Fri 08 May 2026 10:25 am - Jerusalem Time

بورصة الضمير.. قيمة الدمعة في سوق الأخبار العالمية

 كاتبة وباحثة قانونية وحقوقية مغربية، سفيرة عالمية للنوايا الحسنة لحقوق الإنسان لدى منظمة FAAVM الكندية


هناك، عند حافة الانتظار، تتشكل القصص الصامتة: يدٌ تبحث عن فرصة، وقلبٌ يتعلّم تأجيل خيبته دون أن يفقد إيمانه. وما بين خطوةٍ وأخرى، يكتشف الإنسان أن الوصول ليس نهاية الرحلة، بل بداية امتحانٍ أشدّ قسوة.. امتحان أن تبقى إنساناً حين تصبح شاهداً على ما يفوق الاحتمال.

كانت المدينة تبدو مكتملة الملامح، هادئة أكثر مما ينبغي؛ شرفات تتكئ على الياسمين، وطرقات تمشي عليها الخطوات بلا استعجال، ومقاهٍ تحفظ وجوه روادها كذاكرة الأحبة. في هذا المشهد، كان “صامد” يعيش يومه بإيقاع عادي، بين أوراق تتراكم في مكتبه وعدسة تلتقط تفاصيل الحياة الصغيرة. قاطع رنين هاتفه ذلك النسق المألوف. لم يكن الاتصال طويلاً، ولا الكلمات كثيرة، لكنها كانت كافية لتُحدث ارتجاجاً في داخله: مهمة جديدة، برنامج وثائقي، وجهة لا تشبه أي وجهة.. منطقة حرب.

لم يكن يدرك أن عدسته ستقع في قلب العاصفة؛ لتفصل بين عالمين: عالمٍ يغفو على طمأنينته، وآخرَ يصحو على دمعةٍ استحالت بين السطور.. مجرد خبر.

توقف الزمن للحظة، أو هكذا خُيّل إليه. بقي الهاتف في يده كأنه يحمل وزن القرار كله. فكرة السفر لم تكن غريبة عليه، لكنه هذه المرة لم يكن ذاهباً لتوثيق حياةٍ تُروى، بل واقعٍ يُطوى. بين طموحٍ يتقدم بخطى واثقة نحو ترقيةٍ طال انتظارها، وخوفٍ يتسلل من زاويةٍ معتمة في وجدانه، وقف متردداً. هل يذهب ليصعد مهنياً، أم يتراجع ليحفظ ما تبقى من طمأنينته؟ لم تكن الإجابة سهلة، لكنها جاءت في صمتٍ طويل. شيءٌ داخله دفعه للموافقة، لا بوصفها فرصة، بل بوصفها اختباراً. اختبارٌ لما يعنيه أن يواجه، وأن يشهد، وأن يبقى إنساناً في قلب ما يُفقد الإنسانية.

في الطائرة، لم يكن جسده وحده من يعبر المسافات، بل أفكاره أيضاً. كانت السماء تبدو صافية على غير عادتها، كأنها تخفي تحت زرقتها حكاياتٍ تغيب تفاصيلها بعيداً. كان يتخيل ما ينتظره: شوارع مهدمة، وجوه متعبة، وصراخٌ يخرج من عمق الألم، لكن كل صورة كانت تتبدد أمام أخرى أكثر غموضاً.

كيف يمكن للكاميرا أن تحتمل هذا الثقل؟ وكيف للصوت أن يحمل بقايا الصمت؟

تداخلت في داخله مبادئ تعلمها عن النزاهة والكرامة وحدود النشر، لكنها بدأت تفقد يقينها أمام واقعٍ لم يلمسه بعد، كأن القواعد نفسها تدخل منطقة لا تعترف بالثبات. وحين لامست عجلات الطائرة أرض الواقع، أدرك أن ما تخيله لم يكن سوى ظلٍ باهتٍ لما هو آتٍ. المدينة التي استقبلته لم تكن مدينة بالمعنى الذي يعرفه، بل فضاءً مفتوحاً على الندوب. الهواء مشبع برائحة لا تشبه شيئاً محدداً، لكنها تختزن الكثير. الحركة بطيئة، حذرة، كأن كل خطوة تُحسب.

في الأيام الأولى، حاول أن يلتقط إيقاع المكان. كيف يتحرك الناس، كيف يتحدثون، كيف يختارون صمتهم. كان يرى في كل تفصيلة درساً، وفي كل نظرة قصةً كاملة. كان المكان يبدو ساكناً، كأنه يلتقط أنفاسه الأخيرة قبل العاصفة. الهواء نفسه كان ثقيلاً، مشبعاً بصمتٍ مريب لا يقطعه سوى حفيف خطواتهم الحذرة. في تلك اللحظة بالذات، بدا كل شيء معلقاً في الهواء، وكأن الزمن يحبس أنفاسه.

ثم، دون مقدمات، تغيّر كل شيء.

صفيرٌ حادٌّ شقّ الهواء، تبعه ارتجافٌ مفاجئ، كأن الأرض نفسها فقدت توازنها. في لحظةٍ خاطفة، تحولت السكينة الهشة إلى فوضى مكتملة. ارتفعت الأصوات، تسارعت الأنفاس، وتبدلت الوجوه. لم يعد هناك وقتٌ للتفكير، فقط ردود فعلٍ غريزية: انحناء، احتماء، ركضٌ لا يعرف اتجاهاً.

كان يسمع دقات قلبه بوضوحٍ غير مسبوق، تنفسه صار متقطعاً، عيناه تتحركان بسرعة، تلتقطان كل شيء ولا تحتفظان بشيء. الغبار ملأ المكان، والرؤية صارت مشوشة، لكن الحضور كان كثيفاً، مؤلماً، لا يُخطئه الإحساس. رأى رجلاً يحاول أن يسحب طفلاً من بين الأنقاض، امرأةً تنادي باسمٍ لا يجيب، شاباً يركض ثم يتوقف فجأة، كأنه نسي لماذا بدأ. في تلك اللحظات، لم تكن الحرب خبراً، بل حالةً تُعاش بكل تفاصيل الجسد: في الارتعاش، في الترقب، في ذلك الصمت الذي يلي الضجيج مباشرة.

حين هدأ كل شيء نسبياً، لم يعد هو الشخص نفسه، ولم يكن يتوقع أن ينقلب هذا الهدوء إلى مفترقٍ يضعه أمام سؤالٍ لا يشبه أسئلته المعتادة: كيف تُقاس قيمة ما يُنقل حين يصبح الألم مادةً تُعرض؟

وفي غمرةِ الذهول، وقبل أن تستقيمَ خطواتُه بين الأنقاضِ والذبول، لمحَ طيفاً وسط الغبارِ يرفضُ أن يزول. طفلٌ.. جالسٌ على عتبةِ الحطام، لا يبكي ولا ينام. يُحدّقُ في الفراغِ كأنّه يقرأُ في الغيابِ كلام. في عينيهِ سكونٌ وسؤال، وفي صمتهِ ضجيجُ احتمال. بقعُ الرمادِ تلطخُ وجهه الصغير، والوقتُ يمضي في سكونٍ مرير. اقتربَ منهُ بخطىً ثقيلة، يتفحصُ الحقيقةَ القتيلة. فتلاقى النظرُ بالنظر، وانعكسَ الأثرُ في الأثر، كأنّما عادَ النبضُ وانتصر.

قال الطفلُ بعينين لا تنطقان: أأنا هنا أم هناك؟ أأنا بقايا حكايا أم بدايةُ فكاك؟ رفعَ كفّهُ النحيلَ ليمسحَ عن جبينهِ العناء، وكأنّه يودعُ الطفولةَ في كبرياء، وهبَ ابتسامةً تكسرُ حدَّةَ الشقاء.

وفي تلكَ اللحظةِ التي توقفَ فيها الزمان، وتبددَ من حولهِ الضباب، وجدَ نفسه أمامَ مرآةٍ تجسدُ أوجاعَ الأيام. لم تعدِ الكاميرا في يدهِ مجردَ آلةٍ للرصد، بل أصبحت شاهداً على عهدٍ يمتدُّ بلا غد. سقطت الحواجز، وتلاشت القيود والحدود، ليقفَ أمامَ براءةِ الطفلِ والذكريات؛ لا هو محايدٌ في نقلِ المشهد، ولا هو قادرٌ على تحويلِ الوجعِ إلى مجردِ مشهد. أدرك أنَّ الألمَ لا يُختزلُ في صورةٍ تُباع، وأنَّ الدمعةَ أمانةٌ في الأعماقِ لا تُضاع. وقفَ ممزقاً بينَ نداءِ المهنةِ وقسوةِ السؤال، يبحثُ عن صيغةٍ تجمعُ بينَ الصدقِ والاعتدال. لغةٍ تعيدُ ترتيبَ الكلماتِ من جديد، وتصيغُ الواقعَ بلا نقصانٍ ولا تبديد، لتشهدَ على نبضِ البقاء، وسطَ هذا العناء.

ظلّ "صامد" يتنقل بين الأزقة، يكتب بعينيه قبل أن يكتب بكلماته، ويصوّر بقلبه قبل أن يصوّر بعدسته. صار يختار لقطاته كما يختار الطبيب جرعته؛ بدقة، وبخوفٍ من الأثر الجانبي. لم يعد يسأل: ماذا سيرى المشاهد؟ بل صار يسأل: ماذا سيبقى من الإنسان بعد أن يرى؟ وبين كل لقطة وأخرى، كان يستحضر ذلك الطفل، كأنه معيارٌ داخلي يُعيد ضبط البوصلة.

عاد إلى تسجيله، لكن بعينٍ مختلفة. هناك، في مكانٍ بعيد عن هذا الركام، تتحرك الشاشات بإيقاعٍ آخر. الأخبار تُرتّب، تُقصّ، تُقدّم. في ذلك العالم، للحظةِ ثمن، وللصورة وزن، وللدمعة حضور. كأنّ الضمير نفسه يدخل سوقاً لا يُعلن عن قوانينه، تُعرض فيه الحكايات، وتُقاس قيمتها بمدى انتشارها. كان يفكر أن الخطر لا يكمن في النقل، بل في التحويل. حين تتحول المأساة إلى مادة، والإنسان إلى رقم، والوجع إلى عنصر جذب. هنا، يقفُ أمامَ الحقيقةِ عارياً من كلِّ إجابة: هل نحنُ نُبصرُ الطريق، أم نكتفي بأن نكونَ شهوداً على الحريق؟

تراجعَ خطوةً إلى الخلف، واضعاً يدهُ على عدستهِ كما لو كانَ يتحسّسُ نبضَ كائنٍ حيّ. المكانُ لا يزالُ يعجُّ برائحةِ البارودِ والغبار، وصوتُ الريحِ يمرُّ عبرَ فجواتِ الجدرانِ المنهارةِ كأنهُ تنهيدةٌ طويلة. كلُّ شيءٍ حوله كانَ يدعوهُ للتوثيق، لكنَّ الإصبعَ الذي اعتادَ الضغطَ على الزنادِ بحماس، تجمدَ هذه المرة. هناك، تحتَ جفنِ الذاكرة، ظلَّ ذلكَ المشهدُ الصغيرُ يقفُ كحاجزٍ أخير بينَ المهنةِ والروح.

وفي عمق هذه الرحلة، بدأ يرى أن الكلمة والصورة يمكن أن تكونا جسراً، لا منصة. جسراً يعبر عليه الفهم، ويصل من خلاله التعاطف، وربما.. يتسلل منه شيءٌ من السلام. ليس سلاماً كبيراً يُعلن، بل سلاماً صغيراً يبدأ من نظرةٍ تتغير، من قلبٍ يتأثر، من وعيٍ يُولد؛ كان يدرك أن كل صورة يمكن أن تكون جسراً أو حاجزاً، وأن الفرق بينهما يكمن في تلك المساحة الصغيرة التي يُسمّيها البعض ضميراً.

وهنا، التفتَ ببصرهِ نحو الأفق البعيد، حيث تُطبع الحكايات وتُوزّع على العالم. رأى كيف يتحول النبض الإنساني هناك إلى ورقة نقدية في سوقٍ لا يشبع، وكيف تُقاس حرقة الدموع بمدى رواجها في شاشات لا تعرف الرحمة. أدرك أن العيون التي كانت تنظر إلى الألم أصبحت تترقب مؤشراً يقيس حجم الوجع في بورصة العالم المفتوحة؛ بورصةٌ تحوّل كل دمعة إلى رقمٍ عابر، وتتاجر بالحقيقة قبل أن تبرد دماء أصحابها. إنه اقتصاد الألم، حيث يُباع الوجع الإنساني ويُشترى في مزاد علني يتلصص على الخيبات، وحيث غدا الضمير ذاته بورصةً تتأرجح أسهمه بين الشفقة العابرة واللامبالاة المطلقة. يقف "صامد" أمام هذا السيل الجارف، مستشعراً ثقل الأمانة، ومدركاً أن المعركة الحقيقية ليست في نقل المأساة، بل في حماية كرامة الإنسان.

في ذلك الركن الضيق من الغرفة، حيث يتداخل صوت الرصاص مع أنفاسه المتقطعة، رنّ هاتفه معلناً موعد الرحيل. جاءه الصوت عبر الخط البارد ليخبره أن الوقت قد حان للعودة. أغمض عينيه للحظة، وشعر بغصةٍ تعتصر قلبه؛ فقد أدرك أنه لم يكن مجرد زائرٍ عابر، بل إن جزءاً من روحه قد نبتَ هنا بين هذا الحطام، وأن ترك المكان الآن أشبه بترك قطعةٍ حية من ذاته تحت الركام.

الرحيل لم يكن انتصاراً ولا هروباً؛ بل كان عبوراً. حزمَ أمتعتهُ، لكنّهُ لم يتركْ هناكَ إلا جزءاً من روحه. عادَ "صامد" إلى مدينته الأولى، ومعهُ إيقاعٌ مختلفٌ للزمن، ونبضٌ آخرُ للذاكرة. لم يعد كما ذهب؛ فالأشياء من حولهِ بدت أكثر صمتاً، والألمُ الذي رآه صار يسكنُ في تفاصيلِ خطواته.

وفي طريقه، وبينما كان يسترجع في عقله وحشته وهو هناك، ظلّت تلك الجملة الناقصة التي صادفها محفورةً في ذاكرته تطارده؛ تلك العبارة التي كتبها أحدهم على الجدار المائل ثم غادر: «نحن هنا…». لم تُكمل الجملة، كأنّ صاحبها تركها لتُكملها الحياة. ظلّت الكلمتان ترافقه، تقلّبانه من الداخل، وتُسائله في صمتٍ ثقيل: «نحن هنا… ماذا؟ شهودٌ على الوجعِ أم شركاء؟ ناقلون للواقعِ أم صانعون للبقاء؟». ظلّ يتأمل تلك الذكرى طويلاً، كأنّ الجملة تخصّه أيضاً، وكأنها تسأله عن الجزء الذي لم يُكتب بعد في حياته هو. شعر أن الإجابة ليست مجرد جملةٍ تُقال، بل موقفٌ يُعاش.

حين عاد، لم يعد يحمل حقائب فقط، بل أسئلة. المدينة التي غادرها تركت فيه أثراً لا يزول. صار يرى الأشياء بشكلٍ مختلف: الضجيج أكثر صخباً، والصمت أكثر عمقاً. صار يدرك أن ما عاشه ليس مجرد تجربة، بل إعادة تشكيلٍ لنظرته إلى العالم. لم يعد يفكر في العودة كمجرد حدث، بل كفكرة أكبر: العودة إلى المعنى، إلى الإنسان داخل المهنة، إلى الضمير حين لا يكون محاصراً بالإيقاع السريع للأخبار. كان يعرف أن ما رآه لن يغادره، وأن الصورة التي التقطها ستبقى تلاحقه أكثر مما ستُعرض على الشاشة. أدارَ صامد الكاميرا، ونظرَ إلى عدسته التي ما زالت تحتفظ بحرارةِ الرمادِ ووجع الأيام، تستحضرُ كلَّ تفصيلةٍ صغيرةٍ تركت في روحهِ أثراً لا يُمحى. لقد أدرك في تلك اللحظة أن الحقيقةَ ليست مجردَ خبرٍ عابرٍ يمرُ في عَجَل، وليست وميضاً ضوئياً ينتهي بانتهاءِ الحدث، بل هي أمانةٌ في عنقِ الضمير.

وبينما كان يستعيدُ الوجوهَ التي عبرت أمامه، والأرواحَ التي تركتْ أثرها في زوايا المكان، تبيّنَ له أن الخطرَ الأكبرَ الذي يهددُ من ينقلُ واقعنا، ليس قسوةَ المشهدِ ولا وحشةَ الظلام، بل هو اعتيادُ الوجع، وتلاشي الإحساسِ أمامَ هولِ المآسي.

سدّد نظرهُ نحو النورِ البعيد، ومضى بخطىً ثابتة، حاملاً في عينيهِ قصةً لا تنقضي، وشاهداً حياً لا ينحني.

Tags

Share your opinion

بورصة الضمير.. قيمة الدمعة في سوق الأخبار العالمية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.