أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

الديمقراطية الفلسطينية: بين الصندوق والصفقة


حين يعلن عن الانتخابات تحت لافتة الاصلاح، ففي ذلك رسالة سياسية للخارج قبل الداخل، عن القدرة على تجديد الشرعيات وتحسين الأداء، لكن ما يحدث عبر القوائم التوافقية، لا يفرغ الانتخابات من معناها فقط، بل يحولها الى لائحة اتهام، فحين تحسم النتائج في المقاهي، يصبح صندوق الاقتراع اكسسوارا، والديمقراطية معاملة خاصة لا حق عام، وهنا لا نتحدث عن ترتيبات ادارية، بل عن اعادة تعريف شاملة، فالمواطن لا يختار، بل يبارك ما قررته شبكات المصالح والنفوذ.

 خطورة ذلك تمتد من الشرعية والمجتمع الى الصورة العامة لفلسطين، فالانتخابات ليست مجرد اجراء، بل عقد اجتماعي يعيد انتاج الثقة، ويقيس حجم التمثيل، وحين تستبدل المنافسة بالتزكية المشروطة، تتحول الشرعية الى ديكور. قانون الانتخابات شدد على الحرية والسرية والشخصية، وترك نافذة للتزكية في حالات محددة جدا، هذه النافذة تحولت الى بوابة، والاستثناء بات قاعدة، فدفع البعض نحو قائمة واحدة عبر ضغوط حزبية وعائلية، او توازنات مصالح، وقدم ما لم يكن اجماعا على انه اجماع.

 حتى لو نظر الى التوافق كمخرج من الانقسامات المحلية في الظروف الطبيعية، الا انه يصبح اشكالا في ظروف ما تحت الاحتلال، فالحكم المحلي يشكل خط الدفاع الاول، من الامن الغذائي والمائي، الى الصمود والإغاثة، ومن حماية الاراض الى ادارة الازمات اليومية، خاصة في ظل الازمة المالية الخانقة، او ما يشبه الشلل الحكومي، ما يجعل من البلدية اكثر من مجرد مقدمة خدمة، بل رافعة صمود، وحين تصل قيادتها عبر وسطاء، لا عبر الصندوق، تصبح ضعيفة، بعيدة عن الشارع، واقرب الى شبكات النفوذ، فتعيد انتاج ثقافة التبعية، ما يجعل قادتها مدينين للوسطاء، لا للناخبين، فيميلون للمهادنة بدل الاشتباك مع مشاكل الناس الحقيقة، ويسعون لإرضاء الوسطاء، لا لبناء شرعيتهم عبر الشفافية وحسن الاداء، او تكريس ثقافة المساءلة.

 الحقيقة التي يدركها من يتابع المشهد، ان هذه التوافقات ليست سوى اداة للتهرب من الاختبار الحقيقي، فهناك من يستعيض عن المنافسة بترتيبات جانبية، تحفظ له حضوره ونفوذه، وتؤجل مواجهة سؤال التمثيل، في ظل ادراك متزايد بان المزاج الشعبي لم يعد مضمون النتائج. التوافق بهذه الصيغة يتحول الى وباء اجتماعي فتاك، يجعل من الخبرات والكفاءات فائضة عن الحاجة، لا لشيء، الا لان معيار الاختيار يقوم على الولاء لا الكفاءة، والقرابة لا القدرة، والتعيين لا الانتخاب، ومع الوقت يتحول الاحباط الى عزوف عن العمل العام، ثم لاحقا عداء له، ما يفتح الباب امام امراض اجتماعية اخطر، فيصبح من السهل تفكيك هذه المجتمعات، او جعلها قابلة للانفجار الداخلي، واقل قدرة على التنظيم ومواجهة صدمات الاحتلال المتوالية.

 ولا يقف الامر عند ذلك، بل يطال صورة فلسطين عالميا، فالخطاب الفلسطيني قدمها كمشروع دوله تحت احتلال، وطالب بالحماية والاعتراف والدعم، لكن العالم عموما، ومنهم المانحون او المؤسسات الدولية خصوصا، ما عادوا ينظرون الى عدالة القضية فقط، بل والى الحوكمة ايضا، فحين تؤجل الانتخابات مرارا وتكرارا، او تتحول الى ترتيبات مسبقة، فتلك ليست مجرد دعاية مضادة، بل وصفة جاهزة لخلط الاوراق، وربط الدعم بشروط اشد، وربما تبرير الالتفاف على المؤسسات الفلسطينية، وبالتالي تحويل القضية من تحرر وطني الى ملف اداري.

 الاكثر مرارة ان هذا يحدث بينما الهجمة على الضفة تتصاعد، والسكوت الرسمي بات سياسة، او جزءا من المشهد، وبالتالي فان تدمير مناعة الحكم المحلي ليس خطأ اداريا فحسب، بل وخطرا على الامن المجتمعي، فحين تضعف المؤسسات، تضعف القدرة على الصمود، ويصبح الخلاص خيارا فرديا، لا فعلا جماعيا، وهو بالضبط ما يسعى له الاحتلال، مجتمع مجزأ، وقيادات بلا تفويض حقيقي، ونزاعات داخليه تستنزف الطاقات والموارد، بدل ان تصهرها في بوتقة واحدة لمواجهة الاخطار الداهمة.

 


فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:56 صباحًا - بتوقيت القدس

رمضان غزة.. قناديل الصمود تضيء ركام عامين من الحرب

بعد انقضاء أكثر من عامين على الحرب المدمرة التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، بدأت روح شهر رمضان المبارك تنبض من جديد في الشوارع والأزقة المنهكة. يتحدى الأهالي بآمالهم البسيطة مرارة الحصار وأوجاع الفقد، معلنين تمسكهم بالحياة رغم كل ما خلفته الآلة العسكرية من دمار واسع ومعاناة إنسانية غير مسبوقة.

في قلب مخيمات النزوح المكتظة، انبعثت ملامح البهجة من بين ثنايا الخيام المتهالكة، حيث انتشرت زينة رمضان الملونة لترسم لوحة من الإصرار. ولم تكتفِ العائلات بالزينة التقليدية، بل عمد فنانون وشبان إلى رسم جداريات تجسد قبة الصخرة وفوانيس رمضان على ما تبقى من جدران المباني المدمرة، استعداداً لاستقبال الشهر الفضيل.

تحولت هذه المشاهد العفوية إلى مساحات صغيرة للفرح وسط ركام ثقيل يطبق على أنفاس القطاع، حيث شوهد الأطفال وهم يعلقون الزينة بأيديهم الصغيرة بمساعدة الشبان. ويقوم المتطوعون بتثبيت الفوانيس على أعمدة الكهرباء المتداعية، في حين تحاول الأمهات صناعة أجواء رمضانية دافئة بما توفر لديهن من أدوات بسيطة ومواد أولية شحيحة.

ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو وصور توثق هذه المبادرات، حيث اعتبر ناشطون أن غزة تثبت قدرتها على الانتصار للحياة بطريقتها الخاصة. وأكد المتابعون أن روح رمضان في هذا العام تحمل دلالات مضاعفة للصمود والتكافل الاجتماعي، مشيرين إلى أن هذه المشاهد تعكس إرادة شعب يرفض الانكسار أمام آلة الحرب.

رغم ضيق الحال وشح الإمكانات المادية والغذائية، يصر الغزيون على أن يكون الشهر الكريم مناسبة لتجديد الأمل وإحياء الطقوس الجماعية. وتأتي هذه التحركات كرسالة واضحة بأن مظاهر البهجة، مهما بدت متواضعة، قادرة على تحدي الواقع القاسي الذي لا يزال يخيم على كافة مناحي الحياة في القطاع المحاصر.

أثارت هذه المشاهد تفاعلاً واسعاً من قبل المدونين الذين أشادوا بقدرة الغزيين على التقاط أنفاسهم وسط الوجع المستمر. ورأى مراقبون أن الاحتفاء برمضان وسط الدمار لا يعني نسيان المأساة، بل هو حاجة إنسانية ملحة لإيجاد نافذة أمل يتكئ عليها الناس لمواجهة واقعهم المرير الذي فرضته سنوات الحرب.

يؤكد الأهالي أن تمسكهم بالطقوس الجماعية يساهم في ترسيخ روح التضامن ويمنحهم قوة معنوية هائلة للاستمرار في ظل الظروف الراهنة. واعتبر الكثيرون أن ما يجري في المخيمات ليس مجرد زينة موسمية عابرة، بل هو فعل مقاومة ثقافي واجتماعي يؤكد التمسك بالهوية والطقوس الدينية مهما بلغت شدة التحديات.

تمثل الابتسامات المرتسمة على وجوه الأطفال وهم يشاهدون الفوانيس المعلقة بين الخيام استراحة إنسانية في قلب الألم المستمر. وتعبر هذه اللحظات عن حاجة المجتمع إلى دفء روحي يعيد إليه توازنه النفسي بعد أشهر طويلة من الخوف والفقدان والنزوح المتكرر من منطقة إلى أخرى بحثاً عن أمان مفقود.

في المقابل، لا تخلو هذه الأجواء من غصة وتخوفات شعبية من احتمال تجدد التصعيد العسكري الإسرائيلي خلال أيام الشهر المبارك. ويأمل المواطنون أن تمر طقوس هذا العام بسلام وهدوء، خاصة وأنهم حرموا من ممارسة شعائرهم الدينية والاجتماعية المعتادة لعامين متتاليين بسبب كثافة العمليات العسكرية.

بين الركام والأنقاض، يزهر رمضان في غزة من جديد، مبرهناً أن عمق الجرح وحجم الدمار لا يمكنهما إطفاء قناديل الفرح في قلوب الفلسطينيين. إنها حكاية شعب يصر على صناعة لحظات فرح عابرة لترميم معنوياته، متمسكاً بمقولة أن في هذه الأرض ما يستحق الحياة، رغم كل محاولات الطمس والتهجير.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:55 صباحًا - بتوقيت القدس

يوم التشويش بالداخل .. صرخة مدوية لوقف تواطؤ الشرطة مع الجريمة

د.إمطاس شحادة: ‫الاحتجاج ليس مجرد غضب بل فعل تمكين للمجتمع ورسالة رفض للخضوع والخوف

أمير مخول: ‫نحتاج للعمل الجماعي المنظّم إلى جانب المبادرات الشعبية فهما معاً يشكلان قوة التغيير

سوسن سرور: ‫ما يجري لم يعد يُختزل في أرقام بل في معاناة حقيقية خاصة لدى العائلات الثكلى

د.ثائر أبو راس: ‫المجتمع الفلسطيني في الداخل استفاق وقال: كفى نريد حلاً لسرطان العنف والجريمة

وديع عواودة: ‫هناك محاولات لإغراقنا في البحث عن الأمان بدلاً من الانشغال بالقضية الجوهرية

وديع أبو نصار: ‫الاحتجاج مهم لكنه لا يكفي دون تعزيز التربية والتوعية للحد من جرائم العنف والجريمة

خاص بـ القدس

يحمل يوم التشويش القطري الذي دعت إليه عائلات ضحايا جرائم القتل في أراضي عام ٤٨ يوم الثلاثاء الماضي، تطوراً إضافياً على مسار الاحتجاجات الشعبية ضد تصاعد الجريمة والعنف بالتوازي مع الإهمال الرسمي من الحكومة الإسرائيلية.

وبحسب كتاب ومحللين ومختصين في أحاديثٍ منفصلة مع "ے" فإن الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي عام ٤٨ مجرد ظاهرة اجتماعية مقلقة أو أرقام تتصدر العناوين، بل تحوّلت إلى أزمةٍ وجودية تهدد الأمن الشخصي، والاستقرار الاقتصادي، وتماسك النسيج الاجتماعي برمّته. في ظل تصاعد غير مسبوق في أعداد الضحايا، واتساع رقعة العنف، يتعاظم شعور عام بأن المجتمع يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستسلام لواقع الدم والخوف، أو الانتقال إلى فعل جماعي منظم يفرض تغييراً حقيقياً.

في هذا السياق، برزت الاحتجاجات الشعبية بوصفها لحظة فارقة في مسار المواجهة؛ ليس فقط كصرخة غضب، بل كخطوة عملية تهدف إلى نقل القضية من هامش المعاناة إلى مركز الفعل؛ فقد حملت هذه التحركات رسالة مزدوجة: ضغط مباشر على الحكومة الإسرائيلية لتحمل مسؤولياتها، ورسالة داخلية تؤكد أن المجتمع لم يعد مستعدًا للصمت أو التعايش مع واقع الجريمة المفروض عليه.

وتشير التحليلات إلى اتساع دائرة الاتهام لتطال المؤسسة الحاكمة وأجهزة إنفاذ القانون، وسط اتهامات بالتقصير المتعمّد، بل وبالتواطؤ، في ظل فجوات صارخة في التعامل مع الجريمة بين المجتمعين العربي واليهودي. وبينما تتزايد الدعوات للاحتجاج والتصعيد وصولًا إلى العصيان المدني، يتبلور حراك شعبي واسع تقوده عائلات الضحايا وشرائح مدنية مختلفة، في محاولة لانتزاع الأمان وفرض تغيير في السياسات.



الجريمة السياسية.. أداة تفتيت المجتمع


يرى مدير برامج دراسات اسرائيل – مدى الكرمل د.إمطانس شحادة أن ظاهرة الجريمة والعنف في الداخل برزت بشكل واضح خلال السنوات العشرة الأخيرة داخل المجتمع العربي، في ظل رعاية وتواطؤ من المؤسسة الحاكمة، ولا سيما الشرطة.

ويشير إلى وجود مصالح مشتركة بين عصابات الإجرام وبعض الجهات الرسمية، هدفها تفتيت المجتمع العربي وإضعافه وبث الخوف في صفوفه.

ويضيف شحادة أن جزءًا من هذه النتائج يدفع إلى الهجرة، إذ إن نسبة لا بأس بها من أبناء الطبقة الوسطى، من شباب ومثقفين ومعلمين، باتوا يرون أن الوضع الأمني الشخصي لم يعد محتملا، كما أن تطوير الاقتصاد أصبح صعبا في ظل انتشار "الخاوة" وسيطرة عصابات الإجرام، بما يشكل خطرًا مباشرًا على الحياة والاستقرار.

ويؤكد شحادة أن هذه الظاهرة تُعد شكلًا من أشكال العقاب الموجه ضد المجتمع العربي، وجزءًا مما يمكن وصفه بالإبادة الاجتماعية والاقتصادية. فبينما يتعرض الشعب الفلسطيني في غزة لحرب إبادة، وتشهد الضفة الغربية احتلالاً متواصلاً وتوسيعاً للاستيطان واقتحامات واعتداءات من المستوطنين، يواجه الفلسطينيون في الداخل إرهاب عصابات الإجرام.

ويشدد شحادة على أن العنوان المركزي للمسؤولية هو الشرطة، التي يجب أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، مؤكدا أنه من دون قرار سياسي واضح لا يمكن معالجة ظاهرتي الجريمة والعنف بجدية.


الاحتجاج كفعل تمكين لا مجرد صرخة غضب


ويضيف شحادة أن الاحتجاجات تمثل جزءًا من تمكين المجتمع، وهي صرخة غضب تعبّر عن رفض هذه الظاهرة. ويقول أنها تهدف أولًا إلى التأثير على المؤسسة الحاكمة من خلال المظاهرات والإضرابات، بما قد يدفعها إلى الخشية من تراكم عمل سياسي منظم، وثانياً إلى توجيه رسالة داخلية للمجتمع العربي بضرورة الابتعاد عن هذا المسار، ونبذ الانخراط فيه، وعدم الخضوع للخوف من عصابات العنف والجريمة.

ويؤكد شحادة على أن الظاهرة مقلقة وخطيرة جدًا، وتهدد تماسك المجتمع العربي في الداخل، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي، ما يستدعي ردة فعل جماعية من مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني في الداخل، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني، ولجنة المتابعة، والنقابات، للتصدي لهذه الظاهرة المتفاقمة.


نقلة نوعية في مسار النضال


يقول المختص بالشان الاسرائيلي أمير مخول أن يوم التشويش القطري يُعد فعليا خطوة مباركة وضرورية.

ويضيف أن هناك، دور للمنظّمين والمنظمات، فيما تبرز أهمية مشاركة أوساط جديدة، مثل الأطباء والجامعات، وهو ما يشير إلى آفاق أوسع للعمل المستقبلي، حيث أكد أن هذا العمل تراكمي، إذ لا يمكن، بنَفَسٍ قصير، القضاء على الجريمة المنظمة أو فرض تغيير السياسات على الدولة.

ويشير مخول إلى أن هناك نضال واسع تقوده لجنة المتابعة والحركة السياسية عموما، حيث يقصد لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل، بوصفها الإطار الكياني لهذا المجتمع، والتي تتابع هذا الملف منذ سنوات طويلة وتسعى إلى تغيير السياسات أو فرض تغييرها.

ويؤكد مخول ان التشويش يُشكل نقلة نوعية، كما حدث قبل أيام في مسيرة التشويش باتجاه القدس ومكتب رئيس الحكومة نتنياهو.

حيث يقول: "إن الحراك الذي شهدناه مؤخرا نقف إلى جانبه وندعمه. فجماهير شعبنا في الداخل تحتاج إلى الأمرين معا: العمل الجماعي المنظّم، والمبادرات الشعبي".


عصيانٌ شعبي يتصاعد


ويعتقد مخول ان هناك مئات المبادرات الشعبية في كل بلدة، وكل تجمع سكاني، وكل مدينة، تقوم بدور هائل حقا، وهي التي، إلى جانب لجنة المتابعة، حافظت على جذوة النضال طوال السنوات الماضية. وقد جاءت هذه الانطلاقة الأخيرة أيضا بعد العمل العصِيان النوعي الذي قام به أصحاب المحال التجارية في سخنين، وعلى رأسهم السيد علي الزبدات قبل نحو أسبوعين، وهو ما حرّك الشارع وأطلق عملية تضامن شعبي واسعة، وليس مجرد تضامن أو تبنٍّ سياسي.

ويضيف قائلاً: "نشهد اليوم تحولًا كبيرا في هذا السياق، باتجاه أشكال متعددة من العصيان ضد السياسات، وصولًا إلى تغييرها. ومع ذلك، لا نتوقع من الحكومة الإسرائيلية أن تغير سياساتها، فهي أصلًا غير معنية بذلك، لأن الجريمة جزء من سياستها وليست خارجها. فهناك وظيفة سياسية لمنظومة الجريمة، تتمثل في الإبقاء على حكم اليمين، وإضعاف المجتمع، وضرب تماسك المجتمع الفلسطيني من الداخل، وهي سياسة تُطبَّق لتخريب المجتمع الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وليس في الداخل فقط".


أهمية الاحتجاج لتغيير السياسات


ويضيف مخول: "قبل أيام، سمعنا عن فضيحة تهريب بضائع إلى غزة بمشاركة شقيق رئيس جهاز الشاباك، لكن الأخطر من ذلك هو تدفّق عشرات آلاف الحبوب المخدّرة الخطيرة التي تُستخدم لتخريب المجتمع الفلسطيني أينما كان، بهدف تقويضه، وتسهيل سياسات التهجير والتطهير العرقي، وإبعاده عن السياسة والعمل.

ويرى مخول ان ملف الجريمة يشكّل أولوية قصوى، مع الحاجة إلى العمل الجماعي المنظم، والعمل العفوي، مع أهمية الاحتجاج على كل حادثة تقع في أي بلدة، فضلًا عن دعم وتعزيز العمل الشعبي والمبادرات الشعبية، مع تأكيده أن كل هذه المسارات تلتقي في مسيرة واحدة، هي مسيرة النضال الشعبي لتغيير السياسات، وهذا هو الأساس.

ويوضح مخول انه من الطبيعي، باعتبار الشعب الفلسطيني داخل أراضي عام ٤٨ مجموعة قومية في أرضها ووطنها، أن يكون له كينوناته، وأن تصب كل الفعاليات في دعم هذا الأساس، وأن تقود الجماهير العربية الفلسطينية هذا النضال، سواء على المستوى القطري، أو من خلال لجنة المتابعة، أو عبر الهيئات الشعبية والمبادرات المختلفة، وأن تكون هي من يحدّد مصيرها.

ويؤكد أهمية تنظيم عائلات الضحايا وانخراطها بالفعاليات، وقد ظهر ذلك جليا في أعمال التشويش الأخيرة، إذ يمثل هذا التنظيم صوتا أخلاقيا يضيف بُعدا أخلاقيا مهما إلى العمل السياسي. لذلك، نحن بحاجة إلى التكامل بين جميع هذه الجهود.

ويوضح مخول أن الشعب الفلسطيني بالداخل المحتل يواجه فاشية إسرائيلية حقيقية، ويحتاج إلى دعم كل القوى المعنية، بما في ذلك القوى اليهودية التقدمية، ليس من باب الشفقة أو المجاملة، بل من أجل مواجهة الفاشية وفرض تغيير السياسات على الحكومة الإسرائيلية.


أرقام تكسر المقاييس ودموية تتصاعد


بدورها، تتساءل الصحافية والناقدة للمشهد السياسي في إسرائيل سوسن سرور كم أصبح عدد ضحايا الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل؟! هذا السؤال الذي بات يسأله كل صحافي من فلسطينيي الداخل صبيحة كل يوم!

وتقول: "حتى الان وصل عدد الضحايا من العرب الفلسطينيين في إسرائيل، ٤٥ قتيلًا، منذ مطلع هذا العام، في حين أن عدد الضحايا كان في ذات الوقت من السنة الماضية ٣١ ضحية، علمًا أن السنة الماضية كانت مثقلة بدماء الضحايا وأثقال الجريمة المستفحلة، وبلغت مستوى غير مسبوق".

وأوضحت قائلة: " ٢٥٢ ضحية رقم ثقيل يكسر الرقم القياسي السابق المسجل عام ٢٠٢٣ ب ٢٤٤ ضحية، ليسجل عام ٢٠٢٥ كالأكثر دموية في تاريخ المجتمع الفلسطيني داخل أراضي الـ ٤٨، ونحن لا زلنا في منتصف الشهر الثاني من هذا العام، فبكم ستقفل قائمة الضحايا؟!"

وتضيف سرور فقط للمقارنة، قُتل ٦٦ يهوديًا في العام ٢٠٢٤، و٣٨ يهوديًا في العام ٢٠٢٣، علمًا أن عدد اليهود في إسرائيل حوالي أربعة أضعاف العرب.


الشرطة الإسرائيلية تتقاعس بمواجهة الجريمة


وتؤكد سرور انه بحسب المعطيات، فإن الشرطة الإسرائيلية تفكك رموز ٦٥% من جرائم القتل في المجتمع اليهودي، في حين لا تتعدى هذه النسبة ٢٠% في المجتمع العربي، جميعها معطيات، تلقي بظلالها القاسية والوخيمة على واقع ووجود الفلسطيني في البلاد.

وترى سرور ان تقاعس الشرطة الإسرائيلية في مواجهة تصاعد الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل متعمد، ويتحمل مسؤوليته رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي لا يتحدث أبداً تقريبًا عن ظاهرة الجريمة في المجتمع الفلسطيني، لكنه تطرق إليها، قبل أيام، من خلال مدح وزير الشرطة إيتمار بن جفير في أعقاب الحملة الشرطية التي نفذها في قرية ترابين الصانع في النقب ومقتل المواطن محمد حسين الترابين برصاص شرطي.

