Tue 17 Feb 2026 10:46 am - Jerusalem Time

الانتخابات ليست تسوية اجتماعية بل قرار تنموي

في كلِّ دورةٍ انتخابيةٍ بلدية، لا تبدأ الحكاية يوم فتح صناديق الاقتراع، بل قبل ذلك بوقتٍ طويل. تبدأ في المجالس، في الأحاديث الجانبية، في همسات المقاهي، وفي لقاءات الوجهاء. هناك يتشكّل ما يُسمّى "التوافق"؛ كلمةٌ تبدو دافئة، توحي بالوحدة، وتَعِدُ بمستقبلٍ يُرسم بيدٍ واحدة.

في صورته المثالية، يكون التوافق عنوان نضجٍ جماعي. أن يجلس أبناء المجتمع حول طاولة واحدة، يختلفون في التفاصيل ويتفقون على الهدف، يضعون مصلحة البلد فوق كل اعتبار، ويختارون برنامجًا واضحًا يخدم الناس جميعًا؛ فذلك مشهدٌ صحيٌّ يبعث على الطمأنينة. هنا لا يكون التوافق صفقة، بل شراكة. لا يكون تحالف مصالح، بل تحالف مسؤولية. في هذه الصورة، تتجلى الديمقراطية في أبهى معانيها: تنافسٌ على الخدمة، لا على الغنيمة.

 لكن، وبكل صراحة، ليست كل التوافقات كذلك. فحين يتحول السؤال من "من الأكفأ لخدمة الناس؟" إلى "من يمثل من؟"، ينحرف المسار. حين تُختزل الطاولة في توزيع مقاعد، وتقسيم أدوار، وترتيب حصص، يصبح التوافق غطاءً لمعادلة نفوذ لا مشروعًا تنمويًا. قد يربح الجميع لحظة الإعلان، لكن الخسارة تبدأ مع أول قرارٍ يُتخذ بلا رؤية مشتركة. تتضارب المصالح، تتعثر المشاريع، ويكتشف المواطن أن ما سُمّي توافقًا لم يكن سوى هدنة مؤقتة بين أطراف متنافسة.

هنا تحديدًا تتضح الحقيقة: الانتخابات ليست تسوية اجتماعية بل قرار تنموي. ليست مناسبة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، ولا محطة لتثبيت توازنات عائلية أو فئوية، بل لحظة مفصلية يُرسم فيها مسار الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل وجودة الحياة في البلد لسنوات قادمة.

إن أخطر ما في تحويل الانتخابات إلى تسوية اجتماعية أنه يُضعف معيار الكفاءة، ويجعل المنصب مكافأةً على القرب لا تكليفًا على القدرة. وعندما يُقدَّم الأقرب على الأكفأ، تُدفع فاتورة ذلك من وقت الناس واحتياجاتهم ومستقبل أبنائهم.

وفي المقابل، يبقى الانتخاب الحر قيمةً كبرى، لأنه يمنح الفرد حق الاختيار. غير أن هذا الحق يفقد معناه إن لم يُمارس بوعي. الديمقراطية ليست مجرد صوتٍ يُمنح، بل مسؤوليةٌ تُحمَل. هي وعيٌ بأن كل ورقة اقتراع تضع حجرًا في بناءٍ إما أن يكون متينًا أو هشًا.

ومن هنا، فإن مسؤولية الارتقاء بالمشهد لا تقع على الناخب وحده، بل على التنظيمات والمجموعات كافة. فإذا أردنا أن نساعد المجتمع على حسن الاختيار، فعلينا أن نحترم وعي الناس قبل أن نطلب أصواتهم. واحترام الناس يبدأ بتقديم الأقدر لا الأقرب، وصاحب الرؤية لا صاحب النفوذ، ومن يحمل مشروعًا واضحًا لا من يملك حضورًا اجتماعيًا فحسب. فالمجتمع يستحق أن يُعرض عليه برنامج، لا أن يُفرض عليه توازن.

نحن أمام خيارين واضحين: إما ثقافة الخدمة، حيث المنصب تكليف ومسؤولية، وإما ثقافة الحصص، حيث الموقع مكسب ونفوذ. وبينهما يتحدد شكل المجلس، بل ويتحدد مستوى حياتنا اليومية.

فلنجعل من الانتخابات محطة وعيٍ لا محطة مجاملة، ومن التوافق التزامًا حقيقيًا لا اتفاقًا عابرًا. فالمجالس القوية لا تُبنى بكثرة المتوافقين، بل بصدق الرؤية ووحدة الهدف. وصوت الناخب ليس ورقة عابرة، بل قرار تنموي يرسم ملامح الغد.

Tags

Share your opinion

الانتخابات ليست تسوية اجتماعية بل قرار تنموي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.