فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي في الضفة: حملة اعتقالات واسعة وتجريف للأراضي واقتحام للمقدسات

شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الثلاثاء، حملة مداهمات واعتقالات واسعة النطاق في مختلف محافظات الضفة الغربية المحتلة. واستهدفت هذه الحملة عشرات الشبان الفلسطينيين، حيث تركزت الاقتحامات في ساعات ما قبل الفجر، مما أثار حالة من الرعب بين الأهالي في ظل أجواء شهر رمضان المبارك.

وفي بلدة اللبن الشرقية الواقعة جنوب مدينة نابلس، اقتحم جنود الاحتلال عشرات المنازل السكنية وعاثوا فيها فساداً وتخريباً. وأفادت مصادر محلية بأن الجنود تعمدوا السطو على طعام السحور في أحد المنازل، بالإضافة إلى التدقيق في هويات المواطنين واحتجاز عدد من الشبان دون تحديد حصيلة نهائية للمعتقلين.

وامتدت العمليات العسكرية لتشمل بلدة يعبد جنوب غرب جنين، بالإضافة إلى بلدة سلواد شرق رام الله، حيث انتشرت آليات الاحتلال في الأحياء السكنية. وأكد شهود عيان أن قوات الاحتلال أجرت عمليات تفتيش دقيقة للمنازل، وفرضت قيوداً على حركة المواطنين خلال ساعات الليل المتأخرة.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر ميدانية بأن المداهمات شملت أيضاً قرية صيدا شمال طولكرم وبلدة رأس عطية جنوبي قلقيلية. كما طالت الاقتحامات بلدة ترمسعيا ومخيم عقبة جبر في أريحا، حيث واصلت قوات الاحتلال سياسة التنكيل الممنهج بحق السكان الآمنين في تلك المناطق.

وشهدت المنطقة الشرقية من مدينة نابلس توتراً كبيراً عقب اقتحام مئات المستوطنين لقبر يوسف تحت حماية عسكرية مشددة. وفرض جيش الاحتلال طوقاً أمنياً شاملاً على المنطقة لتأمين دخول المستوطنين، مما أدى إلى اندلاع مواجهات محدودة مع الشبان الفلسطينيين الذين تصدوا للاقتحام.

وعلى صعيد الاعتداءات على الممتلكات، جرفت آليات الاحتلال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في منطقة جمرورة قرب حاجز ترقوميا غرب الخليل. وشملت أعمال التجريف اقتلاع أشجار زيتون معمرة يزيد عمرها عن 40 عاماً، في عملية تدمير امتدت لعمق عشرات الأمتار داخل أراضي المواطنين.

ونقلت مصادر عن رئيس المجلس البلدي في اللبن الشرقية، يعقوب عويس، قوله إن البلدة تعيش تحت حصار مشدد منذ عدة أشهر. وأوضح عويس أن الجيش اقتحم البلدة عند منتصف الليل وشرع في عمليات دهم وتفتيش واسعة، مؤكداً أن البلدة التي يقطنها 4200 نسمة تتعرض لمضايقات مستمرة من قبل المستوطنين.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يكثف استهدافه للفلسطينيين خلال ساعات السحور بشكل متعمد لزيادة الضغط النفسي على العائلات. ويرى مراقبون أن هذه الاقتحامات تأتي ضمن خطة تصعيد مبرمجة تهدف إلى كسر إرادة الفلسطينيين خلال المناسبات الدينية والوطنية.

ووفقاً لبيانات نادي الأسير الفلسطيني، فقد تم اعتقال أكثر من 100 مواطن منذ بداية شهر رمضان المبارك في الضفة الغربية وحدها. وترفع هذه الاعتقالات الجديدة إجمالي عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية إلى أكثر من 9300 أسير، يعيشون في ظروف اعتقالية قاسية تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى وجود 66 سيدة و350 طفلاً ضمن قائمة الأسرى الحالية، مما يعكس شمولية الاستهداف الإسرائيلي لكافة فئات المجتمع الفلسطيني. وتتزامن هذه الحملات مع استمرار حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي.

ومنذ بدء التصعيد الأخير في السابع من أكتوبر 2023، سجلت الضفة الغربية استشهاد أكثر من 1116 فلسطينياً وإصابة نحو 11500 آخرين. كما بلغت حصيلة الاعتقالات الإجمالية في هذه الفترة نحو 22 ألف حالة، مما يؤكد حجم الهجمة غير المسبوقة التي تتعرض لها الأراضي الفلسطينية المحتلة.

فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

البطاقة الممغنطة.. سلاح الاحتلال الرقمي لتقييد الوصول إلى المسجد الأقصى

مع إطلالة شهر رمضان المبارك من كل عام، تتجدد أشواق الفلسطينيين في الضفة الغربية للوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، إلا أن هذه الرغبة تصطدم بجدار من الإجراءات الإسرائيلية المعقدة. وتأتي على رأس هذه القيود ضرورة الحصول على 'البطاقة الممغنطة'، التي تحولت من مجرد وثيقة تعريفية إلى أداة سياسية وأمنية تتحكم في حق العبادة والوصول إلى المقدسات.

تُعرف البطاقة الممغنطة بأنها بطاقة بلاستيكية مزودة بشريط إلكتروني يضم كافة البيانات الحيوية لصاحبها، بما في ذلك بصمات الأصابع والسجل الأمني. ولا يمكن لأي فلسطيني التقدم بطلب للحصول على تصريح دخول للقدس دون امتلاك هذه البطاقة، التي يتطلب استصدارها الوقوف في طوابير طويلة أمام مكاتب الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، والخضوع لفحص أمني دقيق.

تعتبر هذه البطاقة الركيزة الأساسية للمنظومة الرقمية التي يعتمدها الاحتلال عند الحواجز العسكرية، مثل حاجزي قلنديا و'قبة راحيل'. فمن خلال قراءة بيانات البطاقة إلكترونياً، يحدد الجنود إمكانية مرور الشخص من عدمه، وهو ما يحول عملية الوصول إلى الصلاة من قرار ديني فردي إلى إجراء إداري خاضع لمزاجية المنظومة الأمنية وتصنيفاتها.

أفادت مصادر مطلعة بأن سلطات الاحتلال تسعى من خلال فرض هذه البطاقة إلى تقليص أعداد المصلين بشكل ممنهج، حيث انخفض عدد المصلين في الجمعة الأولى من رمضان الحالي إلى نحو 80 ألفاً. ويعد هذا الرقم ضئيلاً مقارنة بالأعوام السابقة التي سبقت الحرب على غزة، حيث كانت الأعداد تتراوح ما بين 120 إلى 180 ألف مصلٍ.

تتجاوز أهداف البطاقة الممغنطة مجرد التنظيم المروري لتصل إلى منع الاعتكاف داخل المسجد الأقصى، إذ تشترط التصاريح المرتبطة بها عودة المصلين إلى الضفة الغربية قبل صلاة المغرب. هذا الإجراء يضمن للاحتلال خلو المسجد من مصلّي الضفة خلال صلوات التراويح، مما يحول دون تشكيل أي تجمعات اعتكافية كانت تشكل تاريخياً وسيلة لحماية المسجد.

يرى باحثون في شؤون القدس أن ما يجري هو محاولة لفرض واقع جديد يهدف لتهويد المسجد الأقصى وتحويله من مقدّس إسلامي خالص إلى مكان خاضع للتقاسم الزماني والمكاني. وتتجلى هذه السياسة في سحب الصلاحيات تدريجياً من دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، وجعل شرطة الاحتلال هي المرجعية الإدارية والأمنية العليا داخل ساحات الحرم.

شهد العام الحالي إجراءات غير مسبوقة طالت أبسط الخدمات المقدمة للمصلين، حيث منعت سلطات الاحتلال إدخال وجبات الإفطار والسحور للصائمين وحراس المسجد. كما شملت التضييقات منع نصب المظلات الواقية من الشمس وعرقلة تشغيل العيادات الطبية الميدانية التي تخدم آلاف المصلين خلال أيام الجمع، في خطوة تهدف لإظهار السيادة الإسرائيلية المطلقة.

أشارت مصادر مقدسيّة إلى أن الاحتلال حاول جرّ رئاسة دائرة الأوقاف الإسلامية لمراجعة مراكز الشرطة الإسرائيلية، وهو ما قوبل بالرفض القاطع للحفاظ على المرجعية العربية والإسلامية للمسجد. ورداً على هذا الموقف، صعدت سلطات الاحتلال من عقوباتها الجماعية ضد الدائرة وموظفيها، وعرقلت أعمال الصيانة والتجهيزات الروتينية لاستقبال شهر رمضان.

لم تقتصر القيود على أهالي الضفة الغربية، بل امتدت لتشمل سكان القدس والداخل المحتل عبر سياسة 'الإبعاد العشوائي'. فقد سلمت شرطة الاحتلال أوامر إبعاد لمئات المصلين، خاصة أولئك الذين يحرصون على الصلاة في الصفوف الأولى بالمصلى القبلي، وذلك لضمان تفريغ المسجد من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة خلال الشهر الفضيل.

تعتمد استراتيجية الاحتلال الحالية على تصنيف المصلين إلى فئات، تهدف لترويض الشخصية الفلسطينية وفرزها بين 'مصلٍ مطيع' يسمح له بالدخول، و'مصلٍ مشاغب' يُمنع ويُلاحق أمنياً. هذا التصنيف يهدف لزرع شرخ اجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني وتحويل قضية العبادة إلى مسألة 'طاعة' للمنظومة الأمنية الإسرائيلية مقابل الحصول على حقوق أساسية.

إن التحول من السيطرة الميدانية المباشرة عبر الجنود إلى الضبط الإداري الرقمي يعكس رغبة الاحتلال في مأسسة القمع وجعله جزءاً من قاعدة بيانات إلكترونية. فالبطاقة الممغنطة ليست مجرد وسيلة عبور، بل هي قيد رقمي يلاحق الفلسطيني في حركته وسكنه، ويجعل من حقه في الصلاة رهينة لموافقة 'الشاباك' وتحديثات أنظمته البرمجية.

في الجمعة الأولى من رمضان، مُنع مئات الفلسطينيين من تجاوز الحواجز العسكرية بحجة عدم سريان مفعول البطاقة الممغنطة أو عدم الحصول على التصريح الإلكتروني اللازم. وترافق ذلك مع اعتداءات ميدانية وتدقيق مهين في الهويات، مما أدى إلى حالة من التوتر الشديد على المداخل الرئيسية لمدينة القدس المحتلة.