وتشير الى انه وفقًا لمعطيات نشرها مركز طاوب لدراسة السياسات الاجتماعية في "إسرائيل"، فإنه حتى العام ٢٠١٥ كانت نسبة جرائم القتل في المجتمع العربي وفي المجتمع اليهودي ٤ قتلى عرب مقابل قتيل يهودي واحد، وارتفعت هذه النسبة في العام ٢٠٢٣ إلى ١٣ قتيلًا عربيًا مقابل قتيل يهودي واحد، وارتفعت في العام ٢٠٢٤ إلى ١٤ قتيلًا عربيًا مقابل قتيل يهودي واحد. فهل بعد هذه الأرقام، سيبقى الصمت سيد الموقف لدى الفلسطينيين في إسرائيل؟ والإجابة بالطبع كلا، وهذا ما كان فعلًا.

وتقول سرور لأن الخطاب العام لدى الفلسطينيين في "إسرائيل" أخذ بالآونة الأخيرة منحى لافتًا في التعامل مع الجريمة، فلم يعد يتركز على عدد القتلى، ولم تعد الجريمة تُختزل في رقم يومي أو حصيلة سنوية فقط، فقد أخذت العائلات الثكلى والمتضررة، والهيئات المدنية، والناشطون حراكًا إجتماعيًا لافتًا، وتقوم بدور لافت وبارز ومتقدم عن المؤسسات الرسمية والقيادات المنتخبة، وهو ما أحدث تطورًا مرحليًا هامًا في التعامل مع الجريمة، لا سيما اذا ما أتيحت الفرص والمجالات والقدرات لها وللحراك الاجتماعي في العثورعلى طوق النجاة.

وتتابع سرور فمن صرخة وجع وألم رجل الأعمال أبو إبراهيم علي زبيدات التي ولدت هبة الكرامة ورفض الأتاوة في سخنين، إلى التظاهرات او الفعاليات شبه اليومية المنددة بتفشي الجريمة وانصياع القيادات الرسمية لهذه الضغوطات والرضوخ لطلب توحيد الأحزاب العربية وعدم استمرار التشظي بينها وإعادة تشكيل القائمة المشتركة من أجل الهدف الأسمى بحماية الناس، وهي خطوة، على ما يبدو، كانت ضرورية، ولم تترك لأي معارض أية فرصة للرفض.


مشاركة العائلات الثكلى ترجمة لأوجاع الجريمة

ونؤكد سرور أن الحقيقة التي لا خلاف عليها، هي خطوات اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، ولجنة المتابعة للجماهير العربية في "إسرائيل"، ضد الجريمة والعنف التي أثبتت عدم جدواها بمعزل عن الحراك الاجتماعي، الذي تقوده آهات وأوجاع العائلات الثكلى وأيتام الجريمة، والمصابون جسديًا ونفسيًا واقتصاديًا، والذين من شأنهم أن يترجموا خسائر الجريمة ليس فقط بالأرقام وإنما بالأوجاع والمعاناة الحقيقية.

وترى سرور أن أيام التشويش التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي، هامة، لكنها استقطبت شريحة هشة جدا من جميع أنحاء البلاد، لا تتعدى بضعة آلاف، حيث نجح هذا النشاط باستقطاب بعض وسائل الاعلام العبرية، بعد أن اقتصر سابقًا وانحصرت التغطية في الاعلام العربي.

ووصفت ذلك بقولها: "إن الشعور والواقع يؤكدان أن ما كان من فعاليات مجرد سحابة صيف ومرت".

وتوضح سرور ضرورة استمرار الحراك الاجتماعي المدني اللا حزبي وتصعيده حتى يبقى تأثيره ملحوظاً ومؤثرًا سواءً على المواطن العادي أو متخذي القرارات في الحكومة الإسرائيلية.


حالة طوارئ قبل الإضراب العام

وتعتبر سرور أن قرار لجنة المتابعة الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام تنديداً بتفشي الجريمة، وهي خطوة مباركة، "لكن إلى أن يحين موعد هذا الإضراب (المفترض بدءه بعد شهرين من الآن)، يجب الإعلان عن حالة طوارئ بشكل فوري، مع الإستمرار في تنظيم وتنفيذ تشويشات ومظاهرات وفعاليات وحدوية إن لم تكن يومية فأسبوعية وصولًا للعصيان المدني، إذا اقتضى الأمر، وذلك من أجل إنجاح النضال وعدم إضاعة البوصلة التي أشارت منذ زمن وتشير دائمًا إلى الحلول الجذرية التي يجب أن تنطلق من الحكومة الإسرائيلية أولًا" على حد قولها.



ذروة حراك لم يشهده الداخل منذ ٢٥ عاماً


يرى المحلل السياسي د. ثائر أبو راس أن يوم التشويش القطري يُعد ذروة لفعاليات عدة ومتنوعة في الداخل خلال الأسبوعين الأخيرين، وهذه هي النقطة المركزية برأيي.

ويضيف: "نحن أمام ذروة عمل سياسي أو نشاط جماهيري سياسي لم نشهده منذ ما لا يقل عن 25 عامًا في الداخل الفلسطيني. هناك شعور عام بأن المجتمع قد استفاق وقال: كفى، نريد حلًا لسرطان العنف والجريمة الذي يتفشى داخل المجتمع منذ سنوات طويلة".

ويؤكد ابو راس أنه في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وصلت المعطيات إلى أرقام لم يعد بإمكان الإنسان تقبّلها؛ فقد شهدت الفترة بين عامين 2022 و2023 نسبة تزيد على 200% من ضحايا القتل، ومنذ عام 2023 وحتى اليوم هناك ارتفاع متواصل وكبير في عدد الضحايا. وحتى في عام 2026، وخلال الشهر الأول أو الشهر والنصف الأول، وصلت أعداد القتلى وحوادث إطلاق النار إلى مستويات غير معقولة.


الأكثر عنفاً في العالم


ويشير أبو راس إلى أن لو كان المجتمع العربي في الداخل دولة مستقلة، لكانت من بين أكثر الدول عنفًا في العالم، بل أكثر من دول لديها سمعة سيئة في هذا المجال مثل كولومبيا أو المكسيك، على سبيل المثال.

ويرى أبو راس أن مجرد هذا التنظيم الجماهيري يُعد الحدث الأبرز، وما ساعده على النجاح أنه، وللمرة الأولى، لم يخرج من القيادات ولم يفرض من النخب السياسية على المجتمع، بل خرج من رحم المجتمع العربي نفسه؛ فالذين بادروا عمليًا إلى الإضراب الأول، ثم إلى مظاهرة سخنين التي كانت الأكبر في تاريخ الجماهير العربية، كانوا فعليًا من طبقة التجار في سخنين، الذين خرجوا احتجاجا على ظاهرة "الخاوة" في المجتمع العربي، وعلى عدم قدرة الدولة أو عدم رغبتها، وكذلك الشرطة الإسرائيلية، في التعامل مع هذه الظاهرة.



عام انتخابي يغير القواعد


وتساءل ابو راس: هل ستكون هناك استمرارية لهذا الزخم؟ وهل سيتم استغلاله لفرض بلورة خطة عمل حقيقية على الحكومة الإسرائيلية للتعامل مع هذا الموضوع، خاصة أننا في سنة انتخابات، وهو المتغير الأهم؟

ويقول ابو راس: "كوننا في سنة انتخابات يعني أن هناك آذانا صاغية لدى الحكومة الإسرائيلية والنخبة السياسية الإسرائيلية، ما قد يتيح إمكانية القيام بخطوة ما في نهاية المطاف".

كما ويشير إلى أن الحكومة الاسرائيلية غير معنية بخروج الجماهير العربية للتصويت في الانتخابات القادمة، وهي تعلم أن موضوع العنف يستفزّ هذه الجماهير، وقد يشكل حافزا لها للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وربما هذا ما قد يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى الشعور بضرورة القيام بشيء ما، لعل الجماهير العربية لا تستخدم هذا الملف ضدها في الانتخابات المقبلة.


خطر استراتيجي يتطلب ردًا استراتيجياً

يقول المختص بالشأن الاسرائيلي وديع عواودة أن الشعب الفلسطيني بالداخل المحتل أمام خطر استراتيجي، وبالتالي فإن رد الفعل يجب أن يكون استراتيجيا من قبل العرب الفلسطينيين في "إسرائيل".

ويؤكد عواودة على ضرورة إعداد برنامج عمل، وخطة مثابرة، ونَفَس طويل، والبحث عن شركاء وحلفاء في الجانب اليهودي.


حكومة متواطئة تشعل البيت من الداخل

ويضيف عواودة: "نحن أمام حكومة بليدة الإحساس، متواطئة بشكل فاضح وسافر مع عصابات الإجرام ضدنا، في محاولة لإشعال البيت من الداخل، وإشغالنا عن الموضوع السياسي الجوهري، سواء كان المحلي أو القضية الفلسطينية المرتبطة بشعبنا، وإغراقنا في قضايا البحث عن الأمان والاطمئنان، وهو الحق الأساسي والأولي لكل مواطن ولكل إنسا".

ويشدد عواودة على الحاجة إلى الضغط والاستمرار في الاحتجاج. فالمجتمع العربي الفلسطيني في "إسرائيل" يقف أمام تحدٍّ استراتيجي كبير يهدد كل ما تم إنجازه مسبقاً، والذي يهدد الماضي والحاضر والمستقبل الفلسطيني.


تهجير صامت عبر نشر اليأس

ويوضح عواودة بوصفه: "يهدد ماضينا لأنه يبدد ما حققناه من صمود وتطور وحفاظ على الهوية وجذوتها؛ ويفسد حاضرنا لأنه يشغلنا بقضايا جانبية كان يفترض ألا تطغى على أولوياتنا، ويُبعدنا عن القضايا الأساسية والجوهرية؛ ويهدد مستقبلنا لأنه يفتح باب الهجرة، وربما يكون ذلك هو الهدف المقصود، أي دفع الشباب إلى اليأس والهجرة من هنا".

ويضيف عواودة أن هذا جزء من تصور هذه الحكومة لحسم الصراع مع الفلسطينيين عبر التهجير، بما في ذلك التهجير الصامت، من خلال نشر اليأس والتيئيس وما إلى ذلك.

ويؤكد عواودة أن الردّ، يجب أن يكون نَفَسا طويلًا، ومثابرة، ومشاركة واسعة، ووحدة صف، انطلاقًا من مبدأ أن ما يحدث اليوم عند جاري قد يحدث غدا في بيتي. ومن يعتقد أنه سيكون بمنأى عن هذه الأوضاع، ولا يتدخل أو يشارك في الاحتجاج، فهو مخطئ.

وختم عواودة بقوله: "للأسف الفعاليات السياسية والأهلية وقدراتها في التعبئة والتحشيد والتعامل مع هذا الملف تحتاج إلى الكثير من الدعم والكثير من الإصلاح. فالخطاب أصبح متكلسا، واللغة التعبوية ضعيفة، ولا توجد خطة عمل واضحة أو رؤية متكاملة. بل إنني أشك في وجود برنامج عمل ورؤية واضحة لدى القيادات، نتيجة التقادم، والفساد السياسي، وتراجع العمل السياسي، إلى غير ذلك".


لا مبالاة رسمية تغذي الجريمة

من جانبه يؤكد المحلل السياسي وديع أبو نصار أن تفاقم الجريمة داخل المجتمع العربي في الداخل أمر خطير ومثير للغضب، ويبعث على قلق كبير، إذ لم يعد هناك مكان آمن، ولا شعور بأن الأوضاع تتجه نحو التحسن، بل على العكس هناك إحساس بتراجع مستمر.

ويشير إلى أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة، ولا سيما الحكومة الإسرائيلية، التي تبدو وكأنها ليست صامتة فحسب، بل تتعامل بقدر من اللامبالاة، وكأنها تغذي الجريمة بدلا من مكافحتها بشكل جدي وفعال.

ويضيف أبو نصار أنه رغم إسهام الغالبية من أبناء مجتمعنا في الاحتجاج على الجريمة المتفشية بوسائل متعددة، فإن الحكومة ومؤسسات الدولة ما زالت تتجاهل هذه التحركات، ولا تقوم بدورها في محاربة الجريمة كما تفعل في المجتمع اليهودي.


تعزيز المنظومة التربوية يحد من تفشي الجريمة

وفي المقابل، يشدد أبو نصار على ضرورة عدم إغفال وجود خلل تربوي لدى بعض أفراد المجتمع، فمع الإقرار بتقصير الدولة، لا بد من التنبه إلى أن المواطنين العرب عانوا من تمييز عنصري منذ قيام الدولة، وقد تفاقم هذا التمييز بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة.

ويؤكد أبو نصار أن المطلوب لا يقتصر على الاحتجاج، رغم أهميته، بل يتعداه إلى تعزيز التربية والتوعية بدءًا من الأسرة والمدرسة، بما يسهم في الحد من تفشي الجريمة داخل المجتمع.

ويرى أبو نصار أن الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة، خاصة في ظل الحكومة اليمينية التي لا تستجيب للإضرابات والمظاهرات والمطالبات، مشيراً إلى أهمية السعي لتدويل القضية عبر حث جهات دولية مؤثرة، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية ويهود المهجر، للضغط على الحكومة الإسرائيلية كي تتحمل مسؤولياتها في هذا الشأن.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:54 صباحًا - بتوقيت القدس

ما وراء خطاب التقشف: هل انتهت حلول الأرض أم انتهى زمن التبعية؟


بقلم: الدكتور سعيد صبري
 مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية

عندما يعلن صانع القرار الاقتصادي عن تبنّي سياسة “التقشف”، فإن ذلك لا يكون مجرد إجراء مالي لضبط الموازنة العامة، بل تعبير عن لحظة ضيق حقيقية في هامش المناورة. في الحالة الفلسطينية، يتجاوز خطاب التقشف كونه سياسة مالية إلى كونه إقرارًا ضمنيًا بانسداد أدوات القرار الاقتصادي على الأرض. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:
 هل انتهت حلول الأرض فعلًا، أم أن ما انتهى هو زمن التبعية الاقتصادية؟هذا السؤال ليس استعارة لغوية، بل توصيف دقيق لحالة انسداد هيكلي طويل الأمد، كبّل الاقتصاد الفلسطيني لعقود، وحوّله من اقتصاد يسعى للتنمية إلى اقتصاد منشغل بإدارة البقاء تحت وطأة أزمات مالية، نقدية، وسيادية متراكبة.

تشريح الأزمة: عندما تفضح الأرقام حدود النموذج

لا يمكن فهم التقشف الفلسطيني دون العودة إلى لغة الأرقام، لا بوصفها بيانات جامدة، بل باعتبارها مؤشرات على اختلال بنيوي عميق. فالدين العام الفلسطيني يُقدَّر اليوم بنحو 15 مليار دولار، تشمل التزامات مباشرة، ومتأخرات للقطاع الخاص، وديونًا بنكية، والتزامات هيئة التقاعد. وعند مقارنته بالناتج المحلي الإجمالي، الذي يتراوح فعليًا بين 13 و14 مليار دولار بعد سنوات من الانكماش، نجد أن الدين العام تجاوز 100% من حجم الاقتصاد الوطني.في أي اقتصاد طبيعي، تُعد هذه النسبة إنذارًا أحمر. أما في اقتصاد يفتقر إلى السيادة النقدية، ولا يمتلك عملة وطنية، ولا يسيطر على معابره أو موارده، فإنها تمثل دخولًا في مرحلة الاستنزاف الكامل للقدرة المالية.

الأخطر من حجم الدين هو كلفة خدمته. إذ تلتهم خدمة الدين العام ما بين 250 و300 مليون شيكل شهريًا، أي ما يعادل 60–75% من الإيرادات المحلية المتاحة في بعض الأشهر، قبل أن يصل الإنفاق إلى الرواتب أو الخدمات أو الاستثمار. هكذا يتحول النقاش المالي من “كيف نوجّه الموارد؟” إلى “كيف نُبقي السيولة حيّة؟”.

وعندما تُضاف إلى ذلك فاتورة رواتب تقترب من 900 مليون إلى مليار شيكل شهريًا لقرابة 150 ألف موظف ومتقاعد وأشباه رواتب، تصبح الموازنة العامة محكومة بمعادلة صفرية، حيث يختفي الاستثمار من الحسابات، لا كخيار، بل كضحية حتمية.

ارتهان النظام المصرفي: السيولة المشلولة وفخ البنوك المراسلة

يتجلى عمق الأزمة أيضًا في وضع الجهاز المصرفي الفلسطيني، الذي يفترض أن يكون محركًا للنمو، فإذا به يتحول إلى ضحية للاختناق النقدي. فانتظار “التمديد” السنوي لعلاقات البنوك المراسلة مع الجانب الإسرائيلي لم يعد مسألة تقنية، بل أصبح أداة ضغط بنيوية تهدد الاستقرار المالي برمته.

رفض استقبال فائض الشيكل النقدي ليس إجراءً مصرفيًا عاديًا، بل سياسة خنق تُعطّل وظيفة السيولة نفسها. إذ تجد البنوك المحلية نفسها غارقة في سيولة ورقية لا يمكن تصريفها خارجيًا ولا توظيفها داخليًا، ما يحدّ من قدرتها على الإقراض الإنتاجي، ويزيد من هشاشة المالية العامة، ويعمّق أزمة القطاع الخاص.

هنا، تفقد “حلول الأرض” التقليدية فعاليتها. فالمصارف بلا أدوات، والحكومة بلا سيادة، والاقتصاد بلا محركات نمو.

لماذا توقفت حلول الأرض؟

في الدول ذات السيادة، تمتلك الحكومات ثلاث أدوات أساسية: السياسة النقدية، السياسة المالية، والسيطرة على التجارة. في الحالة الفلسطينية، هذه الأدوات إما معطّلة أو مقيدة قسرًا. وبما أن الاقتصاد يعتمد بنسبة تفوق 70% على الاستهلاك المحلي المرتبط بالإنفاق العام، فإن أي خفض في الرواتب أو النفقات يتحول تلقائيًا إلى انكماش ذاتي.

خفض الرواتب يقلص القوة الشرائية، فيضعف الطلب، ويضرب القطاع الخاص، فتتراجع الإيرادات الضريبية، وتعود الحكومة إلى نقطة عجز أعمق. إنها حلقة مغلقة لا تكسرها إجراءات تقشفية تقليدية، بل تزيدها حدة.

من إدارة العجز إلى إعادة تصميم النموذج

إذا كانت حلول الأرض قد استُنفدت ضمن النموذج القائم، فإن البديل لا يكمن في البحث عن أدوات تقليدية إضافية، بل في إعادة تصميم النموذج الاقتصادي نفسه. وهذا يتطلب الانتقال من منطق “إدارة العجز” إلى منطق “بناء القدرة”.

أولًا، التقشف المنتج: أي تقشف لا يستهدف الاستثمار ولا يخنق القطاعات القادرة على النمو، بل يركز على خفض الهدر، وإعادة ترتيب الأولويات، وربط كل إنفاق عام بأثر اقتصادي قابل للقياس.

ثانيًا، السيادة الرقمية كمسار تراكمي: ليس بوصفها حلًا فوريًا، بل كمسار تدريجي لفك الارتباط بالقيود الفيزيائية للنقد. منظومة دفع رقمية وطنية متكاملة يمكن أن تمنح الاقتصاد مرونة أعلى في إدارة السيولة، وتخفف من الابتزاز المرتبط بتداول النقد الورقي، دون الادعاء بإلغاء القيود السياسية دفعة واحدة.

ثالثًا، تحويل المساعدات إلى أدوات تخفيف مخاطر، بما يفتح الباب أمام استثمارات الشتات في قطاعات استراتيجية كالأمن الغذائي والطاقة المتجددة، ويقلل من فاتورة الاستيراد، وهي أكبر مصدر للتسرب المالي خارج الاقتصاد.

الخلاصة: نهاية التبعية أم بداية التحول؟

خطاب التقشف ليس نهاية الطريق، بل جرس إنذار أخير. السؤال الحقيقي لم يعد: كم سنخفض من الإنفاق؟ بل: كيف نعيد بناء القدرة على الإنتاج في اقتصاد تجاوز دينه حجم ناتجه؟

ربما ضاقت حلول الأرض المرتبطة بنموذج التبعية، لكن مساحات الابتكار، والرقمنة، وإعادة تعريف الأدوات الاقتصادية لا تزال مفتوحة. التحدي الحقيقي ليس في نقص الأفكار، بل في امتلاك الإرادة للانتقال من إدارة الأزمة بوصفها قدرًا دائمًا، إلى كسر النموذج الذي أنتجها.

لسنا بحاجة إلى تقشف فقط، بل إلى استعادة القدرة على التخطيط، وصناعة الأفق، قبل أن يتحول التقشف من أداة إنقاذ إلى نمط حياة دائم.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

السلطة بين الانكماش وخطر التفكك .. ما العمل لإعادة تعريف المشروع الوطني؟

لم تعد الأزمة الفلسطينية تُختزل في اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، ولا في انحياز إدارة أميركية هنا أو تراجع موقف أوروبي هناك. نحن أمام طور تاريخي يتجاوز الدبلوماسية والسياسات اليومية، إلى سؤال معنى ووظيفة: ماذا تبقّى من المشروع الوطني حين تنكمش السلطة التي وُلدت بوصفها إطارًا انتقاليًا نحو الدولة، لتجد نفسها اليوم أقرب إلى جهاز إدارة سكان تحت الاحتلال، إن لم يكن في سياق خطته ذاتها؟

ففي ظل تسارع الضم الزاحف في الضفة الغربية وتهويد القدس، واستمرار الحصار وعرقلة إعادة إعمار غزة، وتلاشي أي أفق سياسي في عهد إدارة ترامب، واكتفاء المجتمع الدولي بخطاب “حل الدولتين” دون أدوات إلزام، لم يعد التحدي فلسطينيًا خارجيًا فقط. الخطر الأعمق هو التحول التدريجي من سلطة يفترض أنها مؤقتة إلى واقع إداري دائم، منزوع السيادة والأفق. التآكل هنا لا يأتي في صورة انهيار مدوٍّ، بل في شكل اعتياد بطيء على الانكماش.

السيناريو الأقرب في المدى المنظور هو بقاء شكلي للسلطة، ومزيد من التضييق المالي والسياسي، وتسارع التوسع في الوقائع الاستيطانية، وتراجع متراكم في الثقة الشعبية. لكنه ليس مسارًا قدريًا بالكامل. حتى في سياق التآكل، يظل السؤال: هل تُعاد تعريف وظيفة السلطة أم تُدار الأزمة بالحد الأدنى؟

إعادة التعريف تعني تحويل السلطة من جهاز خدمات إلى أداة صمود مجتمعي؛ من إدارة الرواتب إلى حماية الأرض؛ من انتظار التحول الخارجي إلى الاستثمار في الداخل. تعني إعادة توجيه الموارد نحو دعم القطاعات الإنتاجية، وتحصين القدس والمناطق المهددة، وتعزيز الاقتصاد المحلي المقاوم، وفتح الفضاء العام أمام مشاركة سياسية حقيقية تستعيد الثقة. الإصلاح بمضمونه الوطني هنا ليس مطلبًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء سياسي. فسلطة بلا شرعية مجتمعية تصبح أكثر هشاشة أمام أي ضغط خارجي.

