Fri 13 Mar 2026 2:33 pm - Jerusalem Time

الأقصى في دائرة الاستفراد: مخططات الاحتلال لإنهاء 'الوضع القائم' وفرض السيادة الكاملة

تشهد مدينة القدس المحتلة تصعيداً إسرائيلياً غير مسبوق يستهدف المسجد الأقصى المبارك، حيث تعكس الإجراءات الأخيرة سعياً حثيثاً لفرض أمر واقع جديد يضمن للاحتلال سيادة كاملة. وتأتي هذه التحركات في سياق استراتيجية تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وتفكيك الرابطة الدينية والوطنية بالمسجد، خاصة مع اقتراب المناسبات الدينية الكبرى.

تمثل خطوة إغلاق المسجد الأقصى في الثامن والعشرين من فبراير 2026، تحت ذرائع 'حالة الطوارئ'، ذروة العدوان الممنهج الذي يستغل الظروف الإقليمية المتوترة. ويهدف الاحتلال من خلال هذا الإغلاق إلى اختبار ردود الفعل وقياس مدى قدرته على تجاوز الخطوط الحمراء دون دفع أثمان أمنية أو سياسية باهظة.

تتلاقى توجهات الحكومة اليمينية المتطرفة مع طموحات 'منظمات المعبد' التي لم تعد أفكارها هامشية، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من السياسة الرسمية. وتسعى هذه الجماعات بدعم حكومي واضح إلى إنهاء دور دائرة الأوقاف الإسلامية، تمهيداً لفرض السيطرة الإدارية والأمنية المطلقة على مرافق المسجد كافة.

استغل الاحتلال تداعيات حرب الإبادة التي شنت في عام 2025 لتسريع وتيرة التهويد، مستفيداً من انشغال العالم بالأزمات الإنسانية والحروب الجانبية. وتعمل أجهزة الأمن الإسرائيلية على هندسة واقع جديد يعزل الأقصى عن محيطه الشعبي، ويحوله من رمز جامع إلى نقطة جغرافية مخنوقة بالقيود العسكرية.

تعتمد استراتيجية 'هندسة العزل' على تفتيت القوى المدافعة عن المسجد، من خلال حملات الاعتقال والإبعاد الممنهجة التي تستهدف المرابطين والرموز المقدسية. كما يرافق ذلك حصار إعلامي مشدد يمنع نقل حقيقة ما يجري داخل الباحات، عبر حظر المؤسسات الصحفية وتضييق الخناق على الناشطين في المدينة المحتلة.

يدرك الاحتلال تماماً أن الأقصى كان تاريخياً هو 'صاعق التفجير' لكل الهبات والانتفاضات الفلسطينية الكبرى، ولذلك يعمل على 'كي وعي' الفلسطينيين لرفع كلفة أي تحرك دفاعي. ومن خلال التعامل الوحشي مع المصلين، يسعى الاحتلال إلى إيصال رسالة مفادها أن الثمن الشخصي والجمعي للرباط سيكون باهظاً وغير محتمل.

تثير حالة الصمت العربي والإسلامي تساؤلات جوهرية حول مستقبل الحماية السياسية والقانونية للمقدسات، في ظل تراجع فاعلية الأدوات الدبلوماسية التقليدية. ويرى مراقبون أن الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في قضم الوضع التاريخي القائم دون خوف من عواقب حقيقية.

تواجه الوصاية الأردنية على المقدسات تحدياً وجودياً، حيث لم تنجح الضغوط الحالية في ثني الاحتلال عن إجراءاته القمعية أو فتح بوابات المسجد بشكل كامل. ويتطلب الواقع الراهن الانتقال من مربع الإدانة اللفظية إلى تفعيل أوراق ضغط سياسية وقانونية ملموسة تؤثر على مصالح الاحتلال وعلاقاته الدولية.

على الصعيد الفلسطيني، يظل الرباط الشعبي والحضور الكثيف في أزقة القدس وأمام أبواب الأقصى هو خط الدفاع الأول الذي يفشل مخططات الإحلال. ورغم كل محاولات الترهيب، أثبتت التجارب التاريخية أن الإرادة الشعبية قادرة على قلب الطاولة وتجاوز حسابات القوة العسكرية المفروضة ميدانياً.

إن الرهان الإسرائيلي على تحويل قضية الأقصى إلى 'شأن معزول' عن بقية الأراضي الفلسطينية والعمق العربي يمثل جوهر الصراع في المرحلة الحالية. فإذا نجح الاحتلال في تمرير الإغلاقات الطويلة دون كلفة، فإن الخطوة التالية ستكون بلا شك البدء في إجراءات التقسيم المكاني الفعلي للمسجد.

تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الحصار إلى إنهاء 'الحصرية الإسلامية' للمسجد الأقصى، وهو الهدف الذي تسعى إليه المنظمات المتطرفة منذ عقود. ويجري ذلك عبر فرض طقوس تلمودية علنية وتغيير المعالم التاريخية المحيطة بالمسجد لتغيير هويته البصرية والحضارية بشكل نهائي.

يجب على الدول العربية والإسلامية والمنظمات الدولية ذات الصلة أن تدرك أن ما يجري ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل هو محطة مفصلية في صراع السيادة. إن التلويح بتجميد الاتفاقيات وقطع العلاقات الدبلوماسية قد يكون الملاذ الأخير لردع التغول الإسرائيلي الذي لم يعد يعترف بأي مواثيق دولية.

إن المسؤولية التاريخية تحتم على الكل الفلسطيني والعربي التحرك العاجل لاستعادة مكانة الأقصى كبوصلة للعمل الوطني ومحرك للجماهير. فالتراخي في مواجهة سياسة 'القضم الهادئ' سيؤدي في نهاية المطاف إلى واقع يستيقظ فيه العالم على مسجد مسلوب السيادة والهوية بالكامل.

ختاماً، يبقى المسجد الأقصى هو الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الأمة على حماية مقدساتها في وجه آلة الحرب والتهويد. وإن نجاح أو فشل مخططات الاحتلال يعتمد بالدرجة الأولى على مدى تماسك الجبهة الداخلية الفلسطينية وقوة الإسناد العربي والإسلامي في هذه اللحظة التاريخية الفارقة.

Tags

Share your opinion

الأقصى في دائرة الاستفراد: مخططات الاحتلال لإنهاء 'الوضع القائم' وفرض السيادة الكاملة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.