إذا تخيلنا السعادة غابة ساحرة، أو شاطئا جميلاً، أو قصراً بديع المعمار مع حدائق فاتنة، أو امرأة حازت الجمالين المظهري والجوهري، أو رجلاً وسيماً اجتمعت فيه مزايا العطاء والوفاء، فإن أيا مما اخترتَ أو اخترتِ منها في خيالك سيكون له طريق مُعبّد أو ممرّ موصِل.
والعجيب أن للسعادة ممرات كثيرة ومتنوعة، قد تثير دهشتنا. لنتعرف إلى ثلاثة منها:
أولاً: أن تكون أفعالك معبّرة عنك حقا.
لن تذوق طعم السعادة ما لم تكن قراراتك وتوجهاتك وأفعالك نابعة من صميم ذاتك، دونما ضغط أو إكراه من الآخرين أو من المحيط الخارجي. فما يصدر عنك يشبه رغيف الخبز الذي يتم تجميع مكوناته وعجنه وخبزه داخل كينونتك الفريدة، ومن ثم هو يبصر النور من خلال نار أفكارك ومشاعرك وخبرتك وبصمتك الفريدة، أنت لا غيرك.
ولا يعني ذلك بحال ألا تستمع إلى آراء الآخرين وخبراتهم ونصائحهم وتجاربهم، بل على العكس استمع إليهم، وخذ منهم ما يناسبك، واستبعد ما لا يناسبك، وكوّن رؤيتك الخاصة من بعد كل ذلك السماع وتلك المطالعة.
فالحكمة والذكاء هنا يتناصفهما جزآن أو قطبان، جزء (قطب) بالإفادة من تجارب الغير، وجزء (قطب) من ابتكار منظورك الخاص. فصدق من قال (ما خاب من استشار)، وصدق من قال (كن نفسك).
هل تستذكر مرة قمتَ فيها بفعل أنت غير مقتنع به؟ هل مرضت بعدها؟ هل بكيت؟ هل عضّك الندم؟ هل عاهدت نفسك على عدم العودة إلى مثل هذا الموقف المعيب بحق إنسانيتك؟
إن عنوان السعادة هو هويتك الفردية البهيجة، كلماتك أنت، قناعاتك أنت، اتجاهاتك أنت، مفهومك الخاص للسرور.
بعض الناس مفهومها للسرور يشير إلى احتساء القهوة في مقهى، والمشي والقراءة والتفسح في الطبيعة..، وبعض يشير إلى تدخين الأرجيلة (على مضرتها)، لكلّ منا مفهومه للسرور.
ثانيا: أن تكون عنواناً للمحبة وللعطاء وللإيجابية.
في لحظة صفاء روحية، ستدرك يا إنسان أنك لست سوى ممر للعطاء وللمحبة وللخير وللإيجابية وللإبداع، جميعها تعبر من خلالك، باعتبارك ممراً بشرياً للمشيئة الإلهية التي استودعتك تلك الكنوز واستأمنتك عليها، لخدمة الجنس البشري، وللمساهمة في تطوره، وللارتقاء بتجربته على كوكب الأرض.
أليس من الجهل والغباء والسخف أن تكون شريراً، أو أنانياً، أو ظالماً؟!
لماذا تتسبب في الأذى والدمار والخراب والتراجع للجنس البشري؟!
حتى لو حصلت على مزيد من المال والسلطة والملذات.. هل تظنّ أنك ستنال الإحساس الحقيقي بالسعادة بينما أنت تدوس على أحلام الآخرين، وتسحق طموحاتهم البسيطة العادلة؟!
ألم تفكر يوماً أن العوالم الأرضية وغير الأرضية يوجد بينها رابط خفي يربطها معاً نسميه المقاصة الروحية، أو ميزان العدل الكوني ( الكارمي)، وهو يقتصّ منك في العالمين الأرضي والما بعد أرضي الذي ستواجهه مباشرة بعد رحيلك عن جسدك المادي وعالم المادة؟!
كن عنواناً للمحبة، وللعطاء، وللإيجابية، حتى لا تدفع الثمن الكبير حين لا ينفع الندم.
كن عنواناً للمحبة وللعطاء وللإيجابية، حتى تَسلَم وتَسعد.
ثالثا: أن تكون في حال استقبال وإرسال دائم للحب.
لا تكن (الغافل) فتظن لحظة أن الحياة هي أيّ شيء عدا الحب، بل العكس هي لا شيء إلا الحب.
فالحب هو المحرك الخفي للحياة، وهو الأمل الكبير للإنسان يتجلى في الصدور، ويرتسم في العقول، كلما التقت امرأة برجل.
والحب هو الغلاف الكبير المتين الذي يلفّ مساعيك للدراسة، وللعمل، وللنجاح، وللعطاء، للمجتمع، وللإنسانية، بوعي منك أو بدون وعي، لأنه حب مغروس فيك للجنس البشري، وللوجود، وللخليقة، ولخالق الخليقة، وللعدالة الاجتماعية، وللارتقاء بسلوكيات الجنس البشري، ولتوفير الأمن والرفعة له.
ومهما حاولتَ الإنكار، فلن تهرب من الحقيقة الخالدة الراسخة في تكويننا الروحي والبشري العميق، وهي أننا كائنات محُبة، تصدر عنا موجات حب وعطاء وانفعال بالجمال وبالخير طيلة الوقت، كما نستقبلها أيضاً من الآخرين طيلة الوقت.
أما موجات الكراهية والأنانية وحَجب العطاء إن صدرت عنا أو عن غيرنا، فإنها تكون انحرافاً عن المسار المرسوم للخليقة، وإهمالاً لسماع صوت بوصلة النور فينا.
وهي تصدر إما عن جهل بعظمة الحب وقيمته وأهميته (خلل في الفكر)، وإما بسبب اضطراب أو مرض نفسي (خلل في النفس)، وإما بسبب توجيه مجتمعي نخبوي متعمد (خلل مجتمعي)، خدمة لمصلحة نخبة محدودة، هدفها إعلاء قيم الأنانية والجشع والمادة، بدل إعلاء قيمة الإنسان روحاً وكائناً، ومكانة، وممثلاً للجوهر الكوني الخالد.
وقد وصل معظم المفكرين الاجتماعيين والروحانيين في العالم إلى حقيقة أن ( الكون مؤيَّد بالحب).
..........
إننا كائنات محُبة، تصدر عنا موجات حب وعطاء وانفعال بالجمال وبالخير طيلة الوقت، كما نستقبلها أيضاً من الآخرين طيلة الوقت.
Sat 24 Aug 2024 10:21 am - Jerusalem Time
ممرات عبور إلى السعادة
فراس عبيد





Share your opinion
ممرات عبور إلى السعادة