غير أن التآكل قد ينزلق إلى تفكك وظيفي أو انهيار غير منظم، تحت ضغط مالي–أمني متراكم. هنا لا تعود المسألة إدارة انكماش، بل مواجهة فراغ. والفراغ في السياق الفلسطيني ليس مساحة حيادية، بل إنه دعوة مفتوحة لترتيبات خارجية، أو لفوضى داخلية، أو لإعادة تشكيل وهندسة قسرية للنظام السياسي. لذلك فإن التفكير في إطار وطني احتياطي "شبكة توافق عريضة من قوى سياسية ومجتمعية قادرة على إدارة انتقال منظم" ليس عملًا انقلابياً، بل إجراءً وقائيًا يحمي  المجتمع من أن يتحول الانهيار إلى تصفية.

في المقابل، يظل احتمال إعادة التأسيس قائمًا، وإن بدا الأقل تلقائيًا. هذا المسار لا يتحقق سوى بإعادة بناء التمثيل الوطني على أسس ديمقراطية شاملة، وإعادة تحديد العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة، وصياغة عقد سياسي يعرّف وظيفة السلطة بوصفها أداة خاضعة للمشروع الوطني لا بديلًا عنه. جوهر التحول هو نقل مركز الثقل من الرهان على الخارج إلى استعادة الشرعية من الداخل، بحيث يصبح المجتمع نفسه رافعة ضغط لإعادة تعريف الاتجاه.

في هذا السياق، تبرز الدعوة لانتخابات المجلس الوطني أو إشغال الناس بمسودة دستور. من حيث المبدأ، تجديد الشرعية التمثيلية وصياغة عقد دستوري جديد يمثلان استحقاقين وطنيين لا يمكن إنكارهما. لكن قيمة أي عملية انتخابية أو دستورية لا تُقاس بإعلانها، بل بشروطها السياسية. انتخابات تجري في ظل انقسام جغرافي وسياسي عميق، ودون اتفاق مسبق على برنامج وطني جامع، قد تتحول إلى إعادة إنتاج لموازين قوى قائمة، أو إلى آلية لإدارة الأزمة لا حلّها. ونقاش دستوري في غياب سيادة فعلية، وتآكل مستمر للحيز الجغرافي، لا يتجاوز كونه تعويضًا وهميًا عن عجز ميداني، أو إعادة ترتيب داخل النظام دون مساس بجوهر المأزق.

ليست المشكلة في الانتخابات أو الدستور، بل في خطر انزياح البوصلة من أولوية سؤال التحرر إلى سؤال الإدارة. حين يتحول الصراع من حماية الأرض إلى تنظيم النصوص، يصبح المشروع الوطني معرضًا للاختزال في هندسة حكم محدود، بينما الوقائع على الأرض تُعيد تعريف الحدود والسيادة دون انتظار.

من هنا يبرز السؤال المركزي: من يملك القدرة على كسر هذا المسار؟

الجواب لا يكمن في مؤسسة واحدة، ولا في فصيل بعينه، بل في ما يمكن تسميته “الكتلة التاريخية” أي تحالف واسع من قوى اجتماعية وثقافية ونقابية واقتصادية وسياسية، تتقاطع مصالحها عند حماية المشروع الوطني من الانكماش النهائي.

مسؤولية هذه الكتلة لا تقتصر على النقد أو إصدار البيانات. مسؤوليتها تاريخية في ثلاثة مستويات مترابطة:

أولاً، فرض أولوية الوحدة السياسية بوصفها شرطًا لأي عملية انتخابية أو دستورية. فلا معنى لتجديد الشرعية الإجرائية دون استعادة الحد الأدنى من الوحدة والبرنامج المشترك.

ثانيًا، استعادة الفضاء العام كمجال للنقاش والمساءلة والمشاركة. فالشرعية لا تُستعاد بقرار فوقي، بل بإعادة إشراك المجتمع في تعريف المسار.

ثالثًا، تحويل الصمود من خطاب إلى سياسة عامة من خلال دعم الإنتاج المحلي، وحماية الأرض، وتحصين السلم الأهلي، وبناء شبكات تضامن مجتمعي قادرة على امتصاص الصدمات.

الكتلة التاريخية ليست حزبًا جديدًا، بل وعيًا جمعيًا منظمًا، يضغط لإعادة تعريف وظيفة السلطة قبل أن يُعاد تعريفها من الخارج. إنها القوة القادرة على منع التآكل من التحول إلى قدر والانهيار إلى تصفية، والانتخابات أو الدستور إلى أوهام تجميلية لملئ الفراغ.

إن لحظة الانكماش الراهنة تحمل مفارقة عميقة: كلما ضاق الحيز السياسي، ازداد ثقل المسؤولية الداخلية. فإما أن يُعاد إنتاج المشروع الوطني من داخله، أو يُعاد تشكيله من خارجه. لا يكفي أن ننتظر تغير الإدارات أو تبدل المواقف الدولية. التاريخ لا يمنح الشعوب ترف الانتظار الطويل حين تكون الأرض نفسها في طور إعادة التعريف.


ما العمل إذن؟


ليس انقلابًا ولا مغامرة، بل انتقالًا من إدارة الأزمة إلى إعادة توجيه المسار. وإذا كانت اللحظة هي لحظة انكماش، فإن الرد عليها لا يكون بالانكفاء، بل بإعادة ترتيب موازين القوة داخل المجتمع نفسه. هنا تتحول المسؤولية من سؤال أخلاقي إلى واجب تاريخي على الكتلة الوطنية العريضة.


أولاً: تثبيت قاعدة الحد الأدنى الوطني؛ الخطوة الأولى ليست انتخابًا ولا دستورًا، بل اتفاق سياسي على أولويات لا خلاف عليها: وقف الضم الزاحف، فك الحصار عن غزة، حماية القدس، ومنع تكريس الانفصال الجغرافي والسياسي.

هذا الحد الأدنى ليس برنامجًا فصائليًا، بل مظلة جامعة تُعلّق تحتها الخلافات الثانوية. بدون هذا الأساس، تصبح أي عملية سياسية "انتخابية أو دستورية" مجرد إعادة إنتاج للانقسام لا تجاوزه.

ثانيًا: استعادة الفضاء العام كمجال سيادي داخلي؛ لا يمكن استعادة الشرعية دون إعادة فتح المجال العام.

الحرية السياسية ليست ترفًا، بل شرط تعبئة. المطلوب تحرير العمل النقابي والطلابي والمدني من القيود، وإعادة الاعتبار للنقاش العام بوصفه أداة تصويب لا تهديدًا للاستقرار.

فالسلطة التي تخشى مجتمعها تفقد قدرتها على تمثيله.والمجتمع الذي يُقصى عن القرار يفقد استعداده للدفاع عنه.

ثالثًا: إعادة تعريف وظيفة السلطة عمليًا؛

بدل أن تبقى السلطة جهازًا لإدارة الرواتب والخدمات، يجب تحويلها إلى أداة صمود:

•إعادة توجيه الموازنات نحو القطاعات الإنتاجية والزراعة والصناعات الصغيرة.

•دعم صمود المناطق المهددة بالضم عبر خطط تمكين حقيقية لا رمزية.

•تحويل البلديات إلى مؤسسات حماية مجتمعية، لا منصات تنافس إداري.

هنا يصبح البعد الاقتصادي جزءًا من مقاومة الوقائع المفروضة، لا مجرد إدارة للأزمة المالية.

رابعًا: إعادة بناء التمثيل الوطني؛

معالجة تآكل الشرعيات المتحكمة بالمصير الوطني يجب أن تنطلق من الإقرار بفشلها، وبما يفضي لبناء تمثيل وطني ديمقراطي يستجيب للأولويات الراهنة في تعزيز قدرة الناس على الصمود وصون الهوية الجامعة،  وحق الدفاع عن النفس، والتصدي لمخططات تصفية حق العودة وتقرير المصير. أما النقاش الدستوري، فيجب أن يرتبط بإعادة تعريف المشروع الوطني ووظيفة السلطة، وليس تكريس الحالة القائمة التي أوصلت القضية الوطنية لهذا الانسداد، وغير ذلك يصبح مجرد ملهاة تتعارض مع الأولويات الشعبية، سيما في ظل غياب سيادة حقيقية، ومخاطر وجودية داهمة .

خامسًا: بناء شبكة أمان انتقالية؛

في ظل احتمال الانهيار أو التحول القسري، يجب إنشاء إطار وطني احتياطي "غير تصادمي "قادر على إدارة أي انتقال مفاجئ.

هذا الإطار يضم شخصيات وقوى مجتمعية وفصائلية تتفق مسبقًا على حماية السلم الأهلي ومنع الفراغ من التحول إلى فوضى أو وصاية. فالاستعداد للسيناريو الأسوأ هو شرط منع وقوعه.

سادسًا: نقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل؛

هذا لا يعني ذلك إغلاق الباب أمام الدبلوماسية، بل إعادة ترتيب الأولويات. الرهان الخارجي بلا قاعدة داخلية يتحول إلى انتظار طويل. أما حين يستند الخارج إلى شرعية داخلية متماسكة، يصبح داعمًا لا بديلًا. فالقوة التفاوضية لا تُستمد من البيانات، بل من وحدة المجتمع وصلابته.

سابعًا: بلورة الكتلة التاريخية كحامل للتغيير؛

الكتلة التاريخية ليست شعارًا بل عملية تراكمية بتحالف بين النخب الثقافية، النقابات، قطاع الأعمال، القوى الشبابية، والقيادات السياسية المستعدة لتقديم تنازلات متبادلة من أجل المشروع الأكبر. وظيفتها ليست إسقاط النظام، بل إعادة توجيهه. وليست منازعة الشرعية، بل استعادتها.

خارطة الطريق هذه لا تعد بحلول سريعة، لكنها تمنع التآكل من أن يصبح قدرًا، والانهيار من أن يصبح تصفية، والانتخابات أو الدستور من أن يتحولا إلى أدوات تجميلية أو ملهاة لشراء الوقت. إنها تنقل سؤال “ما العمل؟” من مستوى الخطابة إلى مستوى الفعل المنظم.

السؤال لم يعد: هل تتغير الظروف؟

بل: هل تتكوّن إرادة جماعية قادرة على تحويل لحظة الانكماش إلى لحظة إعادة تأسيس، قبل أن يُعاد تعريف فلسطين من خارجها لا من الفلسطينيين أنفسهم ؟

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين بين الحق الأصيل وتشريع الضمّ: حين تتحول القوة إلى قانون...!

ليس الصراع على فلسطين خلافاً حول تسمية جغرافية، بل هو نزاع عميق حول مصدر الشرعية: أهو حقٌّ أصيل متجذر في الأرض والهوية والتاريخ، أم حقٌّ يُنشأ بفعل القوة ويُكسى بثوبٍ تشريعي ولاهوتي؟

الفلسطيني الذي عاش أجداده في هذه البلاد قروناً متصلة يستمد شرعيته من وجود تاريخي واجتماعي ثابت، ومن حق تقرير المصير الذي أقرّته المواثيق الدولية.

في المقابل، نشأ المشروع الصهيوني في سياق أوروبي استعماري، وجمع بين القومية الحديثة وتوظيف السردية الدينية، وصولاً إلى قيام إسرائيل كأمر واقع سياسي.

تاريخياً، لم تكن فلسطين أرضاً بلا شعب. تعاقبت عليها حضارات متعددة، وبقي سكانها المحليون يشكلون نسيجها الحيّ.

صحيح أن بعض اليهود العرب عاشوا في فلسطين في فترات تاريخية، كما عاش فيها غيرهم، لكن الوجود الديني أو التاريخي لا يتحول تلقائياً إلى سيادة سياسية بعد انقطاع طويل، وإلا لانهارت قواعد الاستقرار الدولي المعاصر.

إن التاريخ يثبت التعدد والاستمرارية، ولا يمنح امتيازاً حصرياً لجماعة بعينها.

قانونياً، أكدت قرارات الأمم المتحدة مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأقرت بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وكذلك قطاع غزة، تُعد أراضي محتلة منذ عام 1967 وفق القانون الدولي، وتخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تقيّد سلطة الاحتلال وتمنعها من تغيير الوضع القانوني للإقليم أو ضمّه.

سلطة الاحتلال، بحكم تعريفها، مؤقتة ومحدودة، ولا تملك نقل الملكية أو فرض السيادة الدائمة.

في هذا السياق يأتي ما أقرّه الكنيست في 15 فبراير الجاري بشأن البدء بإجراءات تسوية وتسجيل أراضي الضفة الغربية باعتبارها "أراضي دولة" أو "أملاكاً حكومية إسرائيلية".

هذا القرار لا يُعد إجراءً إدارياً محايداً، بل خطوة سياسية ذات أبعاد قانونية خطيرة، تمهّد لتحويل الأرض من وضعية الاحتلال المؤقت إلى ضمٍّ فعلي مقنّع.

فتصنيف الأرض كملكية حكومية إسرائيلية يفترض السيادة، والسيادة لا تنشأ من الاحتلال.

إن تشريع الضمّ داخلياً لا يمنح شرعية دولية. فالقانون الوطني، مهما بلغت قوته داخل الدولة، لا يسمو على القواعد الآمرة في القانون الدولي.

وإذا كان المجتمع الدولي قد أرسى بعد الحرب العالمية الثانية قاعدة حظر اكتساب الأراضي بالقوة، فإن تجاوزها اليوم يفتح الباب لتآكل النظام القانوني الدولي برمّته.

وعليه، فإن أي قرار يتجاوز صلاحيات سلطة الأمر الواقع ويكرّس ضمّاً أحادياً يظل باطلاً من منظور الشرعية الدولية، حتى وإن نُفّذ على الأرض.

الخطورة في القرار لا تكمن فقط في أثره القانوني، بل في ما يحمله من دلالة سياسية: الانتقال من إدارة احتلال إلى تثبيت سيادة أحادية، بما يعني تقويض أي أفق لتسوية عادلة قائمة على الاعتراف المتبادل. فحين تتحول أرض الفلسطيني إلى "أرض دولة" بقرار برلماني إسرائيلي، يُعاد تعريف صاحب الأرض من مالكٍ أصيل إلى مقيمٍ تحت إدارة تدّعي الملكية.

هنا يتجسد جوهر الصراع بين حق طبيعي متجذر، وحق مفترض يستند إلى منطق السيطرة.

خلاصة القول:

إن جميع الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة — في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وفي قطاع غزة — تبقى، من منظور القانون الدولي، إجراءات باطلة ولا يترتب عليها أثر قانوني يُعتد به.

فهي أراضٍ محتلة تمثل إقليم دولة فلسطين المحتلة، الدولة التي حظيت بصفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، واعترفت بها أكثر من 160 دولة حول العالم.

إن سيادة دولة فلسطين على هذه الأراضي سيادة قانونية قائمة، وإن كانت معطلة بفعل الاحتلال.

وعليه، فإن قرارات الضمّ، أو إعادة تصنيف الأراضي، أو فرض القوانين الإسرائيلية على الإقليم المحتل، لا تغيّر من الطبيعة القانونية لهذه الأراضي، ولا تنشئ حقاً سيادياً لإسرائيل عليها.

 الباطل لا يتحول إلى حق بمرور الزمن، والاحتلال لا ينقلب إلى سيادة بالتشريع.

 سيبقى الحق الفلسطيني ثابتاً، تؤيده قواعد الشرعية الدولية، ويعضده الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين، إلى أن يُرفع الاحتلال وتُستعاد الأرض إلى أصحابها وفق مبادئ العدالة والقانون.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

تطبيع الظلم… ولم تنتهِ حلول الأرض

ليس السؤال اليوم هل تعاني السلطة الفلسطينية أزمة مالية؟ فهذا بات معلومًا، مُكرَّرًا، ومُستهلكًا في الخطاب العام. السؤال الحقيقي، والأكثر خطورة ووجعًا هو: من يتحمّل أصلًا كلفة الاحتلال؟

وفق كل القوانين الدولية، وكل الأعراف الإنسانية، وكل السوابق التاريخية، فإن الدولة المحتلّة تتحمّل كامل المسؤولية عن السكان الواقعين تحت احتلالها: الصحة، التعليم، البنية التحتية، المياه، الكهرباء، الخدمات الأساسية، وحقوق الإنسان اليومية. هذا ليس رأيًا سياسيًا، ولا توصيفًا خطابيا، بل نصٌّ صريح في القانون الدولي الإنساني.

لكن في الحالة الفلسطينية، جرى ما لم يجرِ في أي احتلال آخر في العالم: الاحتلال انسحب من فاتورة المسؤولية… وبقي ممسكًا بكل أدوات السيطرة.


سلطة بلا سيادة… ومسؤوليات بلا صلاحيات


حين أُنشئت السلطة الفلسطينية، لم تُنشأ كدولة مستقلة، ولا حتى كإدارة ذات سيادة. أُنشئت كجسم إداري مؤقت، يعمل في ظل الاحتلال، وضمن اتفاقيات دولية، على أن يُموَّل عبر المنح والمساعدات الدولية، باعتبار أن الاحتلال ما زال قائمًا، وأن المسؤولية النهائية ما زالت عليه. لكن الذي حدث تدريجيًا، وشيئًا فشيئًا، وبهدوء شديد، تراجعت المساعدات، جفّ التمويل الخارجي، تحوّلت المنح إلى قروض، ثم تحوّل التمويل إلى ضرائب تُجبى من المواطن الواقع تحت الاحتلال.

وهنا بدأت الكارثة الأخلاقية والسياسية. أصبح المواطن الفلسطيني يدفع فاتورة الرواتب والنفقات التشغيلية، بدلًا عن المحتل.

اليوم، المواطن الفلسطيني يُطالَب بأن يدفع كأنه يعيش في دولة مستقلة مكتملة السيادة، بينما هو في الحقيقة يعيش تحت احتلال كامل، لا يسيطر على معابره، ولا على موارده، ولا على أرضه، ولا على اقتصاده، ولا حتى على قراره المالي.

ومن ذلك، يدفع ضريبة دخل، يدفع ضريبة قيمة مضافة، يدفع رسوم خدمات، ثمن الماء والكهرباء، أقساط التعليم، يدفع ثمن العلاج، ويُموِّل – بشكل مباشر أو غير مباشر – رواتب الموظفين والنفقات التشغيلية. النتيجة تحوّل الاحتلال إلى مشروع منخفض الكلفة، وتحوّل المواطن إلى مموِّل دائم لحالة قهره.


أخطر ما في الأزمة: تطبيع الظلم


الأخطر من العجز المالي، ليس تأخر الرواتب، ولا ارتفاع الديون، بل أن يصبح دفع ثمن الاحتلال أمرًا طبيعيًا، وأن يتحول السؤال من: لماذا لا يدفع الاحتلال؟ إلى: لماذا لا يتحمّل المواطن أكثر؟

هذا ليس فقط إنهاكًا اقتصاديًا، بل كسرٌ بطيء للإرادة المجتمع، وتآكل صامت في معنى الصمود، وتحويل تدريجي للقضية من قضية تحرر… إلى أزمة رواتب.

الأزمة المالية الفلسطينية لا يمكن، ولا يجب فصلها عن السياق القانوني للاحتلال. وأي معالجة لا تعيد التأكيد على مسؤولية الاحتلال القانونية، وعدم شرعية نقل الأعباء إلى السكان الواقعين تحت السيطرة، ستبقى معالجة ناقصة، بل ومضلِّلة. إعادة تصويب النقاش المالي الفلسطيني ليست مسألة محاسبية، بل ضرورة قانونية وسياسية،تحمي المواطن من تحمّل كلفة وضع لم يختره، ولم يكن مسؤولًا عن استمراره.

في خضم هذه الأزمة، يخرج من موقع المسؤولية من يصرّح، بأن “حلول الأرض انتهت”، وكأن ما نعيشه قدرٌ مالي لا فكاك منه، أو سقفٌ نهائي لا يمكن تجاوزه. حتى لو افترضنا حسن النية، وصدق الخطاب المالي، فإن الصدق وحده لا يصنع حلولًا، ولا يُعفي المنظومة من مسؤولية البحث عن بدائل وطنية. هنا يجب التمييز بوضوح لا لبس فيه، بين نفاد الحلولٍ لدى بعض صُنّاع القرار، وبين الادّعاء بأن حلول الأرض نفسها قد نفدت. فالأرض التي ما زالت تُنتج، والشعب الذي ما زال يعمل، والاقتصاد الذي ما زال حيًّا رغم القيود، لم تستنفد إمكانياتها. ما استُنفد هو منطق إدارة الأزمة بدل مواجهتها، ومنطق التكيّف مع الاختناق بدل كسره.


حلول الأرض لم تنتهِ… لكن الجرأة غابت


الحقيقة التي يجب أن تُقال دون مواربة: هناك العديد من المسارات الواقعية للخروج من الأزمة المالية الفلسطينية، لكنها تحتاج: قرارًا وطنيًا شجاعًا، رؤية استراتيجية طويلة المدى، واستعدادًا لتحمّل كلفة المواجهة السياسية لا ترحيلها للمواطن، وبناء استراتيجية وطنية لاستقلال الموارد الفلسطينية تدريجيًا. إعادة الاعتبار للاقتصاد الفلسطيني الإنتاجي بدل الارتهان للاستهلاك. تقليص التبعية القسرية لمنظومة الاحتلال الاقتصادية. استثمار الموارد المتاحة رغم القيود، لا الاستسلام لها. والأهم: إعادة تحميل الاحتلال تبعات خسائره القانونية والاقتصادية بدل دفعها من جيب المواطن.


إدارة دولة تحت احتلال… لا إدارة أزمة


المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة رواتب، ولا تخفيض سقف التوقعات، ولا تعميم خطاب العجز، بل الانتقال إلى منطق: إدارة وطنية لشعب يعيش تحت الاحتلال.

إدارة تُصارح الناس، تُرتّب الأولويات، تحمي الفئات الأضعف، وتبني شراكة مجتمعية لا علاقة جباية. فالصمود لا يُبنى بالضرائب وحدها، بل بالعدالة، والثقة، والإحساس بأن المواطن ليس الحلقة الأسهل للكسر. لا يمكن لشعبٍ تحت الاحتلال، أن يُطالَب بتمويل احتلاله، ولا أن يُحمَّل فوق قهره قهرًا ماليًا دائمًا.

ليست المشكلة أن الأرض جفّت، ولا أن الحلول نفدت، ولا أن الشعب استُنزف بالكامل. المشكلة أن هناك من يريد إدارة واقع بلا أفق، بدل بناء أفق ولو كان صعبًا.

والحقيقة التي يجب أن تبقى حاضرة دائمًا: حلول الأرض لم تنتهِ… لكنها تحتاج من يملك الجرأة، والقرار الوطني، والاستعداد لوقف نقل كلفة الاحتلال إلى المواطن.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

"جَمْر الكلام" الذي يضيء الشِعر

صدر كتاب جديد للمبدع وحيد تاجا، بعنوان"جمر الكلام"، ضمّ قرابة ثلاثين لقاء، مع عدد من الشعراء والنقاد الفلسطينيين، على اختلاف أجيالهم وتجاربهم، مقدّما حمولة متنوعة، ستساهم، بالضرورة، في فهم وإضاءة وتفكيك الشِعر الفلسطيني، عبر أعوامه الستين الأخيرة.

ومع أنّ الصديق تاجا افتتح كتابه بغير سؤال "ثقيل"، وأشار إلى خلاصات شبه نهائية، إلا أنه دعا القارئ إلى استخلاص الإجابة على تلك الأسئلة، وتبيان صحّة الاستخلاصات، من تضاعيف الإجابات التي قدّمها مَن حاورهم..مع أنّ المقابلات ليست على وتيرة واحدة. وعزاؤه أنه يريد أن يتتبّع الخطّ التاريخي "الكرنولوجي" للشِعر، ويُظْهر تحوّلاته..فكانت بعض "العيّنات"، على قلّتها، لا تعبّر، بالفعل، عن حقيقة وصفاء وامتلاء نهر الشِعر، الذي خاضه الشعراء المكرّسون بجدارة حاسمة.

إن الشِعر الفلسطيني قد تميّز بأنه ذو خلفيات ومرجعيات كثيرة، بسبب الشتات مرّة، وبسبب الأيديولوجية مرّة أخرى، وبسبب السياسة أيضاً. ولهذا فإنه ليس نسيجاً واحداً أو تجربة واحدة. فالتحديات المختلفة والقضايا المتعددة التي فرضت نفسها على هذا الشِعر، جعلت منه متعددَ الأشكال والأساليب والذروات. ويكاد لا يَجمَع بين هذا الشِعر سوى مقاربته للقضية الوطنية على تفاوت هذه المقاربة.

إن القصيـدة التي ولـدت في الأرض المحتلة بعـد احتلال العام (1967)، كانت بصورة أو بأخرى، قصيدة الجماعة وقصيدة المكان وقصيدة التحريض بشكلها المهم، وبهذا الصدد يمكن القول؛ إن الواقع كان يقدم نماذج مذهلة في عبقريتها وتعبيرها عن روح الجماعة، الأمر الذي جعل من القصيدة - بشكل عام، تظل أقل بهاءً وحضوراً من النموذج - بمعنى آخر، ليس هناك معادل موضوعي للحياة أبداً، الفن صورة مختصرة، فيها حذف كثير وفيها اقتصاد كثير وفيها تعمّد كثير. وفيما نقدم الحياة نفسها مرة واحدة بكامل التفاصيل مشعلة جميع الأحاسيس، فإن الفن يكتفي من كل ذلك البهاء بإطار واحد يحاول تجميع الصورة الأولى.

وبعد العام (1993أوسلو)، وما جرى من زعزعة المفاهيم وموت بعض القديم وميلاد جديد آخر، وتغيّر المزاج واللغة والمصطلح والمرجعيات، وما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغيرات بنيوية، فإن القصيدة الفلسطينية في الداخل- حيث طعمت بأصوات وتجارب جديدة عليها- واجهت قضايا ومسائل أخرى مختلفة، كان عليها أولاً أن تتوازن؛ بمعنى البحث عن لغة جديدة وآفاق جديدة ومرافئ للعودة إليها، وكان عليها أن تردّ، بشكل أو بآخر، على تحديات من نوع ثقافي لم تتعوّد عليه، كالعلاقة مع الآخر، والعلاقة مع السلطة، وكان عليها، أيضاً، أن تقارن نفسها بالتجارب العالمية التي ذهبت بعيداً بالتجربة الشعرية. بعد العام (1993) كان هناك مخاض على المستوى السياسي والاجتماعي، والشِعري، أيضا.

ما نريد أن نصل إليه، هو أن المقاربة النقدية بما تتضمن من عمليات تحليل وتفكيك وتقييم للشِعر الفلسطيني، وخاصة شعر الداخل (الضفة والقطاع والأرض المحتلة العام 1948)، يجب أن تكون نابعة من البيئة التي صدر منها هذا الإبداع الشِعري، بمعنى أن النقد يجب أن يستخدم ذات المصطلحات وذات المزاج وذات القضايا التي تناولها النص المقارَبْ.

وعليه فإن المقاربة النقدية لمثل هذا الأدب الخاص، المحكوم بالزمان والمكان والظرف التاريخي والحضاري، يجب أن تنبع من داخله، ومن شروطه، ومن نسقه العام.

إنّ المنهج الخاص، والخاص جداً، الذي نحاول الإمساك به أو الإشارة إلى ملامحه يتمثل في أبعاده الثلاثة: السيكولوجية، والتاريخية، والسوسيولوجية. هذه الأبعاد التي تضمّها روح الجماعة، حيث تسيطر هذه الروح طيلة الوقت على معظم النتاج الشعري الفلسطيني، وكأنّها كلمة السرّ في ذلك النتاج.

المنهج الخاص يعني فهم الظاهرة من الداخل وليس من الخارج. ولأنّ الإبداع الشِعري الفلسطيني في الأرض المحتلة، كان إلى هذه الدرجة خاصاً، ومختلفاً، كان لا بدّ للمنهج النقدي أو يكون، أيضاً، إلى ذلك الحدّ خاصّاً ومختلفاً. وأعتقد أن "الشهادات" التي قدّمها معظم الشعراء والنقاد في هذا الكتاب، تتماهى مع ما ذهبنا إليه، وتشفع له وتؤكّده.

فالمنجز الشِعري الفلسطيني، وخلال السنوات الأربعين الماضية، التي بدأت متفائلة وانتهت إلى نبرة التساؤل أو التشاؤم، كانت بحقّ خير دليل سوسيولوجي وتاريخي على التحوّلات العميقة التي أصابت البنى الفكرية والثقافية والسياسية في فلسطين والعالم العربي.

كان شكل القصيدة ولغتها وموسيقاها وصورتها الشعرية تعبيراً عن تغيّر تاريخي بالأساس. هذا التغيّر الذي خلق صورة شِعرية هي جزء من رؤية العالم الذي تغيّر، هذا ما حاولنا أن نتتبعه وأن نلمسه وأن نتذوقه.

 ستظلّ في بالنا مناهج النقد ولكن - بالدرجة نفسها- ينبغي أن تبقى عيوننا وقلوبنا على النصّ.

والآن؛ وبعد هذا العدوان على غزّة، وبعد ما أفرزته نظرية الرّعب الصهيونية من نتائج، وما آلت إليه الحال في قطاع غزّة..سنرى واقعا جديداً مخيفا وصادما، وسنقرأ نصوصا، وستُكتب أخرى، ستكون معجونة بالدماء والهباء، كما ستكون مطعّمة بالأساطير والحدّة والمفارقات والذهول..ما يجعلنا لا نتعجّل في إطلاق أيّ حُكمٍ نقدي، لأن ذلك استباقا للحقيقة، على رغم توفّر كمٍّ كافٍ من الشواهد الإبداعية، التي تمثّل إرهاصات لظاهرة جديدة في الأدب الفلسطيني،هي "أدب الحرب"..مع أنني كتبت عن "شعراء غزة،الآن".

وأُكرر؛ ما الذي يجعل من إبداعٍ ما..شِعراً؟ علماً أن النقّاد القدماء والمحدثين قد أشبعوا هذا السؤال أجوبةً، جعلت للشِعر تعريفات بعدد البشر! إضافةً إلى أنهم، قديماً، ميّزوا بين النَّظم والشِعر، على اعتبار أن الوزن الشعري لا يكفي وحده لأن يجعل من النّظم شِعراً، وعلى أساس أن ثمة عناصر لا بدّ إلاّ أن تتوفر في "البناء" حتى نشير أليه ب "الشِعر".

ومنذ عقود؛ تتباين الآراء حول قصيدة "النثر"، وتتقاطب ما بين معترف بها، بشروط صارمة، وما بين ناظرٍ إليها باعتبارها نصّاً أدبياً لم يرقَ إلى مجد الشِعر، لأنها لم تنهض على قوام التفعيلة وبحور الخليل، وكأن الموسيقى هي الشرط الأكبر والأساس لأن تكون هذه الكتابة شِعراً! وباعتقادي، فإن قصيدة "النثر" ما زالت تُكابد على طريق شرعنة ذاتها، ولم تتوصّل بعد إلى شاطئ يجمع شعث الآراء المتباعدة حولها، حتى وهي تعترف جميعها بهذا النوع من الكتابة، ذلك أن قصيدة النثر لا شكل نهائي لها، ولا حدود لها، حتى اللحظة، إذ نرى هذه القصيدة تتزيّا مرّة ب "الهايكو" أو"القصّ" أو "التدوير"..لتصل إلى "الكُتلة"، وتتكئ كثيراً على أشكال الإبداع الأخرى، وتقدّمه على اعتبار أنه قصيدة "حداثية"، لا يحقّ لناقدٍ أن ينال من شرعيتها، أو من حقّ الشاعر في أن يذهب عميقاً في "التجريب"، وكأنه سابق لعصره. مع أنّ الحداثة "موقف"، وليست "زمن".

إن ضرورة التجريب، والحرية المقترنة، أبدياً، مع الإبداع، تعني معرفة ووعي أدواتنا التي سنشكّل بها ملامح كتابتنا، ونبني عوالم إبداعنا، الذي يتغيّا سلامة كلّ خليةٍ ولونٍ وحرفٍ وإيقاعٍ واستطالة، في سياق الانسجام والتكامل..ما لم نتجرّأ على أُسس واجبة صارمة، هي أرض الكتابة، إلاّ إذا كنّا نقصد "دادائيّة" جديدة، قد لا نعرف دوافعها ومقاصدها، أو نقصد ترجمات يقوم البعض بتحويرها، ثمّ يتبنّاها باعتبارها نصّه الخاص!

وإن الموسيقى في الشِعر ليست إيقاعا فحسب، إنها روح الزمن الذي يصعد إلى المتن، ويعبّر عن اللحظة ويعرّفها. وللحديث بقيّة، إن لزم الأمر.

شكرا جميلا للمبدع الصديق وحيد تاجا على انشغاله بالأدب الفلسطيني، علما أنه سبق وأصدر كتابه المميز"الرواية الفلسطينية - حوارات نقدية"، ليكمل دائرة الضوء على مشهد الأدب، عبر مجترحيه من المبدعين الفلسطينيين. 

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو ترسيخ ثقافة الكرامة..حين يصان الإنسان يقوى الوطن

د. سارة محمد الشماس: باحثة وكاتبة في التراث والعلوم التربوية


ليست قوة الأمم في علو أبراجها، ولا في اتساع اقتصادها، ولا في تضخم أرقامها المالية فحسب؛ بل في المكانة التي تمنحها للإنسان. فالمجتمع الذي يصون كرامة أفراده ويحفظ حقوقهم هو مجتمع متماسك في عمقه، ثابت في قيمه، وقادر على مواجهة التحديات بثقة. أما حين تنتهك الكرامة، فإن التصدع يبدأ من الداخل، حتى وإن بدا البناء من الخارج متينًا. فالكرامة ليست قيمة فردية فقط، بل هي الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه استقرار المجتمع ونهضته. وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حقيقة إنسانية راسخة مفادها أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، غير أن قوة هذا المبدأ لا تكمن في وجوده كنص قانوني، بل في تحوله إلى ثقافة يومية وممارسة واعية، تتجلى في أسلوب تعاملنا، وفي احترامنا للآخرين، وفي وعينا بأن لكل إنسان قيمة لا يجوز المساس بها.

تبدأ الكرامة من التربية، فهي ليست قرارًا يفرض، ولا مفهومًا يكتسب فجأة، بل قيمة تتشكل عبر سنوات من التنشئة الواعية. ففي الأسرة، يتعلم الطفل أول معاني الاحترام، حين ينصت إليه، وتحترم مشاعره، ويعامل بعدل وإنصاف. هذا الشعور يمنحه ثقة بنفسه، ويزرع في داخله وعيًا بقيمته الإنسانية. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تحفظ كرامته يكبر وهو قادر على احترام الآخرين، ومدركًا أن الاحترام ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية تعكس نضج الإنسان ووعيه. أما حين يتربى الطفل على الإهانة أو التهميش، فإن ذلك يترك أثرًا عميقًا في شخصيته، ويؤثر في نظرته لنفسه وللعالم من حوله، مما يجعل التربية القائمة على الاحترام حجر الأساس في بناء مجتمع متوازن وقوي.

تأتي المدرسة لتكمل هذا الدور، وتبرز هنا أهمية مناهج الدراسات الاجتماعية بوصفها أداة لبناء الوعي، لا مجرد مادة للحفظ. فهي لا تقدم معلومات فقط، بل تغرس في الطالب معنى المواطنة، وتعرّفه بالحقوق والواجبات، وتزرع فيه قيم العدالة والمساواة. ومن خلال دراسة التاريخ والتجارب الإنسانية، يدرك الطالب أن انتهاك الكرامة ليس موقفًا عابرًا، بل قضية تمس استقرار المجتمعات بأكملها. كما أن الحوار داخل الصف، واحترام الرأي المختلف، يمثل تدريبًا عمليًا على الممارسة الحضارية، ويؤسس لإنسان واعٍ يؤمن بأن احترام الكرامة هو أساس التعايش والاستقرار.

حين تتحول الكرامة إلى ممارسة يومية، يظهر أثرها بوضوح في حياة الأفراد والمجتمع. فالطالب الذي يشعر بالاحترام يصبح أكثر ثقة ومشاركة، والموظف الذي تقدر جهوده يعمل بروح الانتماء، والمواطن الذي تصان كرامته يكون أكثر حرصًا على خدمة وطنه. وتتجلى هذه القيمة في تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الدلالة، كاحترام الكبير، والاعتذار عند الخطأ، والتعامل مع الآخرين بلغة تقدير وإنسانية. فهذه السلوكيات اليومية، رغم بساطتها، تعكس مستوى وعي المجتمع ونضجه.

في زمن التواصل الرقمي، أصبحت الكرامة أكثر عرضة للاختبار، حيث يمكن لكلمة واحدة أن تنتشر بسرعة وتترك أثرًا عميقًا في نفس الإنسان. لذلك، لم يعد احترام الكرامة مقتصرًا على الواقع المباشر، بل أصبح ضرورة في الفضاء الرقمي أيضًا. فالحرية في التعبير لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية، والكلمة التي نكتبها قد تكون سببًا في رفع معنويات إنسان أو جرحه. ولهذا، فإن الوعي بقيمة الكرامة يجب أن يبقى حاضرًا في كل أشكال التواصل، لأن الاحترام لا يتجزأ.

تعد الكرامة أساس الشعور بالانتماء، فعندما يشعر الإنسان أن حقوقه مصونة، يزداد ارتباطه بوطنه، ويكون أكثر استعدادًا للعطاء والمشاركة. فالكرامة تولد الثقة، والثقة تعزز التعاون، والتعاون يقود إلى التقدم والاستقرار. أما حين تهدر الكرامة، فإن الإحباط يتسلل إلى النفوس، ويضعف الانتماء، ويتراجع الشعور بالمسؤولية. لذلك، فإن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدالة والاحترام، لأنهما يشكلان الأساس المتين لأي مجتمع مستقر.

إن ترسيخ ثقافة الكرامة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتتعمق في المدرسة، وتتجلى في المجتمع، لكنها في جوهرها مسؤولية فردية. فكل كلمة نقولها، وكل موقف نتخذه، يعكس وعينا بقيمة الكرامة. واحترام الآخرين ليس خيارًا ثانويًا، بل هو انعكاس حقيقي لوعي الإنسان ونضجه.

فالكرامة ليست مفهومًا نظريًا، بل أسلوب حياة يتجلى في السلوك اليومي. وحين نحفظ للإنسان كرامته، فإننا لا نحمي فردًا فقط، بل نبني مجتمعًا أكثر تماسكًا، ووطنًا أكثر قوة، ومستقبلًا أكثر استقرارًا.

الكرامة أولًا.. بها يسمو الإنسان، وبها يقوى الوطن، وبها تبنى الحضارات التي تبقى راسخة مهما تغيرت الظروف.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تأثير العدوان على المشهدين الثقافي والحضاري في غزة

قد يبدو الحديث عن الثقافة والفن في زمن القصف والدمار وكأنه خيانة للواقع، أو ترفٌ لا يليق بظل المجازر والدم النازف. لكن، في خضم المجزرة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، ينهض سؤال أكثر جذرية: هل الحديث عن الثقافة أمر غير أخلاقي؟ أم أن التمسك بها هو من أشكال المقاومة القليلة التي لا يمكن قصفها؟

في كل نضال خاضته الشعوب من أجل البقاء، كانت الثقافة في صميم المعركة لا على هامشها. من جنوب أفريقيا، إلى الجزائر، إلى أميركا اللاتينية، وحتى في قلب أوروبا زمن الحرب، لم يتوقف الشعراء عن الكتابة، ولا الفنانون عن الرسم، ولا المسرحيون عن الوقوف على الخشبة، ذلك لإداكهم أن المعركة الحقيقية لا تُخاض فقط بالسلاح، بل في حقل المعنى، والمعنى هو جوهر الثقافة، فالثقافة ليست ترفًا، بل هي شرط من شروط الوجود، فحين يُقال إن الفن ترف، يُفترض ضمنًا أنه بعيد عن الجوع، والسياسة، والألم، والاحتلال. لكن الحقيقة أن الثقافة هي ما يُبقي الشعوب متماسكة حين تتكسر المدن؛ إنها البنية الرمزية التي تحفظ الذاكرة وتُعيد ترتيب الفوضى.


عدوان ممنهج على الذاكرة والبنية الثقافية

منذ نكبة 1948، استهدفت العصابات الصهيونية المنجز الحضاري والثقافي الفلسطيني، فمحَت الحواضر، وهدمت المكتبات، وطمست المعالم. ويكفي أن نعلم أن مدينة يافا، التي كانت عاصمة للثقافة العربية قبل الاحتلال، تعرضت لعملية محو ممنهجة شملت شوارعها ومكتباتها ومسارحها وإرثها الحضاري.

واليوم، في ظل المقتلة التي يعيشها قطاع غزة بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، يتكرر المشهد نفسه لكن بأدوات أكثر تدميرًا. فالعدوان الأخير لم يضرب فقط البيوت، بل دمّر بنية ثقافية عريقة لطالما تميز بها هذا القطاع الصغير في الجغرافيا، الكبير في رمزيته وتاريخه.


أولاً: تدمير البنية التحتية الثقافية

تعرّضت مراكز ثقافية ومكتبات عامة ومسارح ومتاحف للقصف الكلي أو الجزئي. مراكز كانت تحتضن العروض والمواهب والذاكرة، سُويت بالأرض، أُغلقت مدارس الفنون والموسيقى، وتوقفت أنشطة ثقافية كانت تُعد متنفسًا وحاضنة لأجيال من المبدعين.


ثانياً: تقييد حرية التعبير

في زمن الحرب، تصبح حرية التعبير مهددة من جهات متعددة: الخوف من القصف، الرقابة الاجتماعية، والانهيار العام في بنية الحياة. كثير من الفنانين والكُتّاب باتوا عاجزين عن التعبير، بعضهم يمارس رقابة ذاتية خشية أن يُساء فهم عمله الفني. يقول أحد الرسامين في غزة:

"لا أستطيع رسم ما أشعر به، لأن اللوحة قد تُفسَّر كتهديد، أو تُستخدم ضدي".

ثالثاً: ضياع التراث المادي وغير المادي

تعرضت مواقع تاريخية في غزة لأضرار مباشرة منها بيت العَلَمي في حي الشجاعية، ومسجد السيدة رقية الذي يعود لمئات السنين، إذ إن القصف لم يميز بين الحجر والبشر، فطال المعالم التي تحفظ ذاكرة المكان.

أما التراث غير المادي، من حكايات وأغاني وأمثال ولهجات، فقد بدأ يتآكل، فقد أدى النزوح والخوف وغياب البيئة الداعمة، أدى إلى تراجع حضوره في الحياة اليومية. تقول الدكتورة نهى عطا الله، أستاذة التراث الشعبي: "في كل مرة تُقصف فيها غزة نخسر شيئاً من ذاكرتنا، ليس فقط البيوت بل الأغاني والقصص واللهجات والمناسبات".

رابعاً: مقاومة ثقافية رغم الدمار

ورغم كل هذا، لا تزال غزة تُبدع من قلب الرماد؛ الفنانون يرسمون على الجدران المهدّمة، الشعراء يكتبون في الظلام وناشطون يطلقون مبادرات مثل "فن على الحيطان" و"غزة تقرأ"، في محاولة لصون الهوية من وسط الأنقاض.

تقول الشاعرة إسراء حلس: "نحن لا نكتب شعراً فقط، نحن نكتب وجودنا. فالكلمة عندنا ليست ترفاً، بل أداة بقاء".

تُشير تقارير "اليونسكو" إلى أن أكثر من 50 منشأة ثقافية دُمّرت أو تضررت خلال العدوان الأخير، من بينها مركز رشاد الشوا، أحد أبرز مراكز الثقافة في القطاع. هذا ليس "أضرارًا جانبية"، بل استهداف ممنهج للذاكرة.


نحو دعم ثقافي وإنساني حقيقي

ورغم كل الخراب، لم يستطع الاحتلال أن يُطفئ نور الثقافة في غزة، ولا أن يصادر الحكاية. فهذه الأرض التي تنزف كل يوم، ما زالت تُنجِب شعراء، وتُقيم المعارض على الركام، وتُعيد رسم الذاكرة فوق الجدران المهدّمة.

الثقافة هنا ليست زينة، ولا رفاهية، بل فعل مقاومة يومي ولغة للبقاء نتمسك بها كي لا ننكسر، ونكتب كي لا نُمحى.

وفي ظل استمرار المجزرة، وعشرات آلاف الشهداء من أطفال ونساء وعُزّل، ومئات آلاف الجرحى والمشرّدين الذين سُلبت منهم بيوتهم ومساحاتهم الآمنة، بات واضحًا أن غزة لم تَعُد تصلح للعيش!  لكننا، رغم ذلك، نعيش. نُصرّ على أن نحيا، ليس فقط بالخبز والماء، بل بالمعنى.

ولأن الثقافة لا تُبنى على أنقاض القهر وحدها، بل تحتاج إلى رئة تتنفس منها، فإن الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى:

- دعم حقيقي لإعادة تأهيل المراكز الثقافية، ليس كترف، بل كضرورة لإعادة بناء الإنسان.

- إطلاق برامج بالشراكة مع "اليونسكو"، "الألكسو"، وغيرها، لترميم ما تهدّم، وتدريب جيل جديد على الفنون والإبداع كوسيلة للشفاء من الندوب.

- حفظ التراث غير المادي، عبر مشاريع توثيق رقمية، حتى لا تتبدد وتتلاشى الحكايات في هواء الشتات.

- إنشاء منصات إلكترونية للفن والأدب الفلسطيني، كي يكون لمن تبقّى من كتّاب وشعراء ورسامين صوت يسمعه العالم، بعيدًا عن ويلات الحرب.

نحن بحاجة إلى أن تُدمج الثقافة في خطط الإغاثة، لا كإضافة، بل كجزء أساسي من ترميم ما هو أعمق من الحجر؛ ترميم الروح.

فحين تُقصف المكتبات والمراكز الثقافية، لا تُقصَف فقط المباني، بل تُستهدف الذاكرة، وحين يُسكت الفن، تُخنق الحكاية، وحين نكتب، نُنجو بأنفسنا من المحو.