تؤكد التقارير الميدانية أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسار طويل لانتزاع إدارة الوجود الإسلامي في الأقصى، وتحويل دائرة الأوقاف من جهة مديرة للمسجد إلى أداة تنفيذية تعمل تحت إمرة الشرطة. هذا التغيير الشامل في 'الوضع القائم' (Status Quo) يمثل خطورة بالغة على مستقبل المسجد الأقصى كونه يمهد لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه.

يبقى الصمود الفلسطيني في وجه هذه المنظومة الرقمية والأمنية هو العائق الوحيد أمام مخططات الاحتلال، حيث يصر الآلاف على الوصول للأقصى رغم كل المعوقات. وتظل البطاقة الممغنطة شاهداً على محاولات الاحتلال المستمرة لتحويل العبادة إلى عبء إداري، في صراع إرادات لا يتوقف عند بوابات القدس وحواجزها العسكرية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 11:48 صباحًا - بتوقيت القدس

زيلينسكي في الذكرى الرابعة للحرب: بوتين فشل في كسر إرادتنا وأوروبا تؤكد دعمها المطلق

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الثلاثاء أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين أخفق تماماً في تحقيق تطلعاته التي وضعها عند بدء الهجوم العسكري قبل أربع سنوات. وأوضح زيلينسكي في خطاب مصور بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة للنزاع أن المخططات الروسية للسيطرة على البلاد وتحطيم سيادتها قد اصطدمت بصمود وطني غير مسبوق.

وشدد الرئيس الأوكراني على أن القوات الروسية لم تنجح في كسر إرادة الشعب الأوكراني أو تحقيق انتصار حاسم في هذه المواجهة الدامية. وأشار إلى أن الدولة الأوكرانية نجحت في الحفاظ على كيانها ومؤسساتها رغم الضغوط العسكرية الهائلة، مؤكداً التزام بلاده ببذل كافة الجهود الممكنة للوصول إلى سلام عادل يضمن كرامة المواطنين وسيادة الأراضي.

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، وجه زيلينسكي نداءً مباشراً إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حثه فيه على ضرورة استمرار الوقوف إلى جانب كييف في معركتها الوجودية. وأفادت مصادر إعلامية بأن زيلينسكي وصف بوتين بأنه يمثل 'تجسيداً للحرب'، معتبراً أن دعم دولة ديمقراطية تحارب من أجل بقائها هو واجب أخلاقي وسياسي على القوى الكبرى.

وتزامن هذا الخطاب مع إحياء أوكرانيا لذكرى مرور أربعة أعوام على اندلاع النزاع الذي يُصنف كأحد أكثر الصراعات دموية في القارة الأوروبية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتأتي هذه المناسبة في وقت لا تزال فيه الجبهات تشهد اشتباكات عنيفة، وسط إصرار أوكراني على استعادة كافة الأراضي التي سيطرت عليها القوات الروسية خلال السنوات الماضية.

وعلى صعيد الدعم القاري، وصلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى العاصمة كييف في زيارة هي العاشرة لها منذ اندلاع الأزمة. وأكدت فون دير لاين أن وجودها في قلب أوكرانيا يهدف إلى إرسال رسالة تضامن قوية من الاتحاد الأوروبي، مشددة على أن الدعم المالي والعسكري لن يتوقف رغم التحديات الاقتصادية والميدانية الصعبة.

وأوضحت رئيسة المفوضية في تصريحاتها أن أوروبا تقف بثبات خلف أوكرانيا، خاصة في ظل الظروف الجوية القاسية التي تمر بها البلاد هذا الشتاء. وأضافت أن الموقف الأوروبي لن يتراجع حتى يتم إرساء سلام دائم وشامل، مشددة على ضرورة أن تكون شروط هذا السلام متوافقة تماماً مع تطلعات الشعب الأوكراني وحقوقه المشروعة.

وتعكس هذه التحركات الدولية حجم التضامن الغربي المستمر مع كييف في مواجهة التحركات الروسية، رغم التقارير الاستخباراتية التي تشير إلى طول أمد النزاع. ويبقى الرهان الأوكراني معلقاً على استمرارية تدفق المساعدات العسكرية النوعية القادرة على تغيير موازين القوى على الأرض، في ظل تمسك الكرملين بمواقفه الميدانية والسياسية.

فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة غاز الطهي في خان يونس: الحطب بديل مرّ يفاقم الأمراض الصدرية بين النازحين

تتفاقم المعاناة الإنسانية في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث أجبرت أزمة انقطاع غاز الطهي المتواصلة العائلات والنازحين على العودة إلى الوسائل البدائية لإعداد الطعام. ولم يعد مشهد النيران المشتعلة مقتصرًا على مخيمات اللجوء، بل امتد ليشمل الأسواق العامة حيث يضطر الباعة لاستخدام الحطب والمواد البلاستيكية لطهي الوجبات الشعبية. هذا التحول القسري جاء نتيجة إغلاق المعابر المستمر وارتفاع أسعار المحروقات إلى مستويات غير مسبوقة تفوق قدرة المواطنين الشرائية.

وأفادت مصادر محلية بأن الاعتماد الكلي على الحطب في طهي الأطعمة مثل الفلافل والقطايف بات يهدد الصحة العامة بشكل مباشر. وأوضح المواطن ياسر السطري أن الدخان الكثيف المنبعث من عمليات الحرق تسبب في انتشار الأزمات الصدرية والتنفسية، لا سيما بين فئة الأطفال. وأكد السطري أن غياب السيولة النقدية وصعوبة الحصول على الأدوية اللازمة يجعل من هذه الأزمة الصحية عبئاً إضافياً لا يطاق على كاهل الأسر المنكوبة.

من جانبه، أشار المواطن عمر تنيرة إلى أن تكلفة الحصول على الطاقة البديلة أصبحت تستنزف ميزانية العائلات المحدودة بشكل يومي. ويضطر تنيرة لإنفاق ما يقارب 25 شيكلاً يومياً لشراء كميات محدودة من الخشب، مع حرصه الشديد على اختيار الأنواع التي تدوم طويلاً لتجنب الخسائر المالية. ووصف تنيرة غياب الغاز بأنه فقدان لأهم مصدر للطاقة الأساسية، مما ضاعف من الأعباء اليومية في ظل تدهور المستوى المعيشي العام.

وفي سياق متصل، حذر التاجر مشهور الشنباري من أن الخشب نفسه قد يدخل في أزمة ندرة قريبة بسبب الارتفاع الهائل في الطلب عليه. وأوضح الشنباري أن أسعار الجملة شهدت قفزات متتالية لتصل إلى 8 شيكلات لبعض الأنواع الجيدة، بينما يدفع المستهلك النهائي ثمناً باهظاً يتراوح بين 75 و80 شيكلاً للكيلو الواحد. ويرى التاجر أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من النازحين حتى من هذا البديل البدائي والملوث.

وتزداد قسوة الظروف مع حلول شهر رمضان المبارك، حيث تجد الأسر الفلسطينية نفسها مضطرة لإعداد وجبات السحور والإفطار على نيران الحطب. وقالت المواطنة إكرام نصار إن غياب الغاز ضاعف من مشقة الصيام، خاصة وأنها تضطر لتسخين المياه للأطفال وإعداد الطعام وسط الدخان. وأشارت نصار، التي تعاني من تبعات زراعة الكلى، إلى أن تكلفة الحطب اليومية تصل أحياناً إلى 50 شيكلاً، وهو مبلغ ضخم لأسرة فقدت معيلها ومصادر دخلها.

وتشكل الحالة الصحية للنازحين مصدر قلق متزايد للفرق الطبية العاملة في الميدان، حيث يرتبط استنشاق الأدخنة الناتجة عن حرق البلاستيك والخشب بأمراض مزمنة. وتؤكد المصادر أن الأطفال وكبار السن هم الفئات الأكثر تضرراً من هذه الممارسات الاضطرارية التي فرضها الحصار الخانق. ومع استمرار إغلاق المنافذ البرية، تظل خيارات السكان محدودة بين الجوع أو التعرض لمخاطر صحية جسيمة ناتجة عن التلوث الهوائي داخل الخيام المكتظة.

إن المشهد في أسواق خان يونس يعكس حجم الكارثة، حيث تحولت المطاعم الشعبية إلى بؤر للدخان الكثيف الذي يغطي الشوارع المحيطة. ويؤكد الباعة أنهم لا يملكون خياراً آخر للاستمرار في تقديم خدماتهم للناس سوى استخدام ما يتوفر من أخشاب ومخلفات. هذا الواقع المرير يفرض تحديات لوجستية وصحية هائلة، حيث تفتقر المنطقة إلى أدنى مقومات السلامة العامة في التعامل مع النيران المفتوحة وسط التجمعات السكنية والخيام القماشية.

ختاماً، يبقى الأمل معلقاً على فتح المعابر وإدخال كميات كافية من غاز الطهي لإنهاء هذه المأساة المتجددة التي تفتك بصحة الغزيين. إن استمرار الاعتماد على الحطب ليس مجرد أزمة طاقة، بل هو تراجع حاد في جودة الحياة يهدد بانتشار أوبئة تنفسية طويلة الأمد. وتناشد العائلات في قطاع غزة الجهات الدولية بالتدخل الفوري لتوفير الوقود والغاز المنزلي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من واقع إنساني يزداد قتامة يوماً بعد يوم.

فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تحت وطأة القصف والمنخفض الجوي: غرق مئات الخيام واستمرار الخروقات الإسرائيلية

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاتها الممنهجة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، حيث استهدفت المدفعية الثقيلة صباح اليوم الثلاثاء حي التفاح الواقع شرقي مدينة غزة. وتزامن هذا القصف مع اعتداءات مماثلة طالت مواقع في مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع خلال ساعات الفجر الأولى، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني المتوتر أصلاً.

وفي ظل هذه الأجواء العسكرية المشحونة، يواجه النازحون الفلسطينيون كارثة إنسانية جديدة بفعل منخفض جوي يضرب المنطقة، حيث أفادت مصادر ميدانية بتلقي الدفاع المدني مئات نداءات الاستغاثة. وقد أدت الأمطار الغزيرة والرياح العاتية إلى غرق مئات الخيام التي تؤوي آلاف العائلات المشردة في مختلف مناطق القطاع.

وأكدت طواقم الدفاع المدني أنها تمكنت من إنقاذ عدد من العائلات العالقة بعد أن غمرت المياه خيامهم بشكل كامل في منطقة المواصي بمدينة خانيونس جنوبي القطاع. وتعتبر هذه المنطقة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالنازحين الذين يفتقرون لأدنى مقومات الحماية من الظروف الجوية القاسية.

من جانبه، صرح المتحدث الإعلامي باسم بلدية غزة، حسني مهنا، بأن البلدية استقبلت عشرات البلاغات حول غرق تجمعات للخيام، مشيراً إلى أن البنية التحتية المتهالكة فاقمت من حجم الكارثة. وأوضح مهنا أن سلطات الاحتلال لا تزال تمنع دخول المعدات والآليات اللازمة لعمليات الإنقاذ وتصريف مياه الأمطار.

ووصف شهود عيان في منطقة 'شارع خمسة' بخانيونس مشاهد قاسية للعائلات التي قضت ليلتها في محاولة يائسة لمنع تسرب المياه إلى فراش الأطفال. وقد تسببت الرياح الشديدة في اقتلاع عشرات الخيام المتهالكة، مما ترك النازحين في العراء دون مأوى بديل في ظل البرد القارس.

وتأتي هذه المعاناة في وقت يطالب فيه الفلسطينيون بتوفير كرفانات سكنية ومساعدات إنسانية عاجلة لمواجهة فصل الشتاء، وهي المطالب التي لم تجد طريقاً للتنفيذ منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار. ويؤكد النازحون أن المساعدات التي تصل لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة.

وعلى المسار الصحي، بدأت دفعة جديدة من الجرحى والمرضى الفلسطينيين إجراءات مغادرة القطاع عبر معبر رفح الحدودي لتلقي العلاج في الخارج. وتجمع المرضى ومرافقوهم في المستشفى الميداني التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني غرب خانيونس تمهيداً لنقلهم تحت إشراف دولي.

وتتم عملية الإجلاء الطبي هذه بتنسيق مباشر من منظمة الصحة العالمية، في محاولة لإنقاذ الحالات الحرجة التي لا يتوفر لها علاج داخل مستشفيات القطاع المدمرة. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن القيود الإسرائيلية لا تزال تعيق سفر آلاف الجرحى الذين هم بحاجة ماسة لعمليات جراحية معقدة.

وفي سياق متصل، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نسبة الالتزام الإسرائيلي ببنود فتح معبر رفح لم تتجاوز 29% منذ بدء سريان الاتفاق. هذا التعنت الإسرائيلي يحول دون تدفق المساعدات الطبية والغذائية والوقود اللازم لتشغيل المرافق الحيوية في القطاع المحاصر.

ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار يومه الـ 137، يترقب سكان قطاع غزة تحركاً دولياً جاداً لإنهاء الخروقات الإسرائيلية وتحسين الأوضاع المعيشية. وتستمر المطالبات بضرورة الضغط على الاحتلال لرفع الحصار والسماح بإعادة الإعمار لإنهاء مأساة النزوح التي طال أمدها.

فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

عزام الأحمد: حماس جزء من النسيج الوطني ونرفض شروط واشنطن 'المستحيلة' لإصلاح السلطة

شدد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عزام الأحمد، على أن حركة حماس تمثل جزءاً أساسياً من المكونات الوطنية الفلسطينية، مؤكداً رفض القيادة القاطع لأي محاولات دولية تهدف لوصمها بالإرهاب. وأوضح الأحمد أن المنظمة تتصدى باستمرار للضغوط الخارجية التي تسعى لنزع سلاح الحركة، معتبراً أن الحوار الوطني هو السبيل الوحيد لتعزيز الوحدة الداخلية بعيداً عن سياسات الإقصاء.

وفي سياق الضغوط الدولية، كشف المسؤول الفلسطيني عن طبيعة المطالب الأمريكية المتعلقة بملف 'إصلاح السلطة الفلسطينية'، واصفاً إياها بالشروط المستحيلة التي تهدف للمماطلة وإضاعة الوقت. وأشار إلى أن هذه الإملاءات وصلت إلى مستويات غير مسبوقة بطلب حذف علم فلسطين وخريطتها من المناهج التعليمية، وهو ما اعتبره اعتداءً مباشراً على الهوية الوطنية لا يمكن القبول به.

وحول التطورات الميدانية في قطاع غزة، وصف الأحمد أحداث السابع من أكتوبر بأنها كانت 'خطأً استراتيجياً' تسبب في تداعيات كارثية على السكان والمنشآت. ولفت إلى أن الثمن الإنساني كان هائلاً، حيث تشير الإحصائيات إلى ارتقاء أكثر من 72 ألف شهيد وإصابة نحو 171 ألفاً آخرين، في ظل استمرار العدوان الذي دمر البنية التحتية للقطاع بشكل شبه كامل.

وانتقد الأحمد المخططات التي تروج لها بعض الأطراف تحت مسمى 'ريفييرا غزة'، واصفاً إياها بالأوهام التي لا تمت للواقع بصلة. وأكد أن الإدارة الأمريكية لا تملك نية حقيقية للمساهمة في تمويل عمليات إعادة الإعمار، بل تسعى بدلاً من ذلك لتمرير مشاريع سياسية واقتصادية تخدم أجندات لا تتوافق مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني.

وعلى صعيد الموقف الإقليمي، أعرب الأحمد عن عتبه تجاه ما وصفه بحالة 'التقاعس العربي' في مواجهة مخططات التهجير الإسرائيلية، داعياً إلى مواقف أكثر حزماً لحماية الحقوق الفلسطينية. واستثنى في حديثه الدورين المصري والأردني، مشيداً بالإجراءات الفعلية التي اتخذتها القاهرة وعمان للتصدي لمشاريع تصفية القضية الفلسطينية ومنع تهجير السكان من أراضيهم.

وفيما يخص البيت الداخلي الفلسطيني، أكد الأحمد استمرار قنوات الاتصال مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي بهدف بحث انضمامهما تحت مظلة منظمة التحرير. وأعلن عن ترتيبات لعقد جلسات حوارية قريبة لتحقيق هذا الهدف الوطني، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بميثاق المنظمة وبرنامجها السياسي كإطار شرعي وحيد لتمثيل الشعب الفلسطيني في كافة المحافل.

واختتم الأحمد تصريحاته بالتحذير من الدعوات المطالبة بحل السلطة الفلسطينية أو إلغاء اتفاقية أوسلو من طرف واحد، معتبراً أن ذلك يخدم أهداف الاحتلال في خلق فراغ إداري وأمني. وأشار إلى أن إسرائيل هي من أنهت الاتفاقية فعلياً على الأرض عبر سياسات الضم والاستيطان، مؤكداً أن السلطة ستبقى منجزاً وطنياً يحافظ على الكيان السياسي الفلسطيني رغم كل التحديات والعراقيل.

فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

الهلال الأحمر يسير 9 شاحنات محملة بأكثر من 3 ملايين وحدة دواء لإنقاذ الوضع الصحي في قطاع غزة

أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، اليوم الثلاثاء، عن انطلاق عملية لوجستية كبرى لنقل إمدادات طبية حيوية من مستودعاتها المركزية في الضفة الغربية إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم. 

وأكدت الجمعية أن هذه الخطوة تأتي استجابة للتحذيرات المتكررة من نفاد المخزون الدوائي والمستلزمات الطبية اللازمة لاستمرار عمل المستشفيات الميدانية، والعيادات التابعة للجمعية في القطاع.

وأشارت إلى أن القافلة هي ثمرة جهود تنسيقية مكثفة استمرت لعدة أشهر مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC). 

حيث انطلقت اليوم 5 شاحنات تحمل 111 منصة (مشتاح) تضم 3,284,684 وحدة من الأدوية والمحاليل الطبية، ومن المقرر استكمال المهمة بتحميل 4 شاحنات إضافية تضم 83 منصة من الأدوية الممولة من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الدولي للصليب الأحمر، والمخزنة لدى مستودعات منظمة الصحة العالمية، ليصل إجمالي القافلة إلى 194 منصة محملة على 9 شاحنات ضخمة.

وأوضحت الجمعية أن هذه المشتريات الطبية تمت بتمويل ودعم سخي من شركاء دوليين، شملوا الاتحاد الأوروبي (ECHO)، والاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC)، والمنظمة العربية (ARCO)، بالإضافة إلى الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر في إسبانيا، بريطانيا، النرويج، وكندا، وبالتعاون مع الجمعية الطبية الفلسطينية الأمريكية (PAMA) لدعم علاج الأمراض الجلدية. وشددت الجمعية على أن وصول هذه المساعدات يعد ركيزة أساسية لضمان عدم توقف الخدمات الصحية الطارئة المقدمة للمواطنين في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها القطاع الصحي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

بنما تنهي نفوذ شركة صينية وتستعيد السيطرة على ميناءين استراتيجيين في القناة

أعلنت السلطات في بنما، يوم الاثنين، استعادة سيادتها الكاملة على ميناءين حيويين يقعان على ضفاف قناة بنما الاستراتيجية. جاءت هذه الخطوة عقب قرار حاسم من المحكمة العليا قضى بإبطال الامتياز الممنوح لمجموعة 'سي كيه هاتشيسون' التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، ما ينهي عقوداً من الإدارة الأجنبية لهذين المرفقين.

وشمل قرار المحكمة، الذي صدرت مسودته الأولى في يناير الماضي، إعلان 'عدم دستورية' العقد الذي كانت المجموعة الصينية تدير بموجبه مرفأ بالبوا المطل على المحيط الهادئ، ومرفأ كريستوبال الواقع على ساحل الأطلسي. ويهدف هذا الإجراء القانوني إلى إعادة إدارة الأصول البحرية الوطنية إلى عهدة الدولة البنمية بشكل مباشر.

من جانبه، أكد مدير الموانئ، ماكس فلوريس، خلال مؤتمر صحفي أن هيئة الملاحة البحرية بدأت بالفعل إجراءات 'وضع اليد' على المنشآت لضمان عدم توقف العمليات اللوجستية. وأوضح فلوريس أن القرار التنفيذي دخل حيز التنفيذ فور صدوره، مشدداً على التزام الحكومة بتأمين حركة الملاحة العالمية عبر القناة.

وكشفت الحكومة البنمية عن خطة انتقالية تمتد لـ 18 شهراً، سيتم خلالها إسناد مهام الإدارة المؤقتة لشركات دولية متخصصة. وأعلنت السلطات أن شركة 'آي بي أم ترمينالز'، التابعة لعملاق الشحن الدنماركي 'ميرسك'، ستتولى تسيير أعمال الميناءين حتى الانتهاء من طرح مناقصة عالمية جديدة تتسم بالشفافية.

وكان الرئيس البنمي، خوسيه راوول مولينيو، قد أشار في وقت سابق إلى وجود تفاهمات مع مجموعة 'ميرسك' نظراً لخبرتها الواسعة في إدارة المحطات البحرية. وأكد مولينيو أن الدولة تسعى لضمان كفاءة التشغيل خلال المرحلة المقبلة، بما يحافظ على مكانة بنما كمركز لوجستي عالمي يربط بين المحيطين.

وتأتي هذه التطورات في سياق جيوسياسي حساس، حيث يتصاعد التنافس بين واشنطن وبكين على النفوذ في الممرات المائية الكبرى. وتعتبر قناة بنما شرياناً رئيسياً للتجارة الأمريكية، حيث تعبرها نحو 40% من حركة الحاويات المتجهة من وإلى الولايات المتحدة، مما يجعل السيطرة على موانئها قضية أمن قومي.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أثار الجدل بتصريحات لوح فيها بإمكانية استعادة السيطرة الأمريكية على القناة التي سلمتها واشنطن لبنما عام 1999. وبرر ترامب هذه التوجهات بضرورة منع الصين من بسط نفوذها على الممر المائي، وهو ما دفع بنما لاتخاذ إجراءات قانونية وإدارية فُسرت بأنها محاولة لتهدئة المخاوف الأمريكية.

وفي محاولة أخيرة لتفادي خسارة أصولها، سعت الشركة الصينية للدخول في مفاوضات مع الحكومة البنمية لتجنب ما وصفته بـ 'الفوضى التشغيلية'. كما حاولت المجموعة بيع حصصها لتحالف تقوده شركة 'بلاك روك' الأمريكية، إلا أن قرار المحكمة العليا بإنهاء الامتياز وضع حداً لهذه التحركات وأعاد الملف إلى المربع الأول.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

جبهة برلمانية أردنية موحدة ضد تعديلات 'الضمان الاجتماعي' المقترحة

تشهد الساحة السياسية في الأردن تشكل جبهة برلمانية عريضة تضم أطياف المعارضة والموالاة، لاتخاذ موقف حازم ضد توجهات الحكومة المتعلقة بتعديلات قانون الضمان الاجتماعي. وتثير هذه التعديلات جدلاً واسعاً كونها تتضمن لأول مرة إلغاء التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد للذكور إلى 65 عاماً وللإناث إلى 60 عاماً، بزيادة قدرها خمس سنوات دفعة واحدة، مما يفرض استمرار دفع الاشتراكات لسنوات إضافية.

وأفادت مصادر برلمانية بأن النواب بدأوا بالانضمام فرادى وكتلاً للحملة المناهضة للقانون، حيث أعلنت كتلة جبهة العمل الإسلامي، التي تضم 31 نائباً، رفضها القاطع للمساس بحقوق الطبقات العاملة. وفي سياق متصل، نصح نائب رئيس مجلس النواب، خميس عطية، الحكومة بضرورة إجراء حوارات وطنية قبل الدخول في اشتباك تشريعي، مستبعداً مرور القانون بصيغته الحالية في ظل حالة السخط الشعبي.

ولم يقتصر الحراك البرلماني على رفض السن التقاعدي، بل امتد لفتح ملفات الاستثمارات والرواتب العالية في مؤسسة الضمان؛ حيث وجهت النائب نور أبو غوش أسئلة حول الدراسات الإكتوارية التي استندت إليها الحكومة، بينما طالبت النائب ديمة طهبوب بكشوفات تفصيلية حول هوامش الربح وإدارة الاستثمارات، تزامناً مع تساؤلات نواب آخرين عن جدوى بعض المشاريع الاستثمارية.

من جانبها، بدأت الحكومة الأردنية بمحاولة احتواء الأزمة عبر تخفيف لهجتها الإعلامية، حيث أشار وزير الاتصال الحكومي محمد المومني إلى أن الحكومة ستتعامل بجدية مع ملاحظات المواطنين، واصفاً المسودة الحالية بأنها 'نسخة أولى' قابلة للنقاش. ويأتي هذا التراجع النسبي بعد كشف تقارير عن دور توصيات البنك الدولي في صياغة هذه التعديلات بدعوى حماية المالية العامة من الاستنزاف.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

تعزيز نفوذ شقيقة زعيم كوريا الشمالية بترقية جديدة في الحزب الحاكم

شهدت أروقة الحزب الحاكم في كوريا الشمالية تحولاً بارزاً في موازين القوى الداخلية، حيث أعلنت وسائل إعلام رسمية عن ترقية كيم يو جونغ، الشقيقة النافذة للزعيم كيم جونغ أون. وجاء هذا القرار خلال فعاليات مؤتمر الحزب الذي يُعقد مرة كل خمس سنوات، مما يعكس رغبة القيادة في تمتين الجبهة الداخلية وتوزيع المهام الحساسة على الدائرة المقربة من رأس السلطة.

وأكدت تقارير صادرة عن مصادر رسمية في بيونغيانغ أن اللجنة المركزية لحزب العمال قررت تعيين كيم يو جونغ في منصب مديرة إدارة، بعد سنوات من شغلها منصب نائبة المديرة. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس تتوجه فيه الأنظار نحو العاصمة الكورية الشمالية لمتابعة مخرجات المؤتمر العام الذي يرسم سياسات الدولة الاستراتيجية للسنوات المقبلة.

ويشارك في هذا التجمع السياسي الضخم آلاف الكوادر والنخب الحزبية الذين توافدوا من مختلف الأقاليم للمشاركة في صياغة التوجهات الدبلوماسية والعسكرية. ويُنظر إلى هذا المؤتمر بصفته المنصة الأهم التي يستعرض من خلالها كيم جونغ أون سيطرته المطلقة على مفاصل الدولة، وتحديد مسارات المواجهة أو التفاوض مع القوى الدولية.

وتُعد كيم يو جونغ من أكثر الشخصيات النسائية نفوذاً في النظام السياسي المعزول، حيث برزت كأحد أقرب المستشارين لشقيقها منذ توليه السلطة في عام 2011. وتشير المعطيات التاريخية إلى أنها تلقت تعليمها الأساسي في سويسرا رفقة شقيقها، وهو ما ساهم في بناء علاقة ثقة وطيدة بينهما أهلتها للتدرج السريع في المناصب القيادية داخل الحزب.

وعلى الصعيد الشخصي، تنتمي كيم يو جونغ إلى الجيل الثالث من عائلة كيم الحاكمة، وهي ابنة الزعيم الراحل كيم جونغ إيل من زوجته كو يونغ هوي. وقد استطاعت خلال العقد الأخير أن تتحول من شخصية تعمل في الظل إلى واجهة سياسية ودبلوماسية تعبر عن مواقف الدولة المتشددة في كثير من الأزمات الإقليمية والدولية.

ومن المتوقع أن يشهد المؤتمر في أيامه القادمة إعلانات أكثر أهمية تتعلق بالقدرات العسكرية للبلاد، لا سيما فيما يخص البرنامج النووي وتطوير الصواريخ البالستية. ويترقب المراقبون الدوليون خطاب الزعيم الكوري الشمالي الذي قد يتضمن خارطة طريق جديدة للتسلح، تزامناً مع إعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب وترقية العناصر الأكثر ولاءً.

فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

شتاء غزة يفاقم معاناة النازحين وسموتريتش يهدد باحتلال القطاع وبناء مستوطنات

تواجه العائلات النازحة في قطاع غزة ظروفاً إنسانية قاسية مع اشتداد المنخفض الجوي وهطول الأمطار الغزيرة التي أغرقت مئات الخيام. وأفادت مصادر ميدانية بأن طواقم الدفاع المدني بذلت جهوداً مضنية لإنقاذ عائلات في منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع بعد أن غمرت المياه مأواهم الوحيد، مما تسبب في فقدانهم للمتاع البسيط الذي يمتلكونه.

وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، عاش السكان ليلة عصيبة حيث حالت مياه الأمطار المتسربة إلى داخل الخيام دون تمكنهم من تناول وجبة السحور بشكل طبيعي. وانشغل النازحون طوال ساعات الليل بمحاولات يدوية لإزاحة المياه ومنع غرق أطفالهم، في ظل نداءات استغاثة متكررة للدفاع المدني الذي أكد أن حجم الكارثة يفوق قدراته التشغيلية المتاحة حالياً.

ميدانياً، لم يتوقف التصعيد العسكري الإسرائيلي رغم الظروف الجوية الصعبة، حيث استمرت عمليات القصف والنسف في مناطق متفرقة. ونقلت مصادر طبية من المستشفى المعمداني وصول إصابتين جراء إطلاق نار من قبل قوات الاحتلال في محيط حي الشجاعية بمدينة غزة، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت المناطق الشرقية لمدينة خان يونس.

وشهدت المناطق الجنوبية والوسطى من القطاع قصفاً مدفعياً مكثفاً، حيث تركزت القذائف الإسرائيلية على الأطراف الغربية لمدينة رفح والجهة الشرقية لمخيم البريج. وتأتي هذه الهجمات في وقت يعاني فيه السكان من انعدام الأمن الغذائي والظروف الصحية المتردية، مما يضاعف من فاتورة المعاناة اليومية للمدنيين المحاصرين تحت النيران والبرد.

من جانبه، وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الوضع في غزة بأنه لا يزال كارثياً بكل المقاييس الإنسانية. وحذر تورك من أن المساعدات التي تدخل القطاع لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، معرباً عن قلقه العميق من احتمالات تنفيذ عمليات تطهير عرقي تستهدف الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية على حد سواء.

وفي سياق التصريحات السياسية المتطرفة، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أن حكومته متمسكة بهدف تدمير حركة حماس ولن تتنازل عنه. وأشار سموتريتش إلى أن تل أبيب تمنح الإدارة الأمريكية الجديدة فرصة للتعامل مع الملف بطريقتها، مهدداً بأنه في حال فشل ذلك، فإن الجيش الإسرائيلي سيتحرك لفرض واقع جديد بدعم دولي وأمريكي حسب تعبيره.

وذهب سموتريتش إلى أبعد من ذلك بالتهديد بتوجيه إنذار نهائي لتسليم السلاح والأنفاق، مؤكداً أن الخطة النهائية تتضمن إعادة احتلال مناطق واسعة في قطاع غزة. وشدد الوزير الإسرائيلي على أن الهدف الاستراتيجي هو إقامة مستوطنات يهودية داخل القطاع، معتبراً أن السيطرة الكاملة على غزة هي الحل الوحيد لضمان أمن إسرائيل في المرحلة المقبلة.

اقتصاد

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

البنك الإسلامي الفلسطيني يحصل على تصنيف ذهبي لمبنى الأرشيف المركزي

 منح المجلس الفلسطيني الأعلى للبناء الأخضر تصنيف "مبنى أخضر – من المستوى الذهبي" لمبنى الأرشيف المركزي للبنك الإسلامي الفلسطيني، وفقاً لنظام التقييم الفلسطيني المعتمد.
وجاء حصول المبنى على هذا التصنيف بعد استكماله المعايير المعتمدة في مجالات الاستدامة وكفاءة الطاقة وإدارة الموارد، بما ينسجم مع متطلبات البناء الأخضر في فلسطين.
وقال مدير عام البنك الإسلامي الفلسطيني، د.عماد السعدي، إن هذا التصنيف يؤكد التزام البنك بحماية البيئة في توجهاته وأعماله، انطلاقاً من سياسات الاستدامة المطبقة لديه، مشيراً إلى أن اعتماد التقنيات الصديقة للبيئة واستخدام أنظمة توفير الطاقة والمياه يسهم مباشرة في تقليل البصمة الكربونية للبنك، ويعكس رؤيته في إنشاء مبانٍ تحقق توازناً بين الأداء الوظيفي العالي والحفاظ على البيئة.
وأضاف أن مبنى الأرشيف المركزي يجسد التزام البنك بالاستدامة، حيث صُمم وفق أحدث المواصفات الخاصة بالمباني الخضراء، ويتضمن تقنيات حديثة للحفاظ على الطاقة وتوليدها وإعادة استخدامها، اعتماداً على حلول متقدمة تعتمد على الطاقة الشمسية، إضافة إلى أنظمة لتجميع مياه الأمطار، واستخدام مواد عزل تقلل من استهلاك الطاقة.
وأكد السعدي أن هذا الإنجاز يأتي في سياق توجيهات مجلس إدارة البنك لاعتماد معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والحوكمة المؤسسية ESG، بما يعزز التوجه المستدام في مختلف أنشطة البنك.
ويُعد مبنى الأرشيف المركزي الأحدث من نوعه في فلسطين، إذ يضم أنظمة إلكتروميكانيكية متقدمة لمقاومة الحرائق والرطوبة، وضبط درجات الحرارة، وتوفير التهوية المناسبة، إلى جانب أنظمة فرز وأرشفة مؤتمتة حديثة.
ويعتمد البنك الإسلامي الفلسطيني منذ عام 2014 بشكل متزايد على مصادر الطاقة النظيفة لتشغيل فروعه ومنشآته، في إطار توجهه للحفاظ على البيئة وتعزيز تطبيق معايير الحوكمة البيئية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر
رئيس الوزراء الأردني الأسبق روى شهادته على عقد ونصف العقد في مركز القرار (الثالثة والأخيرة)

 
    عمّان- غسان شربل

  
في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي رحل مطلع الشهر الجاري، كواليس لقاءاته مع الرئيسين الراحلين العراقي صدام حسين والسوري حافظ الأسد، وتفاصيل محاولة شقيق الأخير رفعت الأسد اغتيال رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران.
يتوقف عبيدات عند انطباعه عن صدام حسين بعد لقائهما في بغداد عام 2001، قائلاً إنه خرج مقتنعاً بأن الرئيس العراقي «لا يعلم بدقة حقيقة الموقف الدولي، وحقيقة الفخ الذي نصب للعراق، ولا يدرك حجم الخطر المحدق بالعراق والقادم عليه».
ويلفت إلى أن العلاقات الجيدة بين العاهل الأردني الراحل الملك حسين وحافظ الأسد تدهورت حين بدأت الحرب العراقية - الإيرانية تأخذ مداها، وفتحت «قنوات اتصال استثنائية» بين الملك حسين وصدام حسين، «أحبطت مساعي الأسد لبناء محور مضاد للعراق».
ويكشف عبيدات أن رفعت الأسد، قائد «سرايا الدفاع»، «أرسل مجموعة لاغتيال مضر بدران» رئيس الوزراء الأردني آنذاك، «بحجة احتضان الأردن لـ(الإخوان المسلمين) ومعسكرات تدريب، وكان كلامه كله خطأ»، مؤكداً أن المحاولة أُحبطت وأوقف المنفذون.
وفي ملف القيادي الفلسطيني المنشق عن «فتح» أبو نضال، يستعيد عبيدات كيف «حماه أبو إياد» من الاعتقال، قبل أن «ينقلب السحر على الساحر»، في إشارة إلى أن أبو إياد كان لاحقاً من ضحاياه. وفي ما يلي نص الحلقة الأخيرة:
———

* ما قصتكم مع أبو نضال، وهل كان أبو نضال خصماً صعباً؟
- نعم صحيح. هو خصم ليس سهلاً. فقد هاجم بعض سفاراتنا وسفرائنا، وتسبب في مقتل سفيرين أو ثلاثة. كما أنه كان وراء اغتيال نجل رئيس الوزراء الأسبق سعيد المفتي، وقد كان الشاب موظفاً دبلوماسياً بالسفارة الأردنية في بوخارست. وتسبب بجرح سفيرين في عمليات متعددة. وعندما أصبحت رئيساً للوزراء خلال عامي (1983 - 1984) قام أبو نضال باغتيال فهد القواسمي رئيس بلدية الخليل وكان في زيارة لعمان.
طبعاً عمل أبو نضال لصالح السوريين، كما عمل لصالح العراقيين، ثم مع الليبيين. وللأسف من حماه في فترة من الفترات قام بقتله. فقد حماه أبو إياد. لكن في نهاية المطاف كان أبو إياد واحداً من ضحايا أبو نضال.

* حماه من ماذا؟
- حماه من الاعتقال. كانت جماعة «فتح» تريد اعتقاله، وبالأخير انقلب السحر على الساحر. وكان أبو إياد ضحية أبو نضال. ويقال إن أبو إياد تكونت لديه فكرة بأن أبو نضال في تلك المرحلة أصبح يعمل لصالح المخابرات الصهيونية.
لقد كان أبو نضال جاهزاً للعمل لمصلحة أي جهاز استخبارات في أي بلد ويسمح لهم بالسيطرة عليه. لذلك استخدمته الاستخبارات السورية والعراقية والليبية في أكثر من مرة، وسخر جماعته لخدمة أجندته ومصالحه. وبالفعل نفذ عمليات متعددة لا تحضرني الآن لكن كانت نشاطاته الإرهابية مقلقة ومزعجة. استخدمه العراقيون في عمليات ضد جماعة «فتح»، بهدف إحداث انشقاقات وخلق مشكلات.
 
* ماذا فعلتم عندما تعرض لسفرائكم في الخارج بوصفكم دائرة مخابرات؟
- وقتها كنت رئيس حكومة، ولم أتابع هذا الملف الأمني بسبب العمل الحكومي المرهق. ولكن أعرف أن اتصالات جرت بهدف عقد صفقة لوقف عملياتهم في الأردن. وبالفعل توقفت عملياتهم. وقيل وقتها عن نوع من الاتصالات، وانتهى الأمر.

* هل كنتم تنسقون كثيراً مع أميركا وروسيا؟
- كنا نتعاون مع أي جهة تملك معلومات تهمُنا، باستثناء الصهاينة.
هل كان هناك تنافس مثلاً بينكم وبين المخابرات السورية؟
- في فترات معينة طبعاً. وفي فترات قصيرة كان هناك تعاون، لكن قبلها لم يكن هناك أي اتصال.

* قابلت حافظ الأسد ومعك ملف ساخن كان اسمه ملف «إخوان» سوريا وتدريبهم العسكري ضد الأسد؟
- صحيح. قابلته بوصفي مديراً للمخابرات حول ملف «الإخوان المسلمين» سنة 1979، حينما بدأت الأمور تتأزم بيننا وبين السوريين. كان الأسد غاضباً من قصة «الإخوان» السوريين، وكان يتهم الأردن بأنه يمتلك معسكرات لتدريب «الإخوان المسلمين» السوريين.
طبعاً ذهبت إليه برفقة مضر بدران الذي عاد رئيساً للحكومة وقتها، وبتوجيهات من الملك الحسين. أوضحنا لحافظ الأسد أنه من المستحيل أن يكون لدينا معسكرات لـ«الإخوان المسلمين» السوريين يتدربون بها.
وقلنا للأسد إن معسكرات «الإخوان» السوريين موجودة في العراق، وأوضحنا أن السوريين يمرون بجوازات سفر مزورة من سوريا للعراق عبر الأردن، ونحن بوصفنا مخابرات أردنية لا نملك أي معلومات مؤكدة عن جوازات السفر المزورة وحامليها.

* العراق كان يدرب «الإخوان»؟
- نعم. كانت في العراق معسكرات تدريب لهم ولغيرهم، وفي مناطق قريبة من الحدود العراقية - السورية. معلوماتنا في هذا المجال مكتملة، فحملنا الملف وذهبنا. طبعاً وكعادة حافظ الأسد استرسل في البداية وتحدث لنحو ساعة كاملة عن الأوضاع العربية، ونحن نستمع. فكعادته لديه طريقة في الإسهاب الشديد.
بعدها تطرق لموضوع العراق، ومن ثم انتقل لموضوع «الإخوان». وبدأ كلامه بغضب، فاحتوى بدران غضبه، وبعدها تدخلت بالحوار بصفتي مديراً للمخابرات ومعي ملف «الإخوان» كاملاً من الناحية الأمنية، فأوضحت للرئيس الأسد أن القضية هي مشكلة سورية وليست أردنية، وأن الأردن لا يمكنه التعاون إلا من خلال المخابرات السورية التي تعرف من هم الحاملون لجوازات سفر مزورة ويستخدمونها عبر الحدود الأردنية للوصول للعراق؛ حتى لا ينكشف أمرهم.
أبلغته أنه باستطاعتنا المساعدة إن تم تزويدنا بكشوفات تحتوي على أسماء جوازات السفر المزورة، وعندها يمكن ضبط هذه المشكلة. أما وحدَنا فنحن لا نستطيع التضييق على السوريين الذين كانوا يعبرون الحدود بالهويات وليس بجوازات السفر.
وأبلغته بصراحة بأننا لا نهتم بملف «الإخوان المسلمين» السوريين الذين سكنوا عمان بعد أحداث حماة الدامية، وأن الأمر ليس من الأولويات القصوى بالنسبة للأمن الأردني، فكله مسيطر على تحركاته ونحن بصورتها. ولن نسمح بأي نشاط تنظيمي مسلح داخل المملكة. والمطلوب اليوم هو تزويدنا بالأسماء، واتركنا نتعامل معهم بحيث عندما أشعر بأي خطر على الأمن السوري أتدخل بطريقتي الخاصة.
لكن موقفاً ساعد على إغضاب الأسد، وهو أن مراقب عام «الإخوان المسلمين» في الأردن محمد عبد الرحمن خليفة طلب موعداً لزيارة الراحل الحسين، وقد اصطحب معه سعيد حوى، وهو من شيوخ «الإخوان المسلمين» السوريين، وداعية أكثر منه سياسياً، من غير أن يُبلغ التشريفات الملكية بالأمر أو يطلب نصيحة المخابرات أو الحكومة. تفاجأت التشريفات بهذا الموقف. ولم يُقدر خليفة، رحمه الله، حساسية الموقف والوضع بيننا وبين سوريا.
مباشرة اتصل الديوان الملكي بالمخابرات مستفسراً عن سبب وجود حوى ولقائه بالملك. وبالفعل نحن في الجهاز شعرنا بالحرج. وبعد عمليات التدقيق تبين وجود مجموعة دخلت الأردن. استدعيناهم وبدأنا التحقيق معهم. وتبين أن معظمهم دخل الأردن وبنيّته التوجه إلى العراق. وهناك من يريد الإقامة فقط في عمان. وضعت الراحل الملك الحسين بصورة الأمر؛ فتداركاً لتفاقم الأزمة بين عمان ودمشق، طلبنا منهم المغادرة من الأردن، وبقي عدد من الحالات الإنسانية منحناهم مهلة لحين تدبر أمور إقامتهم في دولة غير الأردن.

* ما انطباعك عن الأسد، وهل هي المرة الوحيدة التي رأيته بها؟
- نعم. الأسد مستمع جيد. لم يعلق على الموضوع، لكن أعطى تعليمات للمخابرات السورية بأن تتعاون معنا، وقد تعاونت فعلاً مع علي دوبا.

* كيف كان علي دوبا؟
- العلاقة كانت محدودة بيني وبينه، لكن يمكن التفاهم معه.
يقال إن أحمد جبريل كان يخطط لعمليات ضد الأردن. هل اتهمتم المخابرات السورية؟
- ليس أحمد جبريل. المشكلة الأخرى الأهم كانت مع شقيق الرئيس حافظ الأسد رفعت الذي نُفي إلى فرنسا. فرفعت الأسد كان عنده جيش موازٍ اسمه «سرايا الدفاع»، وكانت له خطط للإساءة للعلاقة الأردنية - السورية. فقد أرسل مجموعة لاغتيال مضر بدران الذي كان رئيساً للحكومة وقتها. وبحجة احتضان الأردن لـ«الإخوان المسلمين» ومعسكرات تدريب، وكان كلامه كله خطأ، ولا أساس له.
طبعاً المحاولة تم كشفها. هناك من أُلقي القبض عليه في أثناء دخوله، وبعضهم وجدناهم مستأجرين شقةً في منطقة صويلح في عمان. أُلقي القبض على المجموعة كاملة وجرى التحقيق معهم، وكان بحوزتهم أسلحة ومتفجرات، وبعدها تمت محاكتهم أمام محكمة أمن الدولة، وجميعهم كانوا يحملون الجنسية السورية، وهم عناصر من «سرايا الدفاع».

* هل حاولوا اغتيال أحد آخر؟
- اغتالوا لاجئاً سورياً سياسياً كان يعتاش من بيع الزهور ويعيش في عمان. ولكن كان هذا في زمن سابق جداً للحادثة التي رويتها لك.

* ما أبرز الصعوبات التي واجهتها عند تسلمك رئاسة الحكومة؟
- كانت الصعوبات المالية هي أول التحديات؛ لأن المعونات العربية والخليجية بالذات بدأت بالتناقص لحدود الصفر، وكنا بحاجة لها. وبموازاة ذلك، بدأ أردنيون عاملون في الخليج بالعودة للأردن بعد فقدانهم وظائفهم، وكان ذلك هو العبء الثقيل الذي تسبب بالضغط على ظروف المواطنين المعيشية في الأردن.

* وماذا عن التحديات الأمنية في فترة تسلمك رئاسة الحكومة؟
- كما ذكرت لك سابقاً، كقصة أبو نضال مثلاً. في المقابل بدأت علاقتنا بمنظمة التحرير الفلسطينية تتحسن، وقد سمح الراحل الحسين بعقد المجلس الوطني الفلسطيني في عام 1984. وهذا القرار تسبب لنا بأزمة سياسية مع سوريا التي كانت علاقتنا بها متوترة أصلاً.

* هل صحيح أن حافظ الأسد هدد بقصف مقر انعقاد المجلس في عمان؟
- تم إحباط محاولات عدة وعمليات إرهابية ضد أمن الأردن في وقتها وضد أعضاء المجلس الوطني الموجودين في عمان. وسوريا ونظامها مارسا ضغطاً لعدم حضور أعضاء من المجلس الوطني الفلسطيني، لكننا ساعدنا وبدرجة كبيرة في نجاح انعقاده.
طبعاً في تلك الفترة كان الموقف الأردني واضحاً؛ فنحن لا نريد المزيد من الفوضى وتعقيد المشهد. واستقر الأمر عندنا على ضرورة ألا يكون هناك فراغ سياسي في تمثيل مصالح الشعب الفلسطيني والقضية. فبعد الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للفلسطينيين، صار دعم المنظمة شأناً أردنياً، والسبب في ذلك أننا لا نريد أن يفرغ الشارع الفلسطيني من القيادات التي تمثله في الداخل والخارج.
فإذا لم يعد دور للأردن في الضفة الغربية، فيجب ألا تغيب منظمة التحرير عن الحضور في تمثيل القضية الفلسطينية. والمصلحة كانت بتقديرات أردنية تقتضي دعم المجلس الوطني الفلسطيني وانعقاده في عمان، ودعم الشرعية الفلسطينية الممثلة بمنظمة التحرير.

* هل التقيت بياسر عرفات؟ وكيف كان اللقاء؟
- التقيته نعم، وكان لقاء ودياً بعد أن كانت علاقاتي به غير ودية في فترات سابقة.

* وهل التقيت أبو إياد؟
- التقيته أيضاً في الديوان الملكي، في فترة انعقاد المجلس بعمان.

* ماذا عن جورج حبش؟ هل قابلته؟
- التقيته، لكن في وقت لم أكن فيه بالمسؤولية. التقيته في المؤتمر القومي العربي لاحقاً في بيروت.
 
* وماذا عن «الجبهة الشعبية- القيادة العامة»؟ هل خطط مؤسسها أحمد جبريل لعمليات داخل الأردن؟
- أحمد جبريل جاء مع المنظمات الفدائية بعد نكسة 1967. لكن بالنسبة إلى تعاملنا مع «الجبهة الشعبية»، فكان من خلال علي بشناق، وهو مندوب الجبهة في التعاون مع القوات المسلحة والمخابرات العامة.

* مندوب للتعاون مع الجيش والأمن الأردني؟
- نعم؛ فقد ساعد الجيش الأردني والمخابرات العامة في تسليح فدائيين للقيام بعمليات داخل الأرض المحتلة في بداية الأمر.

* وهل أحمد جبريل كان من بين المتعاونين معكم؟
- العلاقة كانت مع قيادة «الجبهة الشعبية»، وكان علي بشناق من ينسق معنا في مجال دعم مقاومة الاحتلال في الداخل، وكان في عمان عدد من قيادات الجبهة في ذلك الوقت.

* في أي عام كان هذا التعاون، وهل سلمتم أحمد جبريل سلاحاً؟
- في عام 1967 بعد الحرب مباشرة. لم تكن الأسماء هي غايتنا، كان هدف الأردن أن يكون للمنظمات دور في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وساعدنا في هذا المجال كثيراً. كنا ننسق مع الجيش لحماية عناصر المقاومة في أثناء عودتها من عملياتها داخل الأرض المحتلة، وكان يرد على النيران الإسرائيلية.

* إذاً كيف ساءت العلاقة مع جبريل؟
- عندما وقعت معركة الكرامة (مارس 1968، وهي أول مواجهة مع إسرائيل بعد هزيمة 1967)، أعلن جبريل ترك مواقعه مع جماعته وقال إن «الكلاشنكوف ما راح يقاوم المدفعية ولا الطيران»، فانسحب مباشرة. ولم يبق في منطقة الكرامة كلها.

* لكنه يقول إن عرفات هو الذي انسحب.
- هو لا يعرف شيئاً عما يقوله.
 
* مَن أكثر من شارك معكم في معركة الكرامة من الجانب الفلسطيني؟
- كانت هناك جماعة من منظمة «فتح» صمدت وقاتلت ببسالة. واستشهد عدد منهم. وهناك أشخاص من المنظمات تُركوا من دون سلاح فذهبوا ضحية ضعف منظماتهم في إيصال السلاح لهم وتزويدهم بالذخائر.
كما كانت هناك عناصر لم تتلق أي شكل من أشكال التدريب، فقد أسست منظمة «فتح» في منطقة الكرامة كلية عسكرية وبقي فيها عدد من المتدربين قبل المعركة بيومين تُركوا من دون أي توجيهات. واجتمع فيهم قائد الجيش الأردني وأبلغهم أن المعركة باتت قريبة، ومع ذلك لم يحرك أحد ساكناً، وتركوا المتدربين من غير سلاح. والنتيجة كانت مأساوية فقد استشهد معظمهم مع بداية الحرب. وقد وصل هذا الكلام لمنظمات فدائية، ولأبو عمار شخصياً.

* هل كان الملك حسين صلباً في معركة الكرامة؟
- جداً.

* وكيف تصف علاقتك مع الملك حسين؟
- خلال فترة العمل في الحكومة يستطيع رئيس الديوان الملكي وقتها مروان القاسم أن يصفها. طبعاً بتقديري أن الراحل الملك الحسين كان يحترم الذي يحترم نفسه. وقد كنت أحترم نفسي كثيراً، ولم أتقدم بأي طلب للملك الحسين في حياتي.
وبظني أيضاً أن الراحل الحسين حفِظَ لي ما قمت به في أثناء إدارتي لجهاز المخابرات العامة. والتقارير التي كنت أقدمها وأعرضها.

* لكن علاقتك بالراحل الحسين اختلفت تماماً بعد توقيع معاهدة السلام اتفاق وادي عربة؟
- صحيح. فقد حصل بعض الجفاء. وقد كانت معارضتي للحكومة التي جاءت بقانون المعاهدة.

* هل نفذت المخابرات الأردنية عملية في بيروت بهدف الرد على اغتيال وصفي التل؟
- المخابرات الأردنية لم تنفذ أي عملية في بيروت. لا في زمني ولا في زمن جاء بعدي.

* لم تنفذ أي عمليات؟
- لم نقم بوصفنا مخابرات بأي عملية في الداخل اللبناني. لكن قد يكون قصدك الاستخبارات العسكرية وهي جهة لها اجتهادها وتقديراتها وخصوصية عملها. وقد يكون لها نشاطاتها التي لا تكون المخابرات بصورتها.

* من أبرز الشخصيات الخارجية التي التقيتها بوصفك رئيس حكومة؟
- طبعاً التقيت بحافظ الأسد، وحسني مبارك، وصدام حسين. وفي زمن حكومتي زارت ملكة بريطانيا الأردن والتقيتها، وكذلك الرئيس النمساوي، ومعظم رؤساء الدول عند الزيارات الرسمية. والتقيت بالملك الإسباني قبل استقالتي بأسابيع. لكن جميع تلك اللقاءات كانت بروتوكولية.

* إذا طلبت منك في جملة واحدة أن تصف علاقات الملك حسين مع الرئيس حافظ الأسد؟
- في حدود معلوماتي كانت العلاقات جيدة وصريحة ومستمرة. وتكاد تكون الاتصالات بينهما أسبوعية. لكن عندما بدأت الحرب العراقية - الإيرانية تأخذ مداها تغيرت الصورة شيئاً فشيئاً. أصبحت هناك قنوات اتصال استثنائية بين الرئيس صدام حسين والملك حسين تتجاوز الأجهزة والقنوات الدبلوماسية والحكومات.

* وكيف تصف العلاقة بين الملك حسين وصدام حسين؟ هل كانت حميمة؟
- جداً. وأعتقد أن هذا أثار حفيظة الرئيس الأسد إلى حد كبير جداً. باعتقادي مبادرة الرئيس حافظ الأسد لبناء علاقات بين الأردن وسوريا والحديث عن وحدة مستقبلية واللجان المشتركة التي بدأت، كانت محاولة لبناء محور أردني - سوري ضد العراق. لكن هذا المسعى لم ينجح.

* حدثني عن زيارتك إلى العراق عام 2001؟
- كان موعد انعقاد المؤتمر القومي العربي ومكانه في بغداد بعد انقطاعه لمدة طويلة، وكنت عضواً في الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، فذهبنا إلى بغداد، وهناك التقينا مع معظم أعضاء المؤتمر القومي العربي.

* من كان أبرزهم؟
- الحقيقة، لا أتذكر أسماء الآن، ولكن افتتح المؤتمر سعدون حمادي بوصفه شخصية رسمية، وحضر أيضاً وزير الخارجية طارق عزيز نائباً عن الرئيس.

* والتقيتم الرئيس في هذه الزيارة؟
- كانت هناك ترتيبات مسبقة مع السفير العراقي في عمان صلاح الياسين، فقد طلبنا منه ترتيب لقاء لنا بالرئيس صدام في بغداد. وتمت الترتيبات، قابلته وطاهر المصري. وتم اللقاء وحضره طارق عزيز ومرافق الرئيس عبد حمود، وأيضاً شخص آخر كان يكتب ملاحظات، ويدون وقائع الاجتماع. جرى حديث عن الأوضاع العربية والأرض المحتلة وأسهب الرئيس صدام بالحديث عن الوضع في فلسطين، وماذا يقدم العراق للمقاومة في فلسطين ولعائلات الشهداء. تحدث بمعلومات قيمة بالنسبة لي؛ أي كانت معلومات جديدة تقريباً.
يومها تحدث عن علاقاته مع الأردن بشيء من العتاب، وكان تقريباً يعاتب من خلالنا بصفتنا رؤساء حكومات سابقين. عندها قلت له: نحن حضرنا المؤتمر القومي العربي في بغداد بوصفنا مواطنين عرباً، ولا نمثل أي جهة رسمية في الأردن. فقط بهذه الصفة نحن موجودون هنا، وبهذه الصفة نتحدث معك سيادة الرئيس حول الأردن.
في تلك الأيام، كان الأخ طه ياسين رمضان يطالب بقطع النفط عن الأردن، وقلت ذلك للرئيس صدام. التفت الرئيس صدام فقال: كيف؟ قلت: يطالب بقطع النفط عن الأردن، وقلتها لصدام بمنتهى الصراحة. الشعب الأردني لم يوقع معاهدة السلام، بل وقعتها الحكومة، والآن هناك وضع مختلف في الأردن. من تعاتبهم أصبحوا في دار الحق أو أخرجوا من حالة الفعل السياسي. طبعاً صدام كان يشير إلى بعض رؤساء الحكومات الذين كانوا في فترة معينة من الحكم، وكان يعاتب الراحل الملك الحسين، وأظن أنه كان يشير إلى موضوع حسين كامل وقضية هروبه مع زوجته إلى الأردن.

* هل تعتقد أنه لم يكن للأردن علاقة بانشقاق حسين كامل؟ هل فوجئ به؟
- أجزم بأن الأردن لم تكن له أي علاقة. صحيح لم أكن في المسؤولية وقتها. لكن أجزم بذلك.

* ولا في عودته؟
- عودته بالعكس. من خططوا لعودته هم إخواننا في بغداد واستدرجوه استدراجاً. لكن وضعه لم يكن مريحاً في الأردن هنا كما علمت في المرحلة الأخيرة. لم يكن التعامل معه مريحاً جداً، فاجتمعت هذه وتلك.
وبالعودة للقاء الرئيس صدام، فقد قلت له إن الشعب الأردني ليست له علاقة بهذه المعاهدة، ولم يوافق عليها، وحتى اللحظة لم يطبع علاقاته مع العدو الإسرائيلي. وإذا قطعتم النفط عنا فسنكون نحن الشعب الأردني قد تمت محاصرتنا من جهات ثلاث. من الغرب والعدو الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين، ومن أشقائنا العراقيين. وإن حصل ذلك وضعف الأردن فإسرائيل في تلك الحالة ستصبح على حدودك ليس بالضرورة من ناحية ملموسة فعلاً لكن رمزية.
حقيقة، بعد ذلك انتفض صدام واعتدل في جلسته وقال لي: أخ أحمد. هذا مستحيل أن يتم. إن الذين تآمروا عليّ في الشمال (وكان يشير إلى الحكم في دمشق) وما زالوا، ما زلت أمد يدي لهم للمصافحة، فأنا لن أخذل الشعب الأردني في أي حال من الأحوال، وهؤلاء الذين يخطبون في قاعة فندق الرشيد (لا تدير بال إلهم) دعهم يخطبون كما يشاؤون.

* هذه هي المرة الوحيدة التي رأيت بها صدام حسين؟
- لا طبعاً. رأيته قبلها لما كنت رئيساً للحكومة. ذهبنا في زيارة مع الراحل الملك الحسين، والتقينا به وجلسنا معه. طبعاً كانت الجلسة حميمة، وهذه الزيارة كانت في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية. وقد تمت لقاءات مفتوحة للوفدين، وكلام عام عن الأوضاع في الجبهة.

* ماذا تذكر من هذا اللقاء؟
- كان عبارة عن شرح للأوضاع العامة. وما هي إجراءات الصمود من ناحية التموين، وما هو الوضع على الجبهة. وكان بعد هذه الجلسات المفتوحة للوفدين، تكون هناك جلسة مغلقة تجمع الرئيس صدام حسين والملك الحسين وحدَهما، وبعدها نغادر.
 
* ما انطباعك عن صدام حسين؟
- بالنسبة لي قد يكون الجلسة التي جمعتنا به في عام 2001، ويومها تحدث عن العالم والحصار على العراق، والحقيقة أن وزير الخارجية وقتها طارق عزيز لم يتحدث بشيء. وصدام هو الوحيد الذي كان يتحدث. من حديث صدام يومها تشكل عندي انطباع أنه لا يعلم بدقة حقيقة الموقف الدولي، وحقيقة الفخ الذي نصب للعراق، وحجم الخطر المحدق بالعراق والقادم عليه.
كان وقتها لا يزال صدام لديه شيء من العنفوان. ويقول: إذا كانوا يفكرون أنني تعبت فأنا أستطيع أن أنام على جذع شجرة 40 يوماً. والحقيقة أن صدام اهتم بنا كثيراً. وبعد اللقاء، صاحبنا مودعاً حتى الباب الخارجي، وبقي ينتظرنا حتى ركبنا سياراتنا والتلفزيون صوّر كل ذلك.
وعند عودتنا إلى المؤتمر العربي كان الجميع مستغرباً. نحن لم نكن مدركين ما الأمر. وإذ بالجميع كانوا مستغربين لأن الرئيس صدام ودعنا حتى ركبنا السيارة وظل واقفاً حتى غادرنا. حقيقة لم نكن مدركين أهمية الأمر، وعندما سألنا ضيوف المؤتمر عن سر حفاوة الرئيس صدام بنا، فقلت: كل ما في الأمر أننا تحدثنا بكل صراحة.
في اليوم التالي، تلقينا دعوة على العشاء من وزير الخارجية العراقي طارق عزيز. بعد انتهاء العشاء خرجنا لنركب بالسيارات، فجاء عزيز من جهتي فنزلت من السيارة احتراماً للرجل المضيف. وعندها خاطبني بقوله: «أخ أحمد، ترى شو يريد الملك عبد الله الرئيس جاهز»، فقلت له بأني لا أحمل رسالة من الملك عبد الله الثاني. وأني متأكد بأن الملك لا يريد للعراق إلا الأمان والازدهار.
وتابعت الحديث معه، وأوضحت أني لن أنقل رسالة إلى الملك؛ لأني لست مكلفاً بنقل رسالة من الملك إلى صدام، فكيف لي أن أحمل رسالة صدام للملك عبد الله الثاني. في تلك اللحظات نصحت طارق عزيز وقلت له: يا أبو زياد، ديروا بالكم على أصدقائكم الروس. قال: لماذا؟ قلت: أفضل أن تركزوا على استمرار الدعم الروسي لكم. قال: نحن منتبهون، والوضع جيد، والتنسيق معهم مستمر. قلت: لا أظن الأمر كذلك. فقد بدأ الوضع الدولي يتغير لصالح الروسي. وموسكو موقفها بدأ ينقلب تجاه العراق. وأبلغت عزيز بأن هذا رأي شخصي وليس موقفاً رسمياً أردنياً. وأعدت له القول: ديروا بالكم على أصدقائكم الروس.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

هاكابي.. الرقص على أنغام ترمب!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

لا يكاد القس الأمريكي المسيحي المعمداني "مايك هاكابي" يغيب عن المشهد، حتى يعود إلى المسرح من جديد بمواقف وتصريحات تتجاوز في تطرفها ما يصدر عن سموتريتش وبن غفير، لقد بدا القس المسكون بالنصوص التوراتية والتأويلات الخلاصية أكثر حرصاً على مصالح إسرائيل من أمريكا نفسها بوصف المذيع  المحافظ  "تاكر كارلسون"، الذي يسعى لفرض القيم المسيحية في الحياة العامة، ويطرح ومجايليه أسئلة حول استمرار الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل وتعارضه مع شعار "أمريكا أولاً".
هاكابي وتوم باراك وغيرهما من السياسيين الأمريكيين الذين اختارهم ترمب ليكونوا ممثليه في المنطقة منسوجون من قماشة واحدة، فهم ينحدرون من جماعة "المسيحيين الإنجيليين"، الذين يعتبرون دعم إسرائيل واجباً دينيّاً مقدساً لا يقبل التفاوض، وهم من يصوغون فكر ترمب وسلوكه، وهو الذي سبقهم بالقول إن إسرائيل "قطعة صغيرة بحاجة إلى أن تتوسع"، ليلتقط هاكابي الفكرة وينتدب نفسه لتحويلها إلى خرائط سائلة تمتد من النيل إلى الفرات، ولا عجب في ذلك، فقد تحولت الدبلوماسية في عهدهم من رعاية المصالح القومية إلى تنفيذ "نبوءات توراتية". فترمب لم يختر دبلوماسيين محترفين، بل اختار مبشرين ومنذرين.
لا تكمن خطورة تصريحات هاكابي في كونه أكثر تطرفاً وعداء للشعب الفلسطيني من غلاة المتطرفين السابقين واللاحقين في إسرائيل فحسب، بل في اعتقاده بأنه منتدبٌ من السماء لينفذ مشيئة الله على  الأرض؛ لاستعجال الخلاص في ما يعتقده نهاية العالم في معركة "هارمجدون".
يحضر هنا المثل القائل: "إِذا كانَ رَبُّ البيتِ بالدفِّ ضارباً.. فَشيمَةُ أَهلِ البيتِ كُلِّهِمِ الرَقصُ".

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة : الانشقاقات الفلسطينية .. هل حال الطوفان دون انشقاق حمساوي؟


     تصادف هذه الأيام الذكرى السنوية السابعة والخمسين على انطلاقة الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة الرفيق نايف حواتمة، وهي الجماعة التي انشقت عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الدكتور جورج حبش، وذلك بعد سنتين تقريبا على تأسيسها أواخر عام 1967 .
 وفي هذه "المعادلة" لا نريد فتح سرداب ذلك الخلاف/ التصدع، بعد مضي كل هذه السنوات العجاف، فقد رأينا مثله في معظم الفصائل والحركات، بل وما هو أسوأ منه وأصعب، ولكن ربما للتعلم وأخذ الحيطة والحذر والعبر، فاللحظة الفلسطينية ما زالت حرجة وحساسة، بل ان واقع الفصائل الفلسطينية تشي انها لم تبن أي من مداميكها على الصخر، ما زال البرنامج المرحلي (الحد الأدنى) فيما دون حدوده المتدنية، وما يزال الخلاف بين الجبهتين ماثلا وقائما ومنسحبا على كل الفصائل تقريبا، والعديد منها لربما قد فارق الحياة وخاصة تلك التي احتضنتها دمشق، او انها في حالة موت اكلينيكي منذ ان احتضنت اتفاقية أوسلوعام 1993.
   يرى مراقبون، ان حركة حماس، آخر الفصائل التي تأسست نهاية الثمانينيات، قد قاربت من حركة انشقاقية بين تيارين اقترب أحدهما من الشيعة الحاكمة في إيران وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن الشمالي، في حين حرص التيار الآخر ان يبقى وفيا لأصوله الدينية السنية، والسياسية الاخوانية، ووصل الامر به ان يمزق صور قاسم سليماني التي رفعها انصار التيار الأول في غزة غداة اغتياله، وأخذ البعض على زعيم الحركة إسماعيل هنية اعتباره شهيد القدس . وقد وصل الأمر ببعض المحللين ان "طوفان الأقصى" كانت بمثابة محاولة عملية نوعية جادة لمنع ذاك الانشقاق، الذي كان سيكون أقسى من انشقاق الشعبية والديمقراطية عام 1969 ومن انشقاق فتح أبوموسى عام 1984 وانشقاق ناصر القدوة عام 2021 .
 صحيح ما كتبه الرفيق الكبير تيسير الزبري أحد مؤسسي الجبهة الديمقراطية على صفحتي من أنه "لا يمكن محاسبة اللحظة الراهنة بحساب قبل ٥٧ عاما"، ولكن للحظة الراهنة أجيال جديدة وهموم مختلفة ومهمات مرحّلة مما تركته لهم تلك الفصائل، يستقيم لهم الحق كل الحق في طرح السؤال الذهني والفكري: بعد مرور 57 سنة على تأسيسها، هل يرى رعيلها القيادي والكادري، انها كانت على حق في ذلك القرار الانشقاقي، وهل كان مفيدا ام مضرا، وهل اذا ما حصل اجتهاد في الرأي مخالف لرأي القائد ان يكون الحل بالانشقاق، لن يكون مستغربا بعدها بعشرين سنة ان نشهد انشقاق حركة فدا بقيادة ياسر عبد ربه عن الجبهة الديمقراطية، فنكون بعدها أمام نحو دزينتين من الأحزاب والفصائل، أقرب بعضها الى الدكاكين، تبيع نفس البضاعة الكاسدة.  




أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

تطرف استفزازي


تصريحات استفزازية، وقد تكون مهينة، قالها سفير ترامب لدى المستعمرة مايك هكابي، وحمل مضمونها وزير خارجية المستعمرة جدعون ساعر، وهي خلاصة موازين القوى السائدة دولياً وعربياً، وليست وليدة اللحظة، وإن كانت تُعبر عن الرغبة الدفينة، لدى المستعمرة وأدواتها والحلفاء الداعمين لها، وخاصة لدى إدارة يمينية متطرفة، فالسفير هكابي صهيوني حتى نخاع العظم، وساعر إحتلالي يعبر عن حالة الاغتصاب لفلسطين، وكلاهما في هذا الموقف المتطرف يعكس الطمع الاستعماري التوسعي، حصيلة هيمنة الولايات المتحدة على الوضع الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وهيمنة المستعمرة بعد سقوط نظامي بغداد ودمشق بفعل أميركي وتحريض إسرائيلي، ويواصلون سعيهم نحو اخضاع العالم العربي وتدمير إيران حتى تستفرد المستعمرة بمنطقتنا.
الطمع الاستعماري السائد أميركياً وإسرائيلياً، يسير بالاتجاه الذي سار له من قبله العديد من الأنظمة الاستعمارية التوسعية.
بريطانيا كانت العظمى تحتل أغلبية بلدان العالم الثالث، وسقطت وتحولت إلى أداة غير مستقلة عن الولايات المتحدة.
هتلر إحتل أوروبا وطمع في الاتحاد السوفيتي، فكانت هزيمته واندحاره وانتحاره.
والاتحاد السوفيتي إحتل أفغانستان فكانت ضربته الموجعة التي أزالته كدولة عظمي وتراجع دوره ومكانته وها هو متورط في أوكرانيا يُستنزف غير قادر على حسم المعركة لصالحه.
اليوم الولايات المتحدة تستفرد في هيمنتها، وتسلطها وتوسعها وفرض سياساتها على شعوب وبلدان العالم، في غياب روسيا، وخيارات الصين نحو الاقتصاد والتجارة، وأوروبا تدفع ثمن دعمها لأكروانيا، رغم خلافاتها مع الولايات المتحدة .
تصريحات هكابي رغم أنها غير واقعية، غير عملية، ورغم أن المستعمرة نالت من قوة حزب الله، ومن حركة حماس، ومن إسقاط النظام السوري، ولكنها أخفقت في اجتياحها لقطاع غزة، كلفت الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة في القطاع، وها هي تحاول في الضفة أيضاً، ولكنها لم تتمكن من تحقيق: 1- تصفية المقاومة الفلسطينية، 2- إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين بدون عملية تبادل، 3- طرد وتشريد أهالي قطاع غزة خارج بلدهم.
ولهذا يمكن القول بثقة أن المستعمرة تمكنت من احتلال كامل خارطة فلسطين، ولكنها فشلت استراتيجياً من طرد كل الشعب الفلسطيني خارج وطنه، فكيف لها امكانية الاستيلاء على خارطة "المستعمرة" الكبرى كما يتوهم سفير ترامب الصهيوني الأميركي في تل أبيب.
لم تتمكن من إنهاء وتصفية القضية الفلسطينية على الرغم من التفوