كنت أريد الكتابة هذا الأسبوع حول زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة للقاء ترامب، لكن جاءتني زائرة أطاحت بكل أفكاري ..وأعادت اليّ ذكريات ماض قريب مؤلم، أيام الحرب المجنونة : القصف والقتل والنزوح المتكرر والكرامة المهدورة.. كنت أتمنى أن أنساه كي أستطيع المضي قدماً حتى زارتني مريم... فسخطت على الأوّلين المذكورين ووجدتني أكتب مريم ..
في إحدى مرّات النزوح الكثيرة ونحن نشقّ سبيلاً للنجاة من الموت إلى المجهول. السماء سوداء من غبار القصف الذي لا يهدأ، والطريق المتصدّع يعجّ بآلاف البشر، حالهم كحالنا، حيث الوجوم يملأ الوجوه والفجع بقريب أو صديق لا تخطئه العين، والدموع تكاد تتفجر من الضلوع، ورغم الضجيج والعجيج إلا أنك تحس بصمت كئيب يثقل الأجواء، فالهمّ تنوء بحمله الجبال . وأنا أنظر المشهد رأيت من بعيد وجهًا أعرفه جيدا، إنها "مريم". لكنها مختلفة.. مختلفة كثيرا .. وجهها يكاد يختفي من شدة الوجع. عرفت مريم عن طريق والدتها ،الابنة الكبرى لسيدة فاضلة، كانت تزورني أحيانا ومعها مريم.. شابة واعدة ذات وجه صبوح وابتسامة جميلة. ربطتني بهما علاقة روحانية رغم اختلاف أفكارنا وتوجهاتنا، وعشت معهما أحلامهما البسيطة .. الأم كانت تصر أن تنجب صبيًّا ولو بعد خمس بنات .. السند للأخوات هكذا كانت تعتقد . أمّا مريم فكانت تحلم بأن تصبح مدرّسة كي تنقذ عائلتها من فقر المخيّم. لم تكن الأحلام صعبة أو هكذا تخيّلت أنا. وجاء الصبي وكبر حلم الأم كلّما كبر الصبي، ولكنّ اليد قصيرة والعين بصيرة .. فتلاشى شيئًا فشيئًا حلم مريم بدخول الجامعة، خاصة بعد موت الأم التي كسرتها الحياة مرضاً وتعباً وهي تكافح من أجل الولد والبنات، فاستلمت الدفّة مريم التي باتت رقبتها مثقلة بمسئولية الولد والبنات وحلم الأم.. حاولت أن أشدّ على أزرها وأحثّها على التمسك بحلمها، فالعلم لا يرتبط بسن..
هرولت اليها ماذا حدث يا مريم؟ قالت الحمد لله استشهد اخي وأبي فداءً للأقصى.. لم أعلق.. أخاها الذي الذي انتظرته الأم سنينا.. سند البنات كما كانت تقول ... نظرت الى عينيها أحاول أن اخترق صميمها فوجدت لسانها ينطق بحال وقلبها وعيونها تصرخ بحال آخر.. قلت الله يرحمه.. نظرت لأخواتها الأربع وسألتها اين ستذهبين مع البنات .. قالت ارض الله واسعة .. العودة قريبة إن شاء الله! تركتها وكلٌّ مضى في طريق .. ومضت بنا الحرب تقتلنا يومًا بعد يوم، منّا من في القبور ومنّا فوق الأرض ينتظر .. وفي يوم تذكرت مريم وأخواتها ماذا فعلت بهنّ الحرب؟ عرفت من البعض أنها في احد المخيمات، وذهبت لزيارتها .. الشهور التي تركتها فيها كأنها سنين خطّت على وجهها.. تغيّرت كثيرًا ذات الوجه الصبوح .. ما أن لمحتني حتى بكت بكاءً مرًّا لم أره يوم استشهد أبوها وأخوها .. الحياة صعبة جدا قالت . جاءت البنات من بعيد يحملن دلاء الماء يتعثرن في جلابيبهن منهكات .. أعمار قفزت فوق أعمارهن . لم أسألها كيف الحال.. خجلت من السؤال. خيمتها عبارة عن قطع من الأقمشة البالية والحمام بدائي جدا ..لا خصوصية ولا كرامة .. قالت المهمّ الغذاء .. المخيم يقدم لها وجبة واحدة في اليوم .. أحيانا تكفي وأحيانا كثيرة يبيتون جوعى.. تعمل في تحضير الخبز للبيع وتقف ساعات طويلة أمام نار الحطب والبلاستيك القاتلة كي تحصل على خمسمائة شيقل شهريًّا (150 دولار) تساعدها ولو قليلا .. مقهورة مريم .. قهرتها السياسة كونها ولدت لاجئة قضت حياتها في الانتظار.... في انتظار السند/ الولد بعد البنات .. وفي انتظار الكوبونة آخر الشهر.. وفي انتظار الدور لتصلح لها وكالة الأونروا الغرفة التي كانت تنام فيها مع عائلتها والتي يرشح منها المطر في الشتاء وتملؤها الحشرات في الصيف.. لم تعد الغرفة موجودة فقد طارت مع أخيها وأبيها بصاروخ في الحرب . وحين رأيتها في طريق الآلام .. طريق النزوح نحو الجنوب .. كانت مريم في انتظار النصر!! بينما في مخيم النزوح كانت في انتظار وقف الحرب .. زارتني مريم ويا ليتها ما فعلت .. اليوم هي في انتظار الحل ..؟
[email protected]
Wed 24 Dec 2025 11:09 am - Jerusalem Time
كل أربعاء … مريم مازالت تنتظر ..هل في العمر بقية؟
د. أماني القرم





Share your opinion
كل أربعاء … مريم مازالت تنتظر ..هل في العمر بقية؟