العدوان على غزة لم يكن فقط على الناس، بل على المعنى، وعلى هذا المعنى بالذات، يجب أن نقاتل بالكلمة، بالصورة، باللحن، بكل ما فينا من حياة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:46 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات ليست تسوية اجتماعية بل قرار تنموي

في كلِّ دورةٍ انتخابيةٍ بلدية، لا تبدأ الحكاية يوم فتح صناديق الاقتراع، بل قبل ذلك بوقتٍ طويل. تبدأ في المجالس، في الأحاديث الجانبية، في همسات المقاهي، وفي لقاءات الوجهاء. هناك يتشكّل ما يُسمّى "التوافق"؛ كلمةٌ تبدو دافئة، توحي بالوحدة، وتَعِدُ بمستقبلٍ يُرسم بيدٍ واحدة.

في صورته المثالية، يكون التوافق عنوان نضجٍ جماعي. أن يجلس أبناء المجتمع حول طاولة واحدة، يختلفون في التفاصيل ويتفقون على الهدف، يضعون مصلحة البلد فوق كل اعتبار، ويختارون برنامجًا واضحًا يخدم الناس جميعًا؛ فذلك مشهدٌ صحيٌّ يبعث على الطمأنينة. هنا لا يكون التوافق صفقة، بل شراكة. لا يكون تحالف مصالح، بل تحالف مسؤولية. في هذه الصورة، تتجلى الديمقراطية في أبهى معانيها: تنافسٌ على الخدمة، لا على الغنيمة.

 لكن، وبكل صراحة، ليست كل التوافقات كذلك. فحين يتحول السؤال من "من الأكفأ لخدمة الناس؟" إلى "من يمثل من؟"، ينحرف المسار. حين تُختزل الطاولة في توزيع مقاعد، وتقسيم أدوار، وترتيب حصص، يصبح التوافق غطاءً لمعادلة نفوذ لا مشروعًا تنمويًا. قد يربح الجميع لحظة الإعلان، لكن الخسارة تبدأ مع أول قرارٍ يُتخذ بلا رؤية مشتركة. تتضارب المصالح، تتعثر المشاريع، ويكتشف المواطن أن ما سُمّي توافقًا لم يكن سوى هدنة مؤقتة بين أطراف متنافسة.

هنا تحديدًا تتضح الحقيقة: الانتخابات ليست تسوية اجتماعية بل قرار تنموي. ليست مناسبة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، ولا محطة لتثبيت توازنات عائلية أو فئوية، بل لحظة مفصلية يُرسم فيها مسار الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل وجودة الحياة في البلد لسنوات قادمة.

إن أخطر ما في تحويل الانتخابات إلى تسوية اجتماعية أنه يُضعف معيار الكفاءة، ويجعل المنصب مكافأةً على القرب لا تكليفًا على القدرة. وعندما يُقدَّم الأقرب على الأكفأ، تُدفع فاتورة ذلك من وقت الناس واحتياجاتهم ومستقبل أبنائهم.

وفي المقابل، يبقى الانتخاب الحر قيمةً كبرى، لأنه يمنح الفرد حق الاختيار. غير أن هذا الحق يفقد معناه إن لم يُمارس بوعي. الديمقراطية ليست مجرد صوتٍ يُمنح، بل مسؤوليةٌ تُحمَل. هي وعيٌ بأن كل ورقة اقتراع تضع حجرًا في بناءٍ إما أن يكون متينًا أو هشًا.

ومن هنا، فإن مسؤولية الارتقاء بالمشهد لا تقع على الناخب وحده، بل على التنظيمات والمجموعات كافة. فإذا أردنا أن نساعد المجتمع على حسن الاختيار، فعلينا أن نحترم وعي الناس قبل أن نطلب أصواتهم. واحترام الناس يبدأ بتقديم الأقدر لا الأقرب، وصاحب الرؤية لا صاحب النفوذ، ومن يحمل مشروعًا واضحًا لا من يملك حضورًا اجتماعيًا فحسب. فالمجتمع يستحق أن يُعرض عليه برنامج، لا أن يُفرض عليه توازن.

نحن أمام خيارين واضحين: إما ثقافة الخدمة، حيث المنصب تكليف ومسؤولية، وإما ثقافة الحصص، حيث الموقع مكسب ونفوذ. وبينهما يتحدد شكل المجلس، بل ويتحدد مستوى حياتنا اليومية.

فلنجعل من الانتخابات محطة وعيٍ لا محطة مجاملة، ومن التوافق التزامًا حقيقيًا لا اتفاقًا عابرًا. فالمجالس القوية لا تُبنى بكثرة المتوافقين، بل بصدق الرؤية ووحدة الهدف. وصوت الناخب ليس ورقة عابرة، بل قرار تنموي يرسم ملامح الغد.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:45 صباحًا - بتوقيت القدس

فعاليات أكاديمية وثقافية لتعزيز التعاون العلمي والثقافي بين المغرب وفلسطين

نظم كرسي الدراسات المغربية بجامعة القدس، أمس، فعاليات أكاديمية وثقافية، بعنوان: "من الفضاء الأكاديمي إلى المشروع البحثي: الدبلوماسية الثقافية المغربية في خدمة القدس"، بمشاركة شخصيات أكاديمية، مغاربة وفلسطينيين.

واستهلت الفعاليات، التي احتضنتها جامعة القدس، بزيارة مقر كرسي الدراسات المغربية في كلية الهندسة، قبل تدشين رواق الكتاب المغربي، في مكتبة الجامعة، بحضور سفير المملكة المغربية لدى دولة فلسطين، عبد الرحيم مزيان، ورئيس الجامعة، الدكتور حنا النور، إلى جانب المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، ورئيسة الكرسي، الدكتورة صفاء ناصر الدين.

وشملت الفعاليات الأكاديمية والثقافية محاضرة وعرض أبحاث في موضوع الدبلوماسية الثقافية المغربية في خدمة القدس.

بهذه المناسبة، استعرض الشرقاوي في مداخلته الأدوار التي تضطلع بها وكالة بيت مال القدس الشريف في دعم صمود المقدسيين وتعزيز الهوية الحضارية للمدينة.

وأكد أن المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس بصفته رئيسًا لـلجنة القدس، توظف أدواتها الثقافية والتراثية والتعليمية لترســـيخ الحضور العربي والإسلامي في القدس، عبر مشاريع نوعية تســــتهدف مختلف الفئات المجتمعية.

وسلط الشرقاوي الضوء على نماذج عملية للدبلوماسية الثقافية المغربية، من بينها ترميم المعالم التاريخية، وتنظيم الأسابيع الثقافية المغربية، ودعم الحرف التقليدية، إضافة إلى البرامج التعليمية والمنح الدراسية، التي تسهم فعليًا في تمكين المجتمع المقدسي اقتصاديًا وثقافيًا، بما يعزز صموده في مواجهة التحديات.

من جانبه، أكد رئيس جامعة القدس، أهمية احتضان الجامعة للمبادرات الأكاديمية التي تعزز الشراكات الدولية وتدعم البحث العلمي في خدمة القدس، مشددا على أهمية توسيع دائرة التعاون الأكاديمي والإعلامي للتعريف بالرواية التاريخية والحضارية للمدينة المقدسة.

بدوره، استعرض سفير المملكة المغربية، معالم الدبلوماسية الثقافية المغربية، مؤكدًا أهمية القوة الناعمة في تعزيز الروابط التاريخية والإنسانية بين المغرب والقدس.

وأكد أن المملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، تنظر إلى التعليم والبحث العلمي بوصفهما "ركيزة أساسية لحماية الهوية ودعم الاستقرار المجتمعي في القدس".

وقدم عضو اللجنة العلمية لكرسي الدراسات المغربية الدكتور محمد السمار، قراءة تحليلية لمفهوم الدبلوماسية الثقافية وأطرها النظرية، مؤكدًا أهمية تأطيرها ضمن مقاربات بحثية منهجية تعزز الإنتاج العلمي الرصين.

وأكد رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة عين الشق بالدار البيضاء، الأستاذ مصطفى فوزي، أن الحضور المغربي في القدس، بأوقافه العريقة وإرثه العلمي والصوفي، يشكل جزءًا من الهوية المغربية المتجذرة عبر التاريخ.

أما الدكتورة ناصر الدين، فقد أوضحت أن هذه الفعاليات تعكس انتقال كرسي الدراسات المغربية إلى مرحلة تعميق المشاريع البحثية وتوسيع مجالات التعاون العلمي، مشيرةً إلى أهمية ربط البحث الأكاديمي بالتطبيقات التقنية الحديثة، وإشراك الطلبة في مشاريع عملية تسهم في توثيق المعرفة وإتاحتها بصورة منظمة ومستدامة.

من حهته، قدم الأستاذ بشير بركات عرضا حول كتابه «خطط مقدسية»، تناول فيه أهمية التوثيق العمراني والثقافي للمدينة، أعقبه عرض للطالبة تقى عتيق حول مشروع رقمنة الكتاب وتحويله إلى منصة رقمية ضمن مشروعها البرمجي، في نموذج يعكس تكامل البحث الأكاديمي مع الحلول التقنية.

وشملت الندوة عرضاً لمختارات من ملخصات الباحثين المشاركين في النداء البحثي الثاني لكرسي الدراسات المغربية، ما أبرز تنوع المقاربات العلمية وأهميتها في تعميق الدراسات المرتبطة بتاريخ القدس وذاكرتها.

إثر ذلك، جرى تنصيب الدكتور زياد عياد عضواً في اللجنة العلمية، وهو أكاديمي في دائرة العلوم السياسية في جامعة القدس، وخريج جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

تكتل عربي إسلامي يدين مصادرة الاحتلال لأراضي الضفة الغربية

أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية، اليوم الثلاثاء، موقفاً موحداً أدان بشدة إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تصنيف مساحات شاسعة في الضفة الغربية المحتلة كـ 'أراضي دولة'. وضم التحالف الدبلوماسي كلاً من السعودية، والأردن، والإمارات، وقطر، ومصر، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، مؤكدين في بيان مشترك أن هذه الخطوة تهدف لفرض واقع إداري وقانوني جديد يسرع من عمليات الضم الفعلي.

وشددت الدول الموقعة على البيان على انعدام سيادة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني وعرقلة أي جهود دولية لتحقيق الاستقرار في المنطقة. ويأتي هذا التحرك في وقت بدأت فيه سلطات الاحتلال، منذ منتصف فبراير الجاري، إجراءات غير مسبوقة لتسجيل أراضٍ في المنطقة (ج) -التي تمثل نحو 61% من الضفة- تحت بند 'أملاك غائبين' و'أراضي دولة'، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ عام 1967.

من جانبه، دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة، حيث نقلت مصادر دولية إدانة الأمين العام أنطونيو غوتيريش لهذه الإجراءات، مؤكداً أن التوسع الاستيطاني في الضفة والقدس الشرقية يفتقر لأي شرعية قانونية. وحذرت تقارير سابقة من أن حكومة الاحتلال تسعى للمصادقة على مقترح يهدف لضم 15% من المنطقة (ج) بشكل تدريجي بحلول عام 2030، مستغلة ثغرات قانونية للسيطرة على الأراضي التي لا يملك أصحابها الفلسطينيون وثائق ملكية مسجلة رسمياً.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من توظيف 'فزاعة الإخوان' لإعادة تشكيل القرار السياسي في بريطانيا

كشفت تطورات أخيرة داخل مؤسسات الدولة البريطانية عن مطالبات متزايدة برفض استخدام ما يوصف بـ'فزاعة الإخوان المسلمين' في الخطاب السياسي العام. وتأتي هذه التحذيرات في ظل محاولات لتوظيف روايات معينة تهدف لإعادة تشكيل اتجاهات صنع القرار في المملكة المتحدة، بما يخدم أجندات قوى خارجية تسعى لفرض رؤيتها الأمنية والسياسية.

وأكد الكاتب أندرياس كريغ، في تحليل معمق أن بريطانيا مطالبة بالتصدي لمحاولات إحياء صورة 'العدو الإسلاموي' بصيغة فضفاضة تستخدم كشماعة لمختلف المخاوف الاجتماعية والسياسية. واعتبر كريغ أن هذا التوجه يتجاوز النقاش التقليدي حول الإسلام السياسي، ليمس جوهر سلامة الديمقراطية الليبرالية وقدرتها على حماية فضائها العام من التدخلات الخارجية.

وبرزت مؤشرات هذا التوجه بشكل لافت مطلع شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، حين اتخذت السلطات الإماراتية قراراً مفاجئاً باستبعاد الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات المعتمدة للدراسة. وجاء هذا الإجراء ليمثل ضغطاً مباشراً على العائلات والطلاب، وسط ادعاءات بوجود تأثيرات لجماعة الإخوان المسلمين داخل الحرم الجامعي في بريطانيا.

ونقلت مصادر أن التفسيرات الرسمية لهذا القرار تمحورت حول مخاوف من 'التطرف'، وهو ما وضع مئات الطلاب أمام واقع جديد يهدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف للضغط على المؤسسات التعليمية البريطانية لتقييد حرية التعبير والنقاش التعددي الذي يميز بيئتها الأكاديمية.

وفي سياق متصل، أطلق نايجل فاراج، زعيم حزب 'ريفورم يو كيه'، تصريحات حذر فيها مما وصفه بـ'تغلغل الإسلاميين' في مفاصل الدولة والشرطة والمدارس. وتعكس هذه التصريحات، بحسب المحللين، تقاطعاً واضحاً بين خطاب اليمين المتطرف المحلي وسرديات يتم تصديرها من عواصم إقليمية تسعى لشيطنة أي حراك سياسي معارض.

وتشير المعطيات إلى أن ما يجري لا يستند إلى تهديد تنظيمي حقيقي أو متماسك، بل هو نتاج سردية سياسية أعيد إنتاجها بعناية بعد أحداث الربيع العربي. وقد تحولت هذه السردية تدريجياً إلى أداة في 'حرب معلومات' تستهدف المجتمعات الغربية عبر تغذية الاستقطاب الداخلي وتعزيز حضور القوى اليمينية المتطرفة.

ويرى الكاتب أن جماعة الإخوان المسلمين تعرضت خلال العقد الماضي لعملية تفكيك واسعة، خاصة بعد أحداث عام 2013 في مصر وما تبعها من حملات قمع دولية. وأوضح أن تصوير الحركة اليوم كشبكة عالمية منضبطة تدير الأحداث من خلف الستار هو ادعاء يتجاوز الواقع الفعلي للحركة التي تعاني من انقسامات حادة وتشتت تنظيمي.

وتستخدم أبوظبي وتل أبيب مصطلح 'الإخوان' كإطار تفسيري جاهز لإلصاق التهم بطيف واسع من المنتقدين، بمن في ذلك النشطاء العلمانيون المعارضون للتطبيع. ويهدف هذا التوسع في استخدام التسمية إلى تبرير سياسات الرقابة المشددة على المجتمع المدني والمساجد، سواء داخل المنطقة العربية أو في العواصم الغربية.

وعلى الصعيد الإقليمي، تُوظف هذه السردية لدعم تحالفات مع أنظمة وميليشيات في دول مثل ليبيا والسودان تحت شعار مواجهة الإسلاميين. كما يتم تصدير ذات الرواية لتفسير قضايا دولية كبرى، بدءاً من الحرب المستمرة في قطاع غزة وصولاً إلى الاحتجاجات الطلابية العارمة في الجامعات الأمريكية والأوروبية.

ولفت التحليل إلى وجود تقارب ملحوظ بين دوائر إماراتية وإسرائيلية وبعض قوى اليمين المتطرف في أوروبا، وهو ما تجلى في تقارير عن دعم مالي لأحزاب يمينية فرنسية. وتلعب منصات إعلامية مثل 'فيشغراد 24' دوراً محورياً في ترويج محتوى يدعم الاحتلال الإسرائيلي ويحذر في الوقت ذاته من 'التغلغل الإسلاموي' المزعوم.

وتحمل هذه الخطابات رسالة مشتركة مفادها أن الغرب يتعرض لحصار ثقافي وأمني يستوجب صعود 'الزعيم القوي' كحل وحيد لمواجهة هذه التحديات. ويندرج هذا النمط ضمن مفهوم 'تسليح السرديات'، حيث تُستخدم الروايات السياسية لتحفيز الجمهور على تبني خيارات تخدم مصالح الجهات التي تقف وراء صياغة هذا الخطاب.

ورغم أن المدافعين عن هذا التوجه يشيرون إلى انخراط بعض فروع الإخوان في العنف سابقاً، إلا أن كريغ يشدد على خطورة تعميم الاتهام ليشمل مجتمعات كاملة. فخلط الأمن بالخلاف السياسي المشروع يؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض النقاش الديمقراطي الحر وتحويله إلى أداة بيد القوى السلطوية.

ودعا المقال إلى ضرورة إخضاع أي تمويل أجنبي لمراكز الأبحاث والأحزاب السياسية في بريطانيا لرقابة صارمة وشفافية كاملة. كما أكد على أهمية الفصل الواضح بين سياسات الأمن الداخلي الوطنية وبين 'نقاط الحديث' التي يروج لها شركاء خارجيون يسعون لتحقيق مكاسب جيوسياسية على حساب القيم البريطانية.

وفي الختام، شدد الكاتب على أن الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية لا يمكن أن يُفوض لأطراف تخشى التعددية الثقافية والسياسية بطبيعتها. واعتبر أن استيراد 'فزاعة الإخوان' إلى الساحة البريطانية يمثل محاولة خطيرة لإعادة هندسة الوعي العام، مؤكداً أن حماية المؤسسات الديمقراطية هي مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان يودع محسن دلول: رحيل أحد أبرز وجوه السياسة ووزير الدفاع الأسبق

فقدت الساحة السياسية اللبنانية صباح اليوم الثلاثاء، أحد أبرز وجوهها التاريخية برحيل الوزير والنائب السابق محسن دلول، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 93 عاماً. ويعد دلول من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في العمل العام، حيث ولد في بلدة علي النهري بالبقاع عام 1933، وبدأ مسيرته المهنية في قطاع التعليم قبل أن ينتقل إلى عالم الصحافة وينضم لنقابة المحررين.

انخرط الراحل في العمل الحزبي مبكراً بانضمامه إلى الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1951، حيث نسج علاقة وثيقة واستثنائية مع مؤسس الحزب كمال جنبلاط. وعقب اغتيال جنبلاط الأب في عام 1977، استمر دلول في أداء دور محوري كمساعد لنجله وليد جنبلاط، مما ثبّت مكانته كأحد الفاعلين الأساسيين في الخارطة السياسية اللبنانية لعدة عقود.

على الصعيد البرلماني، مثل محسن دلول منطقة البقاع في مجلس النواب لسنوات طويلة، حيث انتخب نائباً لأول مرة عام 1991 عن دائرة بعلبك - الهرمل. وتوالت نجاحاته الانتخابية في دورات 1992 و1996 و2000، متنقلاً في تمثيله بين دوائر زحلة ومحافظة البقاع، مما عكس ثقلاً شعبياً وسياسياً واسعاً في تلك المناطق التي طالما طالب بإنصافها تنموياً.

تولى الراحل مسؤوليات وزارية جسيمة في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان الحديث، حيث شغل منصب وزير الزراعة في حكومات متتالية بين عامي 1989 و1992. وقد عمل خلال تلك الفترة تحت رئاسة كل من سليم الحص وعمر كرامي ورشيد الصلح، مساهماً في إدارة شؤون القطاع الزراعي في وقت كانت البلاد تحاول فيه النهوض من تداعيات الأزمات المتلاحقة.

تعتبر الحقبة التي تولى فيها دلول وزارة الدفاع الوطني بين عامي 1992 و1995 هي الأبرز في مسيرته السياسية، حيث جاء تعيينه ضمن أولى حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري. وشهدت هذه المرحلة ترتيبات أمنية وسياسية معقدة في أعقاب الحرب الأهلية، وكان دلول مطلعاً على أدق تفاصيل بناء الدولة وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في ذلك التوقيت الحرج.

كان الوزير الراحل شاهداً حياً على كواليس الصراع السياسي الذي دار بين الرئيس رفيق الحريري والقيادة في دمشق، وامتلك مخزوناً واسعاً من الأسرار المتعلقة بتلك الحقبة. وقد وثق دلول شهادته التاريخية في مقابلات إعلامية مطولة، تحدث فيها عن مرافقته لرموز السياسة اللبنانية وتأثيرهم في صياغة مستقبل البلاد، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي عصفت بلبنان.

يغادر محسن دلول المشهد تاركاً وراءه إرثاً من المواقف السياسية التي دافعت عن حقوق المناطق المحرومة، لاسيما البقاع وعكار، التي كان يرى أنها لم تنل نصيبها العادل من الرعاية الرسمية. وبوفاته، تطوى صفحة من تاريخ رجال الدولة الذين عاصروا مراحل التأسيس والحروب والنهوض، وظلوا فاعلين في توجيه البوصلة السياسية اللبنانية لسنوات طويلة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

كينيث روث: القانون الدولي يواجه 'نقطة انهيار' في غزة والسودان والمحكمة الجنائية مكبلة

يرى الخبير القانوني الأمريكي كينيث روث أن القانون الدولي الإنساني لا يزال يمثل الأداة الضرورية الوحيدة لمعالجة الفظائع والانتهاكات الجسيمة في قطاع غزة والسودان وأوكرانيا. وأوضح روث، المدير السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن هذا القانون يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تهدد فاعليته في حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة.

واستند روث في تحليله إلى دراسة شاملة للنزاعات الحالية، مشيراً إلى أن القانون الإنساني وصل إلى 'نقطة انهيار حرجة' نتيجة تجاهل القوى الكبرى للمعايير الدولية. ومع ذلك، اعتبر أن ردود الفعل العالمية الواسعة تجاه استهداف المدنيين تؤكد أنه من السابق لأوانه إعلان موت هذا النظام القانوني العالمي.

وفيما يتعلق بالعدوان على قطاع غزة، أكد روث أن إسرائيل انتهكت بشكل صارخ اتفاقيات جنيف التي تعد الركيزة الأساسية للقانون الدولي. وأشار إلى أن جيش الاحتلال اعتمد سياسة القصف العشوائي للأحياء السكنية، واستهدف المدنيين بشكل مباشر، فضلاً عن استخدام التجويع كسلاح عبر الحرمان من الغذاء والضروريات.

وانتقد الخبير القانوني الشلل الذي أصاب مجلس الأمن الدولي نتيجة استخدام واشنطن لحق النقض 'الفيتو' لحماية إسرائيل من المساءلة. ورغم هذا التعطيل، لفت روث إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واصلا إصدار إدانات متكررة، وفعّلا آليات رصد أكدت وقوع إبادة جماعية.

وتطرق المقال إلى المسار القضائي الدولي، حيث تنظر محكمة العدل الدولية في اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة ضد إسرائيل، مع مطالبة واضحة بإنهاء الاحتلال غير الشرعي. كما برزت تحركات المحكمة الجنائية الدولية التي وجهت اتهامات مباشرة لبنيامين نتنياهو ويوآف غالانت بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وفي سياق الموقف الأمريكي، لاحظ روث تناقضاً حاداً، حيث استمرت واشنطن في تقديم الدعم العسكري المطلق لإسرائيل رغم توثيق الجرائم. واعتبر أن هذا السلوك جعل الولايات المتحدة تبدو كشريك في الفظائع المرتكبة، مما أضعف هيبة القانون الدولي الذي تدعي حمايته.

وعقد روث مقارنة بين رد الفعل الدولي تجاه غزة وتجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث واجهت موسكو عقوبات واسعة وملاحقات قضائية دولية. ورأى أن هذه الاستجابة، رغم عرقلة مجلس الأمن، تثبت أن المجتمع الدولي لا يقبل السلوكيات غير القانونية عندما تتوفر الإرادة السياسية.

أما في القارة الأفريقية، فقد سجل روث ضعفاً ملحوظاً في الاستجابة الدولية تجاه الحرب الأهلية الدامية في السودان والتدخلات العسكرية في شرق الكونغو الديمقراطية. واعتبر أن هذا التفاوت في التعامل مع الأزمات الإنسانية يغذي الشعور بازدواجية المعايير ويقوض شمولية القانون الدولي.

وحول دور المحكمة الجنائية الدولية، أكد الأستاذ في جامعة برينستون أنها الهيئة الأنسب لإنفاذ العدالة ومحاكمة مجرمي الحرب. لكنه حذر من المحاولات المستمرة لتقويضها، خاصة من قبل الإدارة الأمريكية التي فرضت عقوبات على مسؤولي المحكمة لثنيهم عن ملاحقة القادة الإسرائيليين.

وكشف روث عن أزمة داخلية تعيشها المحكمة الجنائية، حيث تعاني من فراغ في منصب المدعي العام الرئيسي منذ مايو 2025. ويأتي هذا التعطيل على خلفية تحقيقات مع المدعي كريم خان في مزاعم تحرش، وهو ما حال دون اتخاذ إجراءات حاسمة في ملفات غزة والسودان.

وأوضح المقال أن هذا الوضع المتردي منع المحكمة من توجيه اتهامات علنية بشأن حملات القصف العنيف في غزة أو التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. كما غابت الملاحقات القضائية عن مرتكبي الفظائع في السودان، مما منح الجناة شعوراً بالإفلات الدائم من العقاب.

وفي ختام تحليله، دعا كينيث روث الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، والبالغ عددها 125 دولة، إلى التحرك العاجل لتعيين مدعٍ عام دائم. وشدد على ضرورة توحيد الجهود الدولية للدفاع عن الضحايا وضمان إنفاذ القانون بشكل متسق بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

نزيف الداخل الفلسطيني.. تصاعد قياسي في جرائم القتل واتهامات للاحتلال بالتقاعس الممنهج

تواجه المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في وتيرة العنف والجريمة المنظمة، حيث باتت العصابات المسلحة تفرض سطوتها على البلدات العربية عبر الترهيب والابتزاز. وتغض مصادر أمنية إسرائيلية الطرف عن كبح جماح هذه المجموعات، مما أدى إلى تحول الشوارع العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الدامية.

وشهد صباح الاثنين 16 فبراير/شباط فصلاً جديداً من فصول هذا النزيف، حيث قُتل رجل وابنه في جريمة إطلاق نار مروعة بمدينة أم الفحم، بالتزامن مع وقوع جريمة أخرى في مدينة طمرة بالجليل أودت بحياة شخص ثالث. هذه الحوادث المتلاحقة تعكس حالة الانفلات الأمني التي تعيشها المجتمعات العربية في ظل غياب الرادع القانوني والأمني.

ووفقاً لبيانات الرصد الميداني، فقد ارتفعت حصيلة القتلى في المجتمع العربي منذ مطلع العام الجاري إلى 48 قتيلاً، من بينهم 22 ضحية سقطوا منذ بداية شهر فبراير الحالي فقط. وتشير الأرقام إلى أن شهر يناير الماضي سجل وحده 26 قتيلاً، مما يظهر تسارعاً مخيفاً في معدلات الجريمة مقارنة بالسنوات الماضية.

وبالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي التي سجلت 34 قتيلاً، يظهر جلياً حجم التدهور الأمني الذي يعصف بالداخل الفلسطيني. وقد شملت قائمة الضحايا هذا العام نساءً وفتية في مقتبل العمر، بالإضافة إلى مواطن لقي حتفه برصاص الشرطة الإسرائيلية، مما يعمق جراح المجتمع المنهك.

وكان عام 2025 قد سجل حصيلة ثقيلة بلغت 252 قتيلاً، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على تحول الجريمة إلى أزمة بنيوية تهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني. ويرى خبراء أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جنائية، بل هي نتيجة لسياسات متعمدة تهدف إلى إضعاف المجتمع من الداخل.

ومنذ تولي حكومة اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو السلطة، قُتل أكثر من 800 فلسطيني برصاص عصابات الجريمة المنظمة في الداخل. وترافق ذلك مع تسجيل آلاف الإصابات الجسدية والنفسية، حيث تشير المعطيات إلى وجود أكثر من 500 طفل يتيم نتيجة هذه الجرائم التي لا تتوقف.

وتشير تقارير مركز أمان إلى وقوع أكثر من 75 ألف حادثة إطلاق نار خلال الفترة الماضية، وهو رقم يعكس حجم انتشار السلاح غير المرخص. ويتهم قادة المجتمع العربي مصادر أمنية بالتقاعس المتعمد عن جمع هذا السلاح أو ملاحقة الرؤوس المدبرة لشبكات الإجرام والابتزاز.

ويرى ناشطون وباحثون أن الجريمة المنظمة تحولت إلى أداة سياسية غير مباشرة لتفكيك المجتمع الفلسطيني وتقويض قدرته على التنظيم. إن انتشار الخوف وفقدان الأمن يدفع السكان نحو الانكفاء عن الحياة العامة، ويهدد بدفع البعض نحو الهجرة القسرية بحثاً عن الأمان المفقود في بلداتهم.

وفي هذا السياق، أكد الشيخ كامل ريان، رئيس مركز أمان أن تصعيد الحراك المجتمعي أصبح ضرورة ملحة لمواجهة هذا الواقع الأليم. وشدد ريان في تصريحات لمصادر صحفية على وجوب الانتقال من حالة الاحتجاج العفوي إلى العمل المنظم الذي يضع قضية الأمان الشخصي في صدارة الأجندة العامة.

ويعكف مركز أمان حالياً على إعداد خطة خماسية شاملة سيتم تقديمها للجنة المتابعة العليا واللجان القطرية لرؤساء السلطات المحلية. تهدف هذه الخطة إلى بناء أدوات حماية ذاتية وتعزيز التضامن المجتمعي، بعيداً عن الرهان على مؤسسات الاحتلال التي أثبتت فشلها أو تواطؤها.

وأظهر استطلاع رأي حديث أجري في فبراير الجاري أن 87% من المواطنين العرب لا يثقون بقدرة الشرطة الإسرائيلية على لجم الجريمة. وكشف الاستطلاع أن نصف المشاركين يشعرون بانعدام الأمان التام في أماكن سكنهم، بينما يخشى 68% منهم التجول ليلاً في أحيائهم.

كما عبر 73% من المستطلعين عن قلقهم البالغ من حوادث إطلاق النار العشوائي، وتوقع 83% منهم استمرار ارتفاع مستويات الجريمة في السنوات المقبلة. هذه النتائج تعكس أزمة ثقة عميقة وانهياراً في منظومة الأمان المجتمعي التي يجب أن توفرها السلطات المسؤولة.

من جانبه، حمّل الدكتور جمال زحالقة، رئيس لجنة المتابعة العليا، الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن هذا الانفلات الأمني. وأوضح زحالقة أن عدم ردع المجرمين وترك شبكات الابتزاز والسوق السوداء تعمل بحرية هو قرار سياسي يهدف إلى إنهاك الفلسطينيين في الداخل.

وختم زحالقة بالقول إن أمن وكرامة المجتمع العربي حق أساسي لا يمكن المساومة عليه، داعياً إلى تصعيد الضغط الشعبي لتفكيك منظمات الإجرام. وأكد على ضرورة معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمة عبر الاستثمار في قطاعات التعليم والتشغيل لدعم الشباب وحمايتهم من الانزلاق نحو الجريمة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

في ذكرى الثورة الـ15.. ليبيا تواجه معضلة الانقسام المؤسساتي وسط دعوات للحل الانتخابي

تحل الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة في ليبيا وسط مشهد سياسي معقد، حيث يرى مراقبون أن البلاد لا تزال تدفع أثماناً باهظة جراء حالة التشظي المؤسساتي. وأشار خبراء إلى أن الجمود السياسي الحالي يعيق أي تقدم حقيقي نحو الاستقرار، معتبرين أن العودة إلى إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع هي الوسيلة الوحيدة لتجاوز هذه المرحلة الانتقالية الطويلة.

ومنذ اندلاع الثورة الشعبية في السابع عشر من فبراير عام 2011، والتي أدت إلى الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، شهدت البلاد تعاقب تسع حكومات مختلفة. هذا التغيير المستمر في السلطة التنفيذية لم يفلح في إنهاء الانقسام، بل أدى في كثير من الأحيان إلى ترسيخ سلطتين متوازيتين في شرق البلاد وغربها، مما أضعف المركز القانوني للدولة دولياً.

وتتوزع السيطرة الحالية بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دولياً في طرابلس، وبين الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي. هذا الانقسام الإداري لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتد ليشمل المؤسسات السيادية والمالية، مما أدى إلى تشتت الجهود الرامية لإعادة الإعمار وتوحيد الميزانية العامة.

وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي محمد محفوظ أن المصالحة الوطنية يجب أن تُفهم في سياقها الصحيح، مفرقاً بين المصالحة الشعبية التي نجحت في فض نزاعات قبلية، وبين المصالحة السياسية المتعثرة. وأوضح محفوظ أن الأطراف المتصدرة للمشهد حالياً قد لا ترغب في مغادرة السلطة، مما يجعل من توحيد المؤسسات السيادية ضرورة قصوى تسبق أي عملية انتخابية.

من جانبه، لفت المحلل أحمد التهامي إلى أن الفاتورة الاقتصادية للانقسام أصبحت لا تُطاق بالنسبة للمواطن الليبي البسيط، حيث تراجعت قيمة الدينار بشكل ملحوظ. وأضاف أن ارتفاع تكاليف المعيشة هو نتاج مباشر لغياب سياسة نقدية موحدة، مشيراً إلى أن بعض النخب السياسية تستفيد من الوضع الراهن وتخشى أن تنهي المصالحة مكاسبها المادية.

وعلى صعيد التدخلات الخارجية، ذهب المحلل عز الدين عقيل إلى أن القوى الدولية، وتحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، تمارس هيمنة واسعة على الموارد النفطية الليبية. وحذر عقيل من أن استمرار هذا النفوذ الأجنبي يعمق الأزمة الداخلية ويحول دون وصول الليبيين إلى توافق وطني خالص بعيداً عن الإملاءات الخارجية التي تخدم مصالح دولية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع كشف وثائق أمريكية حديثة عن محاولات سابقة لابتزاز مسؤولين ليبيين والاستيلاء على أصول الدولة المجمدة في الخارج. وتتحدث التقارير عن تورط شبكات دولية في التخطيط للسيطرة على استثمارات ليبية تقدر بنحو 200 مليار دولار، وهي أموال موزعة بين ودائع وأسهم وعقارات في عدة دول أوروبية.

إن الصراع على الشرعية بين طرابلس وبنغازي أدى إلى شلل في تقديم الخدمات الأساسية في العديد من المناطق، خاصة في الجنوب الليبي الذي يعاني من تهميش مضاعف. ورغم الجهود التي تبذلها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلا أن الفجوة بين الأطراف المتنازعة لا تزال واسعة، خاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية وشروط الترشح للرئاسة.

ويرى مراقبون أن الحل يكمن في مسار مصالحة حقيقي تقوده مؤسسات دولة موحدة، بعيداً عن التجاذبات التي تخيم على المشهد منذ سنوات. ويشدد هؤلاء على أن أي تأخير إضافي في إجراء الانتخابات سيزيد من مخاطر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، في ظل تزايد حالة الإحباط الشعبي من الوعود المتكررة بالاستقرار.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الحلول العسكرية أو الصفقات السياسية الفوقية لم تنجح في إنتاج استقرار دائم في ليبيا. وبدلاً من ذلك، يطالب الشارع الليبي بضمانات دولية ومحلية لإجراء انتخابات شفافة تنهي شرعية الأجسام السياسية الحالية التي تجاوزت مددها القانونية بسنوات، وتعيد الأمانة إلى الشعب لاختيار ممثليه.

وفي ظل هذا الانسداد، تبرز أهمية توحيد المؤسسة العسكرية كضمانة أساسية لحماية أي عملية ديمقراطية مستقبلية. فبدون جيش موحد يتبع سلطة مدنية منتخبة، ستظل التهديدات الأمنية قائمة، وستبقى المجموعات المسلحة لاعباً مؤثراً في توجيه القرار السياسي والسيطرة على المقدرات الاقتصادية للبلاد.

كما تبرز قضية الأموال المنهوبة والمجمدة كأحد أكبر التحديات التي تواجه أي حكومة مستقبلية، حيث تتطلب جهوداً قانونية ودبلوماسية جبارة لاستعادتها. ويرى خبراء أن هذه الأموال كفيلة بتحويل ليبيا إلى ورشة عمل كبرى لإعادة الإعمار إذا ما وُجهت بشكل صحيح بعيداً عن الفساد الإداري والمالي المستشري.

ختاماً، تبقى ذكرى الثورة الخامسة عشرة محطة للتأمل في المسار الذي سلكته البلاد، بين طموحات التغيير وواقع الانقسام المرير. إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في تحويل هذه الذكرى إلى دافع لإنهاء المرحلة الانتقالية، والبدء في بناء دولة المؤسسات والقانون التي حلم بها الليبيون في فبراير 2011.

أفادت مصادر متابعة للشأن الليبي بأن الضغوط الدولية قد تزداد في الفترة المقبلة لدفع الأطراف نحو طاولة حوار جديدة. ومع ذلك، يبقى الرهان الحقيقي على مدى استجابة القوى المحلية لنداءات التوافق، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية والجهوية الضيقة التي عرقلت مسيرة الدولة لسنوات طويلة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات أممية من تهجير قسري للفلسطينيين جراء توسيع السيطرة الإسرائيلية بالضفة

أعربت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، عن مخاوف عميقة إزاء توسيع سلطات الاحتلال الإسرائيلي نطاق سيطرتها في الضفة الغربية المحتلة. وأكدت شامداساني أن هذه التحركات تهدف بشكل مباشر إلى تسهيل عمليات التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم عبر خلق بيئة طاردة للسكان.

وأوضحت المسؤولة الأممية في تصريحات صحفية أن قرار إسرائيل بتوسيع أنشطة الرقابة والسيطرة في المناطق التي تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية يثير تساؤلات قانونية وحقوقية جدية. وأشارت إلى أن هذه الإجراءات تفرض ضغوطاً متراكمة على المواطنين الفلسطينيين، مما يدفعهم للرحيل القسري غير المباشر دون الحاجة لأوامر طرد رسمية.

وحذرت شامداساني من أن الخطوات الإسرائيلية المتسارعة تعزز واقعاً يفضي إلى ضم غير قانوني للأراضي الفلسطينية، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي. واعتبرت أن هذه السياسات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني والمدني في الضفة الغربية المحتلة لفرض سيادة إسرائيلية دائمة عليها.

وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية 'الكابينت' قد أقر في الثامن من فبراير الجاري سلسلة قرارات تستهدف تغيير الواقع الميداني في الضفة. وتمنح هذه القرارات سلطات الاحتلال صلاحيات واسعة للرقابة والإنفاذ في المناطق المصنفة 'أ' و 'ب' التي كانت تتبع إدارياً للسلطة الفلسطينية.

وتتذرع سلطات الاحتلال في قراراتها الجديدة بملاحقة ما تصفه بمخالفات البناء غير المرخص وقضايا المياه وحماية المواقع الأثرية والبيئية. إلا أن هذه الذرائع تفتح الباب واسعاً أمام تنفيذ عمليات هدم ومصادرة واسعة النطاق لممتلكات الفلسطينيين في قلب مراكز المدن والقرى الخاضعة للسيطرة الفلسطينية.

وتأتي هذه التطورات لتنسف ما تبقى من تفاهمات اتفاقية 'أوسلو 2' الموقعة عام 1995، والتي قسمت الضفة إلى ثلاث مناطق إدارية وأمنية. فبينما كانت المنطقة 'أ' تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، أصبحت الآن مهددة بتوغل إداري وأمني إسرائيلي مباشر ينهي خصوصيتها القانونية.

وأكدت المتحدثة الأممية أن الضفة الغربية تعيش 'بيئة ضاغطة' للغاية تفاقمت حدتها منذ السابع من أكتوبر 2023 بالتزامن مع الحرب المستمرة على قطاع غزة. وأشارت إلى أن التضييق على الحيز المتاح للفلسطينيين للعيش والعمل كان نهجاً قائماً وتصاعد بشكل دراماتيكي خلال الأشهر الأخيرة.

ووثق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 1052 فلسطينياً في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منذ بدء التصعيد الأخير. وأوضحت التقارير أن هؤلاء الضحايا سقطوا برصاص قوات الاحتلال أو خلال اعتداءات نفذها مستوطنون تصفهم المنظمة الدولية بأنهم غير قانونيين.

ورصدت المصادر الأممية أنماطاً متعددة من الانتهاكات المنهجية، شملت الاعتداء بالضرب المبرح واحتجاز الفلسطينيين تعسفياً في ظروف وصفتها باللاإنسانية. كما لفتت إلى تصاعد القيود المفروضة على حرية الحركة، مما أعاق وصول السكان إلى الغذاء والخدمات الصحية والتعليمية الأساسية.

وشددت شامداساني على أن هذه القيود تمنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية وأماكن عملهم، مما يدمر البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية. واعتبرت أن هذا الحصار الممنهج يندرج ضمن خطة أوسع لترسيخ واقع الضم غير القانوني على الأرض.

وفي تقييمها للوضع الحقوقي، أشارت المسؤولة الدولية إلى أن الأمم المتحدة تلاحظ منذ عقود وجود انتهاكات منهجية لحقوق الفلسطينيين. وأكدت أن المكتب وثق أشكالاً من التمييز المستمر التي قد ترقى في توصيفها القانوني إلى مستوى نظام الفصل العنصري 'أبارتهايد'.

وطالبت المتحدثة المجتمع الدولي بضرورة التدخل العاجل لوقف هذا النهج التصعيدي وإلزام إسرائيل باحترام مسؤولياتها كقوة احتلال بموجب القانون الدولي. ودعت إلى إيلاء اهتمام أكبر لما يجري في الضفة الغربية من عمليات تغيير ديموغرافي وقانوني متسارعة.

من جانبها، تشير المعطيات الفلسطينية الرسمية إلى أرقام أكثر مأساوية، حيث بلغ عدد الشهداء في الضفة منذ أكتوبر 2023 نحو 1112 شهيداً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة أكثر من 11 ألفاً و500 فلسطيني، في حين تجاوز عدد المعتقلين في سجون الاحتلال حاجز 21 ألف معتقل.

وخلصت شامداساني إلى أن تكثيف الاعتداءات الإسرائيلية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتوسع الاستيطاني، يمهد الطريق لضم الضفة الغربية رسمياً. وحذرت من أن الصمت الدولي تجاه هذه الإجراءات سيؤدي إلى ترسيخ واقع غير قانوني يصعب التراجع عنه في المستقبل القريب.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

أستراليا توصد الأبواب أمام رعاياها في مخيمات سوريا: 'رتبوا أسرتكم بأنفسكم'

جدد رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، تأكيد موقف بلاده المتشدد حيال مواطنيها المحتجزين في المخيمات السورية، معلناً أن الحكومة لن تتخذ أي خطوات لاستعادة المشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولة. وأوضح ألبانيزي أن كانبيرا تتبنى سياسة حازمة تقضي بعدم تقديم أي مساعدة لوجستية أو تسهيلات رسمية لضمان عودة هؤلاء الرعايا إلى الأراضي الأسترالية.

تأتي هذه التصريحات في أعقاب واقعة شهدت عودة 34 أسترالياً من النساء والأطفال إلى مخيم روج الذي تديره قوى كردية في شمال شرق سوريا، بعد وقت قصير من محاولة مغادرتهم. وأفادت مصادر ميدانية بأن فشل عملية المغادرة جاء نتيجة سوء تنسيق مع السلطات في دمشق، مما أجبر الحافلات التي كانت تقلهم على العودة أدراجها إلى المخيم الواقع في محافظة الحسكة.

وكانت إدارة المخيم قد شرعت في إجراءات تسليم 11 عائلة تضم 34 شخصاً يحملون الجنسية الأسترالية إلى وفد من ذويهم الذين وصلوا إلى المنطقة لاصطحابهم. وبحسب مسؤولي المخيم، فإن المجموعة نُقلت بالفعل عبر حافلات صغيرة باتجاه العاصمة دمشق، إلا أن غياب الترتيبات الأمنية والسياسية الكافية حال دون إتمام الرحلة.

وفي حديثه لهيئة الإذاعة العامة الأسترالية، استخدم ألبانيزي لغة قاسية لوصف الموقف، مستشهداً بمثل شعبي يقول 'رتب سريرك بنفسك فأنت من يرقد فيه'. وأشار إلى أن حكومته لا تشعر بأي تعاطف تجاه الأفراد الذين قرروا طواعية السفر والانضمام إلى تنظيمات تهدف إلى تقويض قيم المجتمع الأسترالي وتدمير نمط حياته المستقر.

ورغم اعتراف رئيس الوزراء بأن هذا القرار يلقي بظلاله الثقيلة على الأطفال الأبرياء المتواجدين في تلك المخيمات، إلا أنه أصر على حجب المساعدة الحكومية. وحذر ألبانيزي من أن أي مواطن ينجح في العودة بجهوده الخاصة سيخضع للمساءلة القانونية الصارمة، وسيواجه قوة القانون في حال ثبت تورطه في أي أنشطة إجرامية أو إرهابية.

وتشهد المنطقة حالة من عدم الاستقرار الأمني، خاصة بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية 'قسد' من مخيم الهول الشهر الماضي إثر تصعيد عسكري مع القوات الحكومية. هذا الانسحاب أدى إلى خروج آلاف المحتجزين، بينهم آلاف الأجانب، إلى جهات غير معلومة، وسط غموض يلف ملابسات خروجهم والمخاطر الأمنية المترتبة على ذلك.

داخلياً، تثير قضية 'عائدو سوريا' انقساماً حاداً في الأوساط السياسية الأسترالية منذ سنوات، حيث تقود المعارضة المحافظة جبهة الرفض القاطع للعودة لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي. ويرى المعارضون أن استعادة هؤلاء الأفراد قد تشكل تهديداً مباشراً للمجتمع، وهو ما يتماشى مع التوجه الحالي للحكومة العمالية برئاسة ألبانيزي.

في المقابل، تضغط منظمات حقوقية دولية مثل 'هيومن رايتس ووتش' و'سايف ذي تشيلدرن' على الحكومة للوفاء بالتزاماتها القانونية والأخلاقية تجاه مواطنيها، وخاصة الأطفال. وكانت منظمة 'سايف ذي تشيلدرن' قد رفعت دعوى قضائية في منتصف عام 2023، مطالبة الدولة بالتدخل لإنقاذ النساء والأطفال من الظروف المعيشية المأساوية داخل المخيمات.

ويبقى مصير العشرات من الأستراليين معلقاً في مخيم روج، في ظل غياب أي أفق ديبلوماسي لتسوية أوضاعهم بين الحكومة الأسترالية والسلطات السورية أو الإدارة الكردية. وتعكس هذه الأزمة تعقيدات الملف الإنساني الممزوج بالحسابات السياسية والأمنية التي ترفض فيها الدول الغربية استعادة مواطنيها المرتبطين بمناطق النزاع.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

ضحكةٌ ساخرةٌ في وجه قتامةِ الواقع


جاء صديقنا وفي جعبته تقريرًا صحفيًا أعدّه للجريدة حول الواقع الاقتصادي في المدينة، وأحوال الناس مع اقتراب حلول شهر رمضان الفضيل، وسرعان ما بدأ يخبرنا عن خطوات وزارة الاقتصاد في مكافحة الأغذية الفاسدة والمنتهية الصلاحية، وطُرق تلاعب التجار المكتشفة حول تغيير تواريخ انتهاء البضائع، وسياسات الاحتكار، والتشريعات الموضوعة بهذا الخصوص، ومخزون المواد الغذائية في الأسواق، والارتفاع غير المفهوم في بعض الأصناف كاللحوم والدواجن، مرورًا بشكوى التجار من حالة الكساد غير المسبوقة رغم عدم ارتفاع أسعار بعض السلع، والعروض التي تقدمها المحلات التجارية التي أصبح اسمها"مول"، إلا أن الإقبال لا يزال ضعيفًا، وفي فورة انهماك صديقنا الصحفي وإسهابه في الشرح الذي وصل إلى حد أصحاب البسطات على الأرصفة، وعجز البلدية عن تنظيم سوق لهم، حتى صدمهُ صديق مشترك برأيه، كان منذ البداية يجلس مصغيًا، يحتسي قهوة ويراقب حركات الكلام في فم صديقنا الصحفي، وفجأة نطق ساخرًا: لا تصدق شكواهم، فالأوضاع جيدة جدًا، بل ممتازة، والأسعار في متناول الجميع، ولكنهم اعتادوا الشكوى. اكتب تقريرًا آخر وضع عنوانًا له: "واقع اقتصادي مزدهر على أبواب رمضان في الأراضي الفلسطينية". وقف صديقنا الصحفي مذهولًا مما ظن أنها رؤيا مختلفة لمشاهداته في الشارع والطريق والأسواق، ولولا أن صديقنا الساخر ضحك لظن الأمر جديًا، أو أنه يعمل لدى جهة أمنية أو سيادية، ويكون عندئذ قد وقع في الفخ، ثم أردف يقول: هي أضغاث أحلام، وربما هذه الأمنيات تتحقق ذات يوم، لتكتبها بقلمك قبل أن تحال إلى التقاعد. ضحكنا وانتهى اللقاء بيننا، ضحكة الساخرين في مواجهة قتامةِ الواقع.


فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

وزيرة الخارجية الفلسطينية تؤكد تمسك القيادة بوحدة الأرض ورفض سياسات الضم

أكدت وزيرة الخارجية الفلسطينية د. فارسـين أغابكيان شاهين أن الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية تقوم على وحدة الأرض الفلسطينية وتثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه في كل من قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، مشددة على أن القضية الفلسطينية هي “قضية حق” وليست رواية دينية كما تحاول إسرائيل تصويرها.

وأوضحت شاهين أن الجهد الدبلوماسي الفلسطيني يتركز على دحض الروايات الإسرائيلية التي توظف الدين لتبرير السيطرة على الأرض الفلسطينية المحتلة، مؤكدة أن السلطة الوطنية الفلسطينية تمثل حكومة دولة فلسطين المعترف بها دولياً من قبل أكثر من 160 دولة، وأنها جاءت استناداً إلى اتفاقات ومرجعيات دولية.

وشددت على أن القيادة الفلسطينية تعمل على تقوية السلطة الوطنية عبر إجراءات عملية على الأرض، مع تحميل إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، مسؤولياتها القانونية، ووقف سياسات الضم والتهجير التي تقوض فرص الاستقرار.

كما دعت وزيرة الخارجية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والسياسية في حماية القانون الدولي ودعم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية، مؤكدة أن توحيد الحالة الفلسطينية يمثل مسؤولية وطنية جماعية لا تقع على عاتق جهة واحدة.

وأشارت إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قدم رؤية واضحة لتوحيد الصف الفلسطيني ضمن إطار دولة واحدة وحكومة واحدة وسلطة قانون واحدة، داعية إلى تجاوز الانقسامات الحزبية والعمل ضمن مشروع وطني جامع يهدف إلى إنهاء الاحتلال.

وختمت شاهين تصريحاتها بالتأكيد على أن تحقيق شرق أوسط آمن ومستقر يتطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية يشكل ضرورة للاستقرار، وأن البديل عن ذلك سيكون الفوضى.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس

اللي بكبّر حجرو..!!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

تحت ضغط الدفع بالمزيد من البوارج وحاملات الطائرات، وتواصل التغريدات بالتحذير من سوء المآلات، إنْ رفضت طهران الانصياع لرغبة "الأخ الأكبر" بوقف برنامجها النووي، وتفكيك برنامجها الصاروخي، والتخلي عن أذرعها في المنطقة. تنعقد اليوم في جنيف مفاوضات ما سمي "الفرصة الأخيرة"، فيما تبدي طهران مقارباتٍ قد تبدو مقبولة لدى ترمب، الذي يرفع سقف المطالب ليحقق مطلبه الوحيد المتعلق بوقف التخصيب. 

لم يستطع عجوز الليكود تأليب صاحب الذات المتضخمة على إيران عبر عرضه خلال لقائه به في البيت الأبيض، الذي استغرق ثلاث ساعات، مواد تنطوي على إهانةٍ شخصية، فيما أغدق عليه بالمديح لاستمالته لقبول روايته، واستعجال توجيه الضربة المنتظرة. 

إعلان ترمب تحريك حاملة الطائرات "جيرالد فورد" إلى بحر العرب، التي سبقتها إليه "أبراهام لينكولن"، والتي هي جزء من "الديكور التفاوضي" الذي يتقنه صاحب الصفقات، يكشف أن الرجل لا يسعى لاستخدام قوته بقدر ما يرمي لترهيب عدوه ووضعه أمام الضغوط القصوى، ليقول في حال الاتفاق: نُصرت بالرعب.

احتمالات التوصل لاتفاق تومئ لها لهجة نتنياهو المخففة، التي جنحت لامتداح ما يقوم به ترمب، رغم معرفته أن تفكيك الصواريخ لن يكون ضمن الاتفاق المرتقب، فالذئب الذي راهن على الحسم العسكري يجد نفسه اليوم مضطرًا لمباركة اتفاقٍ لا يستجيب لنوازعه، خشية الاصطدام مع شريكه.

يبدو أن طهران التي تجيد حياكة السجاد ولظم خيوطه مستعدة لتقديم تنازلات إزاء التخصيب، مقابل الحصول على امتيازاتٍ ترفع العقوبات، لمعرفتها أن ترمب في النهاية تاجر يسعى لتحقيق أفضل الأسعار. وعليه، فإن ما ستنتهي إليه الحملة في المياه الدافئة لن يتجاوز ضربةً هي أقرب إلى مدفع رمضان، ولا تشبه صخب البوارج وأزيز الطائرات. 

يبحث ترمب اليوم في جنيف عن "صورة تاريخية" تُظهره كصانع سلام، بعد أن حشد للحرب، وانتصر فيها، دون أن يطلق رصاصة واحدة، وهو ما يفسر استعداده للتنازل عن مطلب "تفكيك الصواريخ" مقابل الفوز بمطلب "التخصيب".

منوعات

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس

مسي فرانكفورت ترسم ملامح عالم الغد...اختتام أضخم تجمع دولي لـ “أمبينت”، “كريسماس وورد”، و”كريتيف وورد” لعام 2026

اختتمت في فرانكفورت الألمانية فعاليات “الثلاثية الكبرى” للمعارض التجارية: Ambiente وChristmasworld وCreativeworld لعام 2026، والتي أقيمت بين 6 و10 فبراير بتنظيم من ميسي فرانكفورت (Messe Frankfurt). استقطبت المعارض آلاف الزوار والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم، مؤكدة مكانة فرانكفورت كمركز عالمي لرصد اتجاهات الأسواق والتصميم والابتكار.

وفق البيانات الرسمية، شارك في المعارض أكثر من 4,636 عارضاً من جميع القارات، منهم 88% من الخارج، وزار المعارض نحو 140,000 زائر تجاري من أكثر من 170 دولة، بما فيها فلسطين.

تجارب فلسطينية في قلب المعرض

شارك الحاج كمال النتشة، تاجر أدوات منزلية من الخليل، في المعرض للمرة الثالثة، قائلاً:

"هذه زيارتي الثالثة لميسي فرانكفورت. جئتُ هذا العام ليس لعقد صفقات جديدة فقط، بل لبناء شبكة علاقات مع موردين من شرق آسيا وأوروبا. نجحنا في توقيع تفاهمات لاستيراد خطوط إنتاج صديقة للبيئة لأول مرة في السوق الفلسطيني".

بينما شارك المهندس سامر الاتيرة، مطور ديكور وهدايا من رام الله، للمرة الأولى، وقال:

"المعرض فاق توقعاتي. شاهدت تقنيات الإضاءة الذكية والمواد الجديدة، ووجدت نفسي أبرم اتفاقيات مبدئية لتوريد مستلزمات فنية غير مسبوقة في أسواقنا. التجربة أثبتت أن التاجر الفلسطيني يمتلك ذوقاً رفيعاً ويحتاج فقط للوصول إلى هذه المنصات العالمية".

أمبينت 2026: الابتكار والاستدامة في الضيافة

شكل Ambiente 2026 منصة عالمية لعرض أحدث الاتجاهات في السلع الاستهلاكية، أدوات المائدة، ديكور المنازل، ومنتجات الضيافة والخدمات الغذائية، مع تركيز كبير على المنتجات المستدامة. ركز المعرض على دمج الابتكار مع الاستدامة في مختلف القطاعات، حيث ظهرت تصاميم أدوات المائدة التي تجمع بين الأداء الرفيع والقيم البيئية، بينما كشفت أقسام الديكور المنزلي عن ألوان وتصاميم جديدة تعكس مزاج المستهلك المعاصر، إلى جانب حلول مبتكرة للتخزين والتنظيم. كما شهد قطاع الضيافة والخدمات الغذائية إقبالاً واسعاً من المشترين العالميين، حيث عرضت الشركات أحدث الحلول المخصصة للفنادق والمطاعم من أدوات تقديم وتجهيزات طاولات وأنظمة تقديم الطعام الذكية.

وقال ديفيد تشين، مصمم داخلي لمنتجعات سياحية:

"الابتكارات في أدوات المائدة للفنادق تعكس رغبة عالمية بتقديم تجربة فاخرة وصديقة للبيئة في الوقت نفسه".

كريسماس وورد: الإبهار بصرياً

شهد Christmasworld 2026 أبرز عروض الديكور الموسمي والاحتفالي العالمي، ضمن مساحة تزيد على 73,000 متر مربع، حيث جمع المعرض كبار الموردين والمصممين في مجال الزينة والإضاءة والمنتجات الموسمية. ركز المعرض على تصاميم جريئة تجمع بين المواد الدافئة والمعدنية، إلى جانب استخدام الضوء والانعكاسات اللونية لإضفاء أجواء عصرية، ودمج أشكال هندسية ومواد متينة مع لمسات كلاسيكية، مع الالتزام بالتصميم المستدام.

وأوضحت إلينا رودريغيز، مصممة إضاءة المدن:

"قدمنا تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 40%، ولاحظنا اهتماماً كبيراً من البلديات الكبرى في أوروبا وآسيا."

كما قدم المعرض عروضاً متكاملة من الزينة التقليدية والإضاءة والمنتجات الموسمية القابلة لإعادة التدوير، وخلق منصات للتواصل التجاري بين الموردين والمشترين، ما جعل المعرض أكثر من مجرد مكان للعرض، بل منصة للتبادل التجاري والإبداعي.

كريتيف وورد: الإبداع بلا حدود

برز Creativeworld 2026 كمنصة عالمية للفنون اليدوية وموردي الخامات، مع تركيز على الابتكار والاستدامة والتنوع الإبداعي. شهد المعرض تكريم الفائزين بجائزة النبض الإبداعي 2026 لأفضل أدوات الرسم والأعمال اليدوية، كما سلط الضوء على تصميم الأقمشة والحرف النسيجية التي شهدت تطوراً كبيراً في خيوط وأقمشة جديدة، مع ورش عملية وتقنيات متقدمة في الصباغة، التطريز والحياكة، بالإضافة إلى مساحة للفنون الحضرية حيث تمكن الزوار من المشاركة في فعاليات Graffiti & Street Art. كما شكّل برنامج Creative Academy منصة تعليمية وجاذبة للزوار، مقدماً ورش عمل وجلسات تعليمية حول أحدث الاتجاهات والتقنيات في الحرف اليدوية والابتكار، مع تكريم أبرز المنتجات والأفكار التي تعكس توجهات السوق المستقبلية.

تحديات وفرص

كشف مؤشر الصناعة العالمي عن تباين في المزاج الاقتصادي، إلا أن المشاركين أبدوا مرونة وتفاؤلاً تجاه النصف الثاني من عام 2026، مؤكدين أهمية تبسيط الإجراءات الإدارية في التجارة البينية لتعزيز التعاون الدولي.

وفي كلمة ختامية، أكدت إدارة ميسي فرانكفورت أن النجاح الباهر لهذا العام يشكل قاعدة قوية للنسخة القادمة 2027، مشيرة إلى أن فرانكفورت ستظل دائماً “البوصلة” التي توجه دفة الاقتصاد العالمي في قطاع السلع الاستهلاكية.


تحليل

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:06 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تختبر التحالف الغربي في ميونخ 2026

تحليل إخباري

بدت غزة في مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 كملف سياسي وأخلاقي يطغى على كثير من النقاشات، حتى حين كان جدول الأعمال مزدحماً بأوكرانيا والصين والطاقة. ففي القاعات الرئيسية، وفي الأحاديث الجانبية، بدت الحرب في غزة كأنها اختبار مزدوج: اختبار لحدود النفوذ الأميركي على إسرائيل، واختبار لقدرة أوروبا على تحويل حساسيتها الإنسانية إلى سياسة ضاغطة. حاولت واشنطن ضبط النقاش ضمن فكرة "منع اتساع الحرب" وتخفيف التوتر الإقليمي، بينما دفع الأوروبيون باتجاه لغة أكثر صراحة حول الكلفة الإنسانية وضرورة وقف إطلاق نار طويل، وربط أي مرحلة لاحقة بأفق سياسي واضح.

هذا التوتر لم يأتِ من فراغ. فالحضور الأميركي في ميونخ كان كثيفاً ومتنوعاً، ضم مسؤولين من الإدارة وأعضاء من الكونغرس من الحزبين وقادة عسكريين ومسؤولين أمنيين وخبراء من مراكز بحثية ومسؤولين سابقين. لم تكن المشاركة بروتوكولية، بل بدت محاولة لإرسال رسائل متعددة في وقت واحد: طمأنة الحلفاء بأن الالتزام الأميركي بأمن أوروبا ما زال قائماً، ردع الخصوم وخصوصاً روسيا، وإظهار أن التحالفات الخارجية لا تزال جزءاً من "المصلحة الأميركية" رغم الاستقطاب الداخلي.

واتسم الخطاب الأميركي بثلاث ركائز: التأكيد على أن أوروبا شريك لا يمكن استبداله وأن أمنها جزء من الأمن القومي الأميركي، التحذير من أن التهديد الروسي لم يتراجع وأن أي تهاون في دعم أوكرانيا سيُنتج كلفة أعلى لاحقاً، ثم طرح مفهوم "الردع المتعدد" الذي يربط بين ساحات التوتر المختلفة بوصفها مسارح مترابطة سياسياً وعسكرياً. هذه الصياغة حاولت تقديم صورة قوة قادرة على إدارة ملفات متزامنة، لكنها أخفت أيضاً حقيقة أن إدارة الأزمات أصبحت هي البديل الأكثر حضوراً عن الحلول.

بالنسبة لأوكرانيا، ظهر المؤتمر كأنه منصة لإعادة شحن الدعم الغربي ومنع التعب السياسي. شددت الولايات المتحدة على أن دعم كييف ليس عملاً خيرياً بل استثمار في منع سابقة تغيير الحدود بالقوة. وفي الوقت نفسه، ضغطت واشنطن على الأوروبيين للانتقال من رد الفعل إلى بناء قدرة ردع مستدامة عبر تمويل طويل الأمد وتسريع إنتاج الذخائر. وكان واضحاً أن فجوة التصنيع العسكري في أوروبا، مقارنة بحجم الحرب وطولها، تحولت إلى نقطة ضعف إستراتيجية تفرض نفسها على كل نقاش.

ومن هنا انتقل الحديث إلى الناتو. ناقش الأميركيون مع الحلفاء رفع الجاهزية وزيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع مخزون الذخائر وتحسين سلاسل الإمداد، مع تحديث مفهوم الردع ليشمل الهجمات السيبرانية وحروب المعلومات والضغط الاقتصادي والابتزاز عبر الطاقة. الرسالة الأميركية الأساسية كانت أن أوروبا مطالبة بالتحول من "مستهلك للأمن" إلى "منتج للأمن"، ليس فقط عبر المال، بل عبر توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية وتقليل الاعتماد على واشنطن في بعض القدرات التكتيكية.

لكن غزة ظلت الملف الذي يضغط على صورة الولايات المتحدة أكثر من غيره. فواشنطن وجدت نفسها بين الحفاظ على تحالفها التقليدي مع إسرائيل، وبين مواجهة انتقادات أوروبية ودولية بشأن الكلفة الإنسانية للحرب وغياب تصور سياسي لما بعد العمليات. حاول الخطاب الأميركي الموازنة بين "حق إسرائيل في الأمن" (وفق المعايير الأميركية) وضرورة حماية المدنيين، وبين منع اتساع الحرب وعدم فقدان النفوذ. غير أن هذا التوازن بدا هشاً، لأن كثيراً من الأوروبيين لم يعودوا يكتفون بتعهدات عامة، بل يريدون التزاماً أميركياً بخط سياسي واضح يخفف الانفجار الإقليمي ويعيد الاعتبار للمعايير القانونية.

وفي ملف إيران والبحر الأحمر، ركزت الولايات المتحدة على أن الردع لا يعني التصعيد المفتوح، بل "إدارة المخاطر" عبر ضربات محدودة وعقوبات وتحالفات بحرية وضغط دبلوماسي. بدا أن واشنطن تريد تثبيت معادلة: حماية الملاحة الدولية ومنع توسع الهجمات، دون فتح جبهة تستنزفها وهي تحاول الحفاظ على تركيزها الاستراتيجي الأكبر. وفي هذا السياق، لم يكن الشرق الأوسط ملفاً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة أوسع تربط بين الردع والقدرة على توزيع الموارد.

ورغم أن مؤتمر ميونخ غربي الطابع، إلا أن الصين كانت حاضرة بقوة. ودفعت واشنطن لإبقاء بكين في قلب النقاش، معتبرة أن التحدي الصيني ليس عسكرياً فقط بل صناعي وتكنولوجي وتجاري. وحذرت من الاعتماد الأوروبي على سلاسل توريد حساسة مرتبطة بالصين، خاصة في أشباه الموصلات (Semi-conductors) والمعادن النادرة والبنية التحتية الرقمية. لكن الأوروبيين بدوا أقل حماساً لمعادلة الاصطفاف الكامل، لأن مصالحهم الاقتصادية مع الصين عميقة، لذلك ظل مفهوم "خفض المخاطر" الأوروبي أكثر براغماتية من المقاربة الأميركية.

وفي الطاقة والاقتصاد، قدمت الولايات المتحدة نفسها كداعم لتنويع مصادر الطاقة الأوروبية عبر الغاز الطبيعي المسال وشراكات الطاقة المتجددة. لكن بعض الأوروبيين أبدوا قلقاً من أن واشنطن تستفيد اقتصادياً من الأزمة بينما تتحمل أوروبا كلفة التضخم والركود. هذا التوتر لم يتفجر على المنصات، لكنه كان حاضراً في الكواليس، كإشارة إلى أن التحالف الغربي بات يدار أيضاً بمنطق توزيع الأرباح والخسائر.

وأثار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جدلاً واسعا حين تحدث بصيغة مباشرة عن ضرورة "استعادة الهيمنة الغربية" على النظام الدولي، محملاً الأوروبيين مسؤولية التحول من شركاء مترددين إلى رافعة سياسية واقتصادية وعسكرية للمشروع الغربي. هذا الطرح كشف تناقضاً بين لغة الشراكة ولغة القيادة الأحادية، وبين الحاجة إلى الحلفاء والرغبة في ضبطهم.

وزاد ارتباك الرسالة مع بروز خلاف أميركي–أميركي في المؤتمر، بين من يدعو إلى تشدد أكبر تجاه روسيا والصين، ومن يطالب بأولوية الداخل الأميركي وتقليل الالتزامات الخارجية. كما ظهر اختلاف بين مسؤولين حاليين وسابقين حول غزة وإيران، بين من يرى أن غياب الأفق السياسي يفرض ثمناً أخلاقياً واستراتيجياً، ومن يركز على منع اتساع الحرب وحماية المصالح المباشرة.

في المحصلة، بدا ميونخ 2026 اختباراً مزدوجاً: لصلابة التحالف عبر الأطلسي، ولقدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في ظل استقطابها الداخلي. الولايات المتحدة حضرت لتقول إنها ما زالت القائد، لكنها في الوقت نفسه قالت لأوروبا إن زمن الاعتماد الكامل انتهى. وبين غزة وأوكرانيا والصين، ظهر غرب قائم لكنه أقل ثقة وأكثر توتراً، ومستقبل لن يُحسم بالشعارات بل بشراكة طويلة الأمد قابلة للقياس.


اسرائيليات

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تحليلات إسرائيلية لمفاوضات جنيف: طهران تناور لرفع العقوبات وكسب الوقت النووي

تتجه الأنظار الدولية نحو مدينة جنيف السويسرية التي تشهد انطلاق جولة جديدة من المباحثات المكثفة بين الولايات المتحدة وإيران. تأتي هذه الجولة في وقت حساس يشهد تباينات حادة في الرؤى بين مطالب طهران برفع العقوبات الاقتصادية، وإصرار واشنطن على فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني.

وفي هذا السياق، أشار مئير بن شبات، الذي شغل سابقاً منصب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إلى أن المحادثات المقررة يوم الثلاثاء تجري بوساطة من سلطنة عمان. وأوضح أن التصريحات الإيرانية الرسمية تشير إلى رغبة في حصر النقاش في الجوانب التقنية والقانونية المرتبطة بالملف النووي، مع التمسك بما تصفه طهران بحقها في التخصيب السلمي.

وتشير التقديرات إلى أن الوفد الإيراني المفاوض يضم نخبة من الخبراء الفنيين، مما يعكس رغبة طهران في إظهار جديتها الفنية للتوصل إلى حلول وسط. ومع ذلك، يرى مراقبون أن قضايا جوهرية مثل كمية المواد المخصبة وأعداد أجهزة الطرد المركزي لا تزال تمثل نقاط خلاف معقدة لم يتم حسمها بعد.

وتتوقع مصادر مطلعة أن تطرح إيران خطة عمل تتألف من ثلاث مراحل تهدف في جوهرها إلى كسب الوقت وتخفيف الضغوط الدولية. تشمل هذه الخطة خفض مستويات تخصيب اليورانيوم إلى نسب منخفضة، والسماح بعودة الرقابة اللصيقة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل الحصول على حزمة إعفاءات اقتصادية شاملة.

وعلى المقلب الآخر، يبدو الموقف الأمريكي أكثر تشدداً، حيث تسعى إدارة واشنطن، عبر مبعوثيها يتكوف وكوشنر، إلى تحقيق تجميد كامل وشامل لعمليات التخصيب. وتهدف الاستراتيجية الأمريكية إلى تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل يضمن عدم قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي في المستقبل المنظور.

وبالتزامن مع الحراك الدبلوماسي، لم تغب الرسائل العسكرية عن المشهد، حيث تواصل حاملة الطائرات الأمريكية 'جيرالد فورد' انتشارها في المنطقة. وفي المقابل، أطلق الحرس الثوري الإيراني مناورات بحرية في مضيق هرمز، تضمنت استخدام طائرات مسيرة وسفن سريعة، في خطوة فُسرت على أنها رسالة ردع مباشرة للقوى الغربية.

ويرى بن شبات أن هناك أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل هذه الأزمة، أولها الوصول إلى اتفاق شامل ينهي الطموحات النووية والبرامج الصاروخية الإيرانية. ورغم أن هذا السيناريو هو المفضل دولياً، إلا أن فرص تحقيقه تبدو ضئيلة نظراً لرفض طهران المساس بقدراتها الدفاعية وصواريخها الباليستية.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اتفاق جزئي يركز فقط على الملف النووي، وهو ما تراه الأوساط الإسرائيلية خياراً إشكالياً وخطراً. فمن وجهة نظر تل أبيب، قد يوفر هذا الاتفاق تمويلاً ضخماً للنظام الإيراني دون تحييد قدراته الهجومية أو وقف أنشطة أذرعه في المنطقة.

ويبرز سيناريو فشل المحادثات كخيار ثالث قد يدفع بالرئيس ترامب نحو استخدام التهديد العسكري المباشر أو تشديد الضغوط لإسقاط النظام. هذا المسار يتطلب استعداداً لشن ضربات تستهدف مراكز القوة والمنشآت الحيوية الإيرانية، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب في الشرق الأوسط.

وفي الختام، يبقى احتمال استمرار الوضع الراهن قائماً، حيث تنتهي المفاوضات دون اتفاق مع تشديد العقوبات الاقتصادية. وفي هذه الحالة، تؤكد المصادر الإسرائيلية ضرورة الاستعداد لكافة الاحتمالات، بما في ذلك إمكانية تنفيذ عمل عسكري مستقل لحماية أمنها القومي في حال استمرت طهران في تطوير قدراتها النووية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تحالفات الشرق الجديدة: كيف أعادت الصين وروسيا رسم قواعد المواجهة بين واشنطن وطهران؟

دخلت المواجهة المحتدمة بشأن الملف الإيراني منطقة استراتيجية مجهولة، حيث لم يعد المشهد مقتصرًا على التجاذبات الدبلوماسية التقليدية، بل بات محكومًا بتدخل هادئ وحاسم من خصوم الولايات المتحدة الرئيسيين. ما كان يُعرف يوماً كمواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، تطور الآن إلى مباراة شطرنج ثلاثية الأبعاد، تنشر فيها الصين وروسيا قدرات عسكرية وتقنية متطورة تتحدى بشكل جوهري حرية الحركة الأمريكية التاريخية في منطقة الشرق الأوسط.

تظل المحركات الأساسية للسياسة الأمريكية ثابتة في جوهرها، حيث تملي المخاوف الأمنية الإسرائيلية، المدعومة بضغط دوائر انتخابية محلية مؤثرة، نهج واشنطن المتشدد. وتتمثل المطالب الأمريكية المقدمة لطهران في شروط صارمة تشمل الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم وتفكيك منظومة الصواريخ البالستية، وهي مطالب تراها طهران بمثابة شروط استسلام تهدف لتجريدها من مقومات سيادتها وأمنها القومي.

لقد طرأ تحول جذري على المشهد الاستراتيجي بعدما خلصت بكين وموسكو إلى أن بقاء إيران كلاعب مستقل يمثل مصلحة وطنية حيوية لهما لا يمكن التنازل عنها. فبالنسبة للصين، تعد إيران المرتكز الغربي لمبادرة 'الحزام والطريق' وبوابتها نحو أوروبا وأفريقيا، بينما تراها روسيا حاجزاً حاسماً ضد التمدد الغربي وشريكاً أساسياً في كسر الهيمنة الأمريكية المنفردة على مقدرات المنطقة.

تجسد هذا التحول ميدانياً بوصول أصول بحرية صينية متطورة إلى بحر عمان، شملت مدمرة وسفينة متخصصة في استخبارات الإشارات، تعمل كمنصات عملياتية لمراقبة تحركات البحرية الأمريكية على مدار الساعة. هذه السفن المدمجة بنظام 'بيدو' الصيني للملاحة، خلقت بنية استخباراتية تمد طهران بمعلومات فورية عن مسارات حاملات الطائرات وطرادات الصواريخ، مما أفقد البنتاغون عنصر المفاجأة الاستراتيجي.

على الجانب الآخر، برز الدور الروسي بشكل حاسم خلال الأزمات التقنية، حيث وصلت فرق فنية روسية إلى طهران في غضون 48 ساعة لإصلاح شبكات الاتصال الحيوية التي شلتها هجمات سيبرانية منسقة. هذا التدخل التقني السريع، إلى جانب رحلات الشحن العسكري المستمرة، يشير إلى التزام موسكو بتزويد إيران بأنظمة دفاع جوي وأجهزة اتصالات آمنة تعقد حسابات أي تدخل عسكري محتمل ضد المنشآت الإيرانية.

تجد الإدارة الأمريكية نفسها اليوم محاصرة بين ضغوط داخلية تطالب بتحرك ملموس، وبين حقائق عسكرية ميدانية تفرض التريث وإعادة التقييم. وقد عكست زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة للبيت الأبيض حجم القيود السياسية التي تشكل السياسة الأمريكية، في وقت بدأ فيه القادة العسكريون في واشنطن يستوعبون أن تكلفة أي مواجهة مباشرة قد ارتفعت بشكل غير مسبوق نتيجة الدعم الدولي لطهران.

تشير التقارير إلى أن إلغاء عملية عسكرية كانت مقررة في يناير الماضي لم يكن مجرد خداع استراتيجي، بل اعترافاً بتغير موازين القوى بعد رصد القدرات البحرية الصينية الجديدة. هذا التطور أجبر مخططو البنتاغون على إعادة النظر في الافتراضات القديمة بشأن الهيمنة المعلوماتية، حيث أصبح الخصم الآن مجهزاً بوعي ظرفي يضاهي ما تمتلكه القوات الأمريكية في المنطقة.

أما المسار الدبلوماسي الحالي، فيبدو وكأنه يتحرك تحت ذرائع واهية، حيث تصر واشنطن على استخدام العقوبات كأداة ضغط وعقاب في آن واحد، بينما ترهن طهران أي مرونة في التخصيب برفع كامل للقيود الاقتصادية. هذا الانسداد السياسي حول المفاوضات إلى ما يشبه المسرحية الموجهة للاستهلاك المحلي في كلا البلدين، دون وجود أفق حقيقي لاتفاق شامل ينهي حالة التوتر.

في نهاية المطاف، تستمر بنية الأمن الإقليمي في التطور نحو تكامل أعمق بين الأنظمة الإيرانية والصينية والروسية على المستويات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية. ولم يعد السؤال المطروح هو مدى قدرة واشنطن على إجبار إيران على التراجع، بل ما إذا كانت تمتلك الخيارات العسكرية والإرادة السياسية للعمل في بيئة دولية معقدة تضاءلت فيها احتمالات النجاح مقابل تصاعد هائل في التكاليف والمخاطر.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

ضغوط أمريكية مكثفة على بغداد لسحب ترشيح المالكي وتهديدات بعقوبات اقتصادية

تسيطر حالة من الغموض والارتباك على المشهد السياسي في العراق، في ظل تعثر التوافق الوطني على منصب رئيس الجمهورية والجدل المتصاعد حول ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة. وقد أفادت مصادر مطلعة بأن واشنطن وجهت تحذيرات شديدة اللهجة من تداعيات المضي في هذا الترشيح، معتبرة أن ذلك قد يؤثر بشكل مباشر على مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين.

وكشفت المصادر عن وصول رسالة أمريكية سرية إلى الأطراف الداعمة للمالكي، حددت يوم السادس عشر من فبراير الحالي كمهلة نهائية للاستجابة لمطلب سحب ترشيحه. وتضمنت الرسالة تلويحاً صريحاً بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على العراق، تستهدف مؤسسات سيادية وحيوية في حال عدم الامتثال للمطالب الأمريكية بإنهاء دعم ترشح المالكي.

وتشمل قائمة العقوبات المحتملة التي لوحت بها إدارة الرئيس دونالد ترامب كلاً من البنك المركزي العراقي وشركة تسويق النفط الوطنية (سومو)، بالإضافة إلى الشخصيات المنضوية تحت لواء الإطار التنسيقي التي يثبت دعمها للمالكي. ويعكس هذا التصعيد رغبة واشنطن في ممارسة أقصى درجات الضغط لمنع عودة الوجوه السياسية التي تثير تحفظات أمريكية واسعة.

وفي محاولة لتدارك الموقف، باشرت حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني اتصالات مكثفة مع الجانب الأمريكي بهدف احتواء الأزمة وتأجيل تنفيذ أي إجراءات عقابية. وذكرت مصادر أن السوداني يسعى للحصول على مهلة إضافية تمتد حتى نهاية الأسبوع الحالي، لإقناع القوى السياسية بضرورة انسحاب المالكي من السباق الحكومي وتجنب الصدام مع الإدارة الأمريكية.

يأتي هذا الحراك الأمريكي المتسارع ترجمة لتوجهات الرئيس ترامب الذي انتقد مراراً المسار السياسي الذي اتخذه نوري المالكي خلال سنوات حكمه السابقة. ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى حالياً لفرض معادلة جديدة في العراق تضمن عدم عودة الشخصيات التي تعتبرها حليفة لخصومها أو مسؤولة عن تدهور الأوضاع في فترات سابقة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 8:26 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يطلق اجتماعات 'مجلس السلام': 5 مليارات دولار لإعمار غزة وقوة دولية لتثبيت الاستقرار

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن عقد الاجتماع الأول لـ 'مجلس السلام' يوم الخميس المقبل، في خطوة تهدف إلى تفعيل رؤيته السياسية لقطاع غزة. وأكد ترمب أن الدول الأعضاء في المجلس تعهدت بتقديم مبالغ تتجاوز خمسة مليارات دولار لدعم العمليات الإنسانية ومشاريع إعادة الإعمار الضرورية في القطاع الذي دمرته الحرب. وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من توقيع الميثاق التأسيسي للمجلس في منتدى دافوس السويسري، بمشاركة دولية واسعة شملت قوى إقليمية ومحورية.

ويشارك في الاجتماع المرتقب وفود رفيعة المستوى من أكثر من 20 دولة، من بينها السعودية وقطر ومصر وتركيا وإندونيسيا، بالإضافة إلى تمويل وتمثيل إسرائيلي يمثله وزير الخارجية جدعون ساعر. ويهدف الاجتماع إلى وضع اللمسات الأخيرة على آليات عمل 'قوة تحقيق الاستقرار' التي فوضتها الأمم المتحدة للعمل في غزة. وقد أبدى ترمب حماسة كبيرة لهذا المسار، معتبراً إياه بديلاً فعالاً للمسارات التقليدية التي لم تنجح في إنهاء الصراع طوال العقود الماضية.

وتشير التقارير إلى أن قوة الاستقرار الدولية (ISF) ستكون الركيزة الأمنية للخطة، حيث أعلنت إندونيسيا عن استعدادها للمساهمة بنحو 8000 جندي ضمن قوة قد يصل قوامها الإجمالي إلى 20 ألف فرد. وتهدف هذه القوة إلى ملء الفراغ الأمني وتدريب شرطة محلية فلسطينية، لضمان عدم عودة العمليات العسكرية. ومع ذلك، لا تزال شروط انتشار هذه القوات ومناطق عملياتها الدقيقة تخضع لمداولات مكثفة بين الدول المشاركة والإدارة الأمريكية.

من الناحية الهيكلية، يتمتع الرئيس الأمريكي بسلطات تنفيذية واسعة داخل المجلس، تشمل حق النقض على القرارات والقدرة على عزل الأعضاء، وفقاً لميثاق المنظمة. كما يفرض الميثاق شروطاً مالية صارمة للعضوية الدائمة، تصل إلى دفع مليار دولار لتمويل الأنشطة المختلفة. ويرى مراقبون أن هذه الهيكلية تعكس رغبة واشنطن في قيادة مسار دولي جديد يبتعد عن البيروقراطية المعهودة في المنظمات الدولية التقليدية مثل الأمم المتحدة.

وفي سياق متصل، عرض جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، رؤية اقتصادية طموحة لغزة المستقبلية، تضمنت صوراً تخيلية لناطحات سحاب ومنتجعات سياحية على شاطئ البحر. وأكد كوشنر أن تحويل غزة إلى وجهة استثمارية عالمية يتطلب ضخ استثمارات لا تقل عن 25 مليار دولار لتطوير البنية التحتية. لكنه شدد على أن هذا الازدهار الاقتصادي مرتبط بشكل عضوي بنزع سلاح حركة حماس وضمان بيئة أمنية مستقرة تجذب الشركات العالمية.

وعلى الصعيد الإداري، بدأت ملامح 'لجنة التكنوقراط الفلسطينية' بالظهور، حيث تم اختيار المهندس علي عبد الحميد شعث لرئاسة اللجنة المكونة من 15 خبيراً. وتتمثل مهمة هذه اللجنة في إدارة الخدمات العامة والبلدية اليومية لسكان القطاع تحت إشراف مباشر من مجلس السلام. وأكد شعث أن اللجنة ستركز على البعد الإنساني وتوفير المأوى الكريم، مشيراً إلى أن العمل سيبدأ تدريجياً في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.

وقد حظيت فكرة اللجنة الوطنية الانتقالية بدعم من الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حركة حماس، التي أبدت في بيان من القاهرة استعدادها لتسهيل مهام اللجنة. كما أعلنت الرئاسة الفلسطينية دعمها لهذا التوجه كجزء من ترتيبات المرحلة الانتقالية. ويهدف هذا التوافق إلى تجنب حدوث فوضى إدارية في القطاع وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها بشكل عادل عبر القنوات الدولية المعتمدة.

ورغم هذا الزخم، يواجه 'مجلس السلام' انتقادات حادة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي حذر من محاولات استبدال دور مجلس الأمن الدولي. واعتبر غوتيريش أن مجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة المخولة بموجب الميثاق الأممي بالتصرف في مسائل السلام والأمن العالمي. وأعرب عن قلقه من أن تؤدي هذه المبادرات إلى تهميش سيادة القانون الدولي واستبدالها بترتيبات سياسية تفتقر إلى الإجماع الشامل.

ومع ذلك، نجحت الإدارة الأمريكية في الحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي في نوفمبر الماضي، يمنح 'مجلس السلام' صلاحية العمل في غزة حتى عام 2027. وقد جاء هذا القرار بعد امتناع روسيا والصين عن التصويت، مما منح المجلس غطاءً قانونياً دولياً مؤقتاً. ويرى ترمب أن هذا التفويض يمثل اعترافاً دولياً بجدوى خطته، التي تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة خالية من 'التطرف' على حد وصفه.

وتتضمن خطة ترمب المكونة من عشرين بنداً عفواً مشروطاً عن عناصر الفصائل الذين يسلمون أسلحتهم أو يختارون المغادرة إلى دول أخرى. كما تنص الخطة على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي بالتزامن مع تسلم قوة الاستقرار الدولية لمهامها الأمنية. وتشدد الخطة على ضرورة تدمير كافة البنى التحتية العسكرية ومنع إعادة بنائها، مع وضع آلية رقابة مستقلة لضمان الالتزام بنزع السلاح بشكل دائم.

وفي الجانب الإنساني، تقضي الخطة بإدخال مساعدات كاملة فور قبول الاتفاق، تشمل إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والمخابز. وسيتم توزيع هذه المساعدات عبر الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية دون تدخل من الأطراف المتصارعة. كما سيتم فتح معبر رفح وفق آليات متفق عليها لضمان حرية حركة الأفراد والبضائع، مما يساهم في تخفيف الحصار المفروض على السكان منذ سنوات طويلة.

ويشمل الهيكل القيادي للمجلس شخصيات نافذة مثل توني بلير، وماركو روبيو، وستيف ويتكوف، الذين سيتولون الإشراف على تنفيذ بنود الخطة. وسيعمل نيكولاي ملادينوف كممثل أعلى لغزة، ليكون حلقة الوصل بين المجلس الدولي ولجنة التكنوقراط الفلسطينية على الأرض. ويهدف هذا التشكيل إلى دمج الخبرات السياسية والاقتصادية لضمان نجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار المستدام.

وعلى الرغم من الرفض الإسرائيلي الرسمي لفكرة الدولة الفلسطينية، إلا أن خطة ترمب تلمح إلى إمكانية فتح مسار سياسي نحو تقرير المصير في المستقبل. وتربط الخطة هذا المسار بنجاح برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية وتحقيق الأمن الكامل في غزة. وتأمل واشنطن أن يؤدي النجاح الاقتصادي والأمني المفترض في القطاع إلى تغيير القناعات لدى الطرفين والتمهيد لتعايش سلمي طويل الأمد.

ختاماً، يمثل اجتماع الخميس المقبل اختباراً حقيقياً لقدرة 'مجلس السلام' على تحويل الوعود المالية والخطط النظرية إلى واقع ملموس على الأرض. وبينما يترقب سكان غزة أي انفراجة تنهي معاناتهم، تظل التحديات الميدانية والسياسية قائمة، خاصة فيما يتعلق بآليات نزع السلاح وقبول القوى المحلية بالدور الأمني الدولي الجديد في القطاع.

أحدث الأخبار

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 6:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات أوباما حول الكائنات الفضائية: هل تستعد البشرية لمنعطف تاريخي؟

شهدت الأوساط السياسية والإعلامية الدولية حالة من الجدل الواسع عقب تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، اعترف فيها بشكل صريح بوجود كائنات فضائية وأجسام طائرة مجهولة. واعتبر مراقبون أن هذا التصريح يمثل تحولاً جذرياً في لغة أوباما، التي انتقلت من التلميحات الغامضة خلال سنوات حكمه إلى الإقرار المباشر بحقيقة هذه الظواهر التي لا تزال تثير حيرة العلماء.

وأوضح أوباما في لقاء عبر بودكاست حديث أن التكنولوجيا التي تظهر بها هذه الأجسام في السماء تتجاوز الفهم البشري الحالي، حيث لا يمكن تفسير مسارات حركتها أو سرعاتها الفائقة. وأشار إلى أن هذه الظواهر ليست مجرد أوهام أو فانتازيا، بل هي واقع موثق عبر صور وتسجيلات رسمية لدى المؤسسات العسكرية الأمريكية، وهو ما يضع الملف في قلب النقاش السياسي الجاد.

وفي محاولة لتبديد بعض نظريات المؤامرة، نفى الرئيس الأسبق علمه بوجود أي كائنات محتجزة داخل 'القاعدة 51' الشهيرة أو في منشآت سرية تحت الأرض. ومع ذلك، ترك الباب موارباً أمام احتمالية وجود استراتيجيات أمنية معقدة تقوم على تجزئة المعلومات الحساسة، بحيث قد تُحجب بعض التفاصيل الدقيقة حتى عن القائد الأعلى للقوات المسلحة.

هذا التحول في الموقف الرسمي الأمريكي لم يبدأ مع أوباما فحسب، بل سبقته خطوات إجرائية منذ عام 2020 عندما أقر البنتاغون بوجود أجسام طائرة غير محددة الهوية في الأجواء الأمريكية. وقد انتقل الملف منذ ذلك الحين إلى أروقة الكونغرس، حيث تُعقد جلسات استماع دورية لمناقشة التهديدات المحتملة التي قد تشكلها هذه الأجسام على الأمن القومي.

وعلى الصعيد الدولي، أكدت مصادر استخباراتية فرنسية سابقة أن هذه الأجسام الطائرة لا تتبع لأي من القوى العظمى مثل روسيا أو الصين. وأوضحت هذه المصادر أن التكنولوجيا المرصودة خارقة للعادة، مما ينفي فرضية السباق التسلحي البشري ويؤكد وقوف قوى ذكية غير معلومة المصدر وراء هذه التحركات الجوية الغامضة.

وفي سياق متصل، يقود علماء من جامعة هارفارد مشاريع أكاديمية رصينة لدراسة هذه الظواهر بعيداً عن التكهنات الإعلامية، ومن أبرزها مشروع 'غاليليو'. ويهدف هذا المشروع إلى استخدام أدوات رصد متطورة لجمع بيانات علمية دقيقة حول الأجسام العابرة للمجال الجوي، مما يعكس اهتماماً مؤسساتياً متزايداً يتجاوز حدود الخيال العلمي.

ولا يقتصر الاهتمام على الجوانب التقنية والعسكرية، بل امتد ليشمل الأبعاد الفلسفية والدينية، حيث شكلت وكالة 'ناسا' لجنة لدراسة تأثير اكتشاف حياة خارج الأرض على المعتقدات البشرية. ويبدو أن هناك توجهاً عالمياً لتهيئة المجتمعات نفسياً وثقافياً لتقبل فكرة أن البشر ليسوا الوحيدين في هذا الكون الفسيح الذي يضم تريليونات المجرات.

وتشير التقارير إلى أن دولاً مثل الصين وروسيا والبرازيل واليابان قد أسست بالفعل لجانًا رسمية لمتابعة هذا الملف، مما يعكس إدراكاً دولياً بضرورة التعامل مع الظاهرة كواقع جيوسياسي وعلمي جديد. وفي المقابل، لا يزال العالم العربي بعيداً عن هذا النقاش، حيث تسود نظرة الاستخفاف أو اعتبار الموضوع مجرد مؤامرة إعلامية.

ويرى محللون أن تكثيف الإنتاج السينمائي والوثائقي حول لقاء الحضارات الفضائية في الآونة الأخيرة ليس محض صدفة، بل قد يكون جزءاً من عملية 'إفصاح تدريجي'. وتهدف هذه العملية إلى تقليل الصدمة الحضارية في حال تم الإعلان رسمياً عن تواصل مباشر مع كائنات من عوالم أخرى في العقود المقبلة.

إن اتساع رقعة الكون المرصود، الذي يضم مليارات النجوم والكواكب المشابهة للأرض، يجعل من فرضية وجود حياة وحيدة في كوكبنا أمراً يفتقر للمنطق العلمي لدى الكثيرين. وتأتي تصريحات أوباما الأخيرة لتعزز هذا التوجه، مشيرة إلى أن الأجيال القادمة قد تعيش في واقع يختلف تماماً عما عرفته البشرية طوال تاريخها المسجل.