فالدعوات الإعلامية للانفتاح الديمقراطي غالباً ما تكون موجهة للاستهلاك أمام الرأي العام الغربي، بينما تظل الحقيقة مرتبطة بمدى استجابة هذه الأنظمة للإملاءات الخارجية.

عندما أعلن الرئيس قيس سعيد تفعيل الفصل 80 من الدستور في يوليو 2021، اعتبر الكثيرون ذلك استجابة لانتظارات شعبية واسعة. ورغم انخراط نخب 'حداثية' في دعم هذه السردية، إلا أن الهدف كان يتجاوز مجرد إصلاح المسار نحو بناء منظومة سياسية بديلة بالكامل.

راهنت بعض القوى السياسية على أن 'تصحيح المسار' سيعيد إنتاج نموذج الاستقرار السلطوي الذي يمنحها أدواراً هامشية كما كان في العهود السابقة. لكن المشروع الجديد أثبت أنه لا يعمل بنظام 'المناولة'، بل يسعى لإنهاء دور الأجسام الوسيطة في الديمقراطية التمثيلية لصالح رؤية قاعدية.

جاء المرسوم الرئاسي عدد 117 ليؤكد أن التغيير ليس مجرد إجراء مؤقت لمواجهة 'خطر داهم'. بل هو تأسيس لجمهورية جديدة تعتبر الأحزاب والمنظمات التقليدية عائقاً أمام 'حرب التحرير الوطني' التي يبشر بها النظام الحالي في خطاباته الرسمية.

يعاني النظام التونسي اليوم من 'استقرار هش' يفتقر إلى قاعدة توافقية مع القوى السياسية والمدنية. فقد أصبحت السلطة في صدام مفتوح مع الجميع، بما في ذلك الأطراف التي ساندتها في البداية، مما يضعف الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتزايدة.

تطرح التساؤلات حول قدرة النظام على الصمود في ظل غياب 'مشروعية الإنجاز' الاقتصادي والاجتماعي. فالأرقام والواقع المعيشي للمواطن التونسي يظهران فجوة كبيرة بين الخطابات السياسية والنتائج الملموسة على أرض الواقع، خاصة في المناطق المهمشة.

بدأ المواطن التونسي يشعر بالحنين إلى آليات الديمقراطية التمثيلية رغم عيوبها السابقة، وذلك نتيجة غياب ثمار حقيقية لـ 'حرب التحرير'. فالتحرر من القوى المالية الدولية يظل شعاراً خطابياً طالما أن الاقتراض الداخلي حل محل الخارجي دون رؤية اقتصادية شاملة.

إن الشركات الأهلية التي يتم الترويج لها كبديل اقتصادي، قد تتحول إلى عبء على دافعي الضرائب إذا لم تقترن بتشريعات تكسر الاحتكار الريعي. فغياب نخب ثورية بديلة يجعل من مقاومة الفساد الإداري مجرد حديث مرسل يفتقر إلى آليات التنفيذ الفعالة.

يبرز أمام المحلل السياسي احتمالان لمستقبل النظام في تونس؛ الأول يتمثل في خطة إنقاذ دولية تفتح باب الاقتراض مقابل تنازلات سياسية. هذا السيناريو يفترض أن النظام لا يشكل خطراً حقيقياً على المصالح الغربية رغم نبرته الخطابية الحادة أحياناً.

أما الاحتمال الثاني، فهو ممارسة ضغوط دولية مكثفة لدفع النظام نحو قبول الشراكة مع المعارضة والأجسام الوسيطة. هذا التوجه يهدف إلى إجراء إصلاحات سياسية تضمن بقاء تونس ضمن المنظومة الدولية دون العودة الكاملة لمربعات الصراع السابقة.

في نهاية المطاف، يبدو أن تغيير النظام من خارج الأطر الدستورية والقانونية يظل خياراً مستبعداً في الاستراتيجيات الغربية الحالية. فالمجتمع الدولي يفضل التعامل مع الواقع القائم مع محاولة تدجينه، بعيداً عن المغامرات التي قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع بشكل غير محكوم.

Tags

Share your opinion

تونس بين مطرقة الاستقرار الرئاسوي وسندان الديمقراطية الصورية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.