عند الخامسة من صباح الرابع والعشرين من فبراير 2022، استيقظ العالم على دوي الانفجارات الأولى في أوكرانيا، معلنةً بدء ما أسمته موسكو 'عملية عسكرية خاصة'. اليوم، وبعد مرور أربع سنوات على تلك اللحظة المفصلية، لا تزال الشهادات الحية ترسم لوحة إنسانية وعسكرية معقدة لحدث غير وجه القارة الأوروبية وأعاد صياغة الوجدان الجمعي للأوكرانيين.
تستذكر المحامية والحقوقية أوليكساندرا ماتفيتشوك تلك الصدمة الأولى، حيث لم تكن بحاجة لبيانات رسمية لتدرك حجم الكارثة، بل أيقظتها طرقات عنيفة ومكالمات لم تتوقف. وصفت ماتفيتشوك العاصمة كييف في ذلك اليوم بأنها تحولت إلى مدينة 'بلا ألوان'، حيث ساد صمت مريب قبل أن يبدأ التفكير الجماعي في سبل المقاومة والبقاء.
من جانبه، يروي الدكتور محمد فرج الله، رئيس تحرير وكالة 'أوكرانيا بالعربي'، كيف خرج إلى شوارع كييف ليرى آثار الدمار الأولى بأم عينيه. ومع بث صور الأرتال العسكرية الروسية المتجهة نحو العاصمة، أدرك الجميع أن الغزو أصبح واقعاً لا مفر منه، مما دفع الكثيرين لاتخاذ قرارات صعبة بشأن حماية عائلاتهم والبقاء للدفاع عن الأرض.
سيرهي كوزان، رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني، كشف أن الاستعدادات الأوكرانية كانت تضع في الحسبان أسوأ السيناريوهات، بما في ذلك الوقوع تحت الاحتلال الكامل. وأوضح أن العقيدة العسكرية تحولت سريعاً نحو التحضير لحرب عصابات طويلة الأمد، وهو ما عكس إصراراً شعبياً على عدم الاستسلام مهما بلغت التضحيات.
وفي مشهد صوتي مرعب، يصف الدكتور عماد أبو الرُب أصوات المدافع والصواريخ التي هزت أركان كييف في الساعات الأولى، مشيراً إلى حالة النزوح الجماعي نحو الغرب. وأكد أبو الرُب أن 'رائحة الموت' بدأت تفوح مبكراً مع سقوط القنابل العشوائية، مما جعل التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية أمراً مستحيلاً في ظل القصف الروسي المكثف.
الضابط في الجيش الأوكراني، إيفهن كونتسكي، اختصر مأساة تلك اللحظة في وداعه لزوجته، معتبراً أن المعركة هي معركة وجود لا تقبل القسمة على اثنين. وأشار كونتسكي إلى أن الحيرة والارتباك اللذين سادا في الشهر الأول تحولا تدريجياً إلى عزيمة منظمة، خاصة بعد قرار توزيع السلاح على المدنيين وإشراكهم في الدفاع عن مدنهم.
ويرى مراقبون أن قرار تسليح المدنيين كان 'ضربة معلم' سياسية وعسكرية، حيث سمح بعمليات مقاومة مبدعة وغير تقليدية صدمت القوات الروسية. هذه المقاومة الشعبية، التي دعمت الجيش النظامي، استطاعت عرقلة تقدم قوات كانت تفوقها عدداً وعتاداً بستة أضعاف، مما أربك حسابات الكرملين التي كانت تتوقع نصراً سريعاً.
روسيا تستخدم الألم كأداة ممنهجة لكسر إرادة الناس، لكن الفارق الجوهري بيننا هو نظرتنا للحرية.
فاتورة الدم كانت باهظة جداً، حيث تشير الشهادات إلى استخدام 'جرائم الحرب' كوسيلة ممنهجة لإخضاع السكان وكسر إرادتهم. ويروي فرج الله قصصاً مأساوية عن احتراق سيارات مدنية بمن فيها من أطفال ونساء، مؤكداً أن هذه الفظائع زادت من إصرار الأوكرانيين على القتال حتى النهاية بدلاً من الاستسلام لواقع الاحتلال.
بعد انسحاب القوات الروسية من محيط كييف، بدأت تتكشف ملامح التضامن الإنساني، حيث سارع الأطباء والمتطوعون لتقديم الإغاثة في القرى المنكوبة. ويؤكد أبو الرُب أن طوابير الأطفال والعائلات التي كانت تنتظر المساعدات البسيطة تركت أثراً عميقاً في النفوس، وعززت من روح التعبئة الوطنية التي ملأت مراكز التجنيد لاحقاً.
مجزرة 'بوتشا' كانت نقطة تحول كبرى في مسار الحرب، حيث رفعت منسوب الغضب الشعبي والروح القتالية إلى مستويات غير مسبوقة. وبحسب الضابط كونتسكي، فإن رؤية تلك الفظائع جعلت الانضمام للقوات المسلحة واجباً أخلاقياً ووطنياً، وشكلت اللجان الشعبية خطوط دفاع ثانية خففت العبء عن الجيش النظامي في حماية العاصمة.
الحسابات الدولية سقطت هي الأخرى أمام الصمود الأوكراني، فبينما توقعت عواصم كبرى مثل باريس وبرلين سقوط كييف في غضون أيام، أثبت الواقع الميداني عكس ذلك. ويوضح كوزان أن الغرب كان يخطط لدعم 'تمرد من الجبال' بعد سقوط الدولة، لكنه اضطر لتغيير استراتيجيته نحو الدعم العسكري الثقيل بعد رؤية الصمود الأسطوري.
في مايو 2022، بدأت القناعة الغربية تترسخ بإمكانية هزيمة روسيا ميدانياً، مما أدى لرفع نوعية الأسلحة المقدمة لأوكرانيا. ويرى فرج الله أن الخطة الروسية التي قامت على اختراق كييف خلال شهر واحد انهارت بسبب تعدد أنماط القتال الأوكرانية وانكشاف خطوط الإمداد الروسية التي وصلت دون تعزيزات كافية.
الصراع في جوهره، كما تراه ماتفيتشوك، هو صراع حول مفهوم الحرية، حيث سقطت موسكو في فخ دعايتها بأن الشعبين 'شعب واحد'. وتؤكد أن الفارق الجوهري يكمن في رغبة الأوكرانيين في بناء دولة ديمقراطية مستقلة، بعيداً عن العباءة السوفيتية التي تحاول روسيا إعادة فرضها بالقوة الغاشمة وانتهاك المواثيق الدولية.
تختتم الشهادات بتعريف النصر الذي لا يقتصر على استعادة الأرض فحسب، بل في نجاح أوكرانيا في التحول إلى دولة ديمقراطية كاملة السيادة. ويؤكد العسكريون والحقوقيون على حد سواء أن العودة إلى ما قبل 24 فبراير 2022 مستحيلة، لأن الحرب أعادت صياغة الهوية الأوكرانية كأمة تقاتل من أجل حقها في الوجود والحرية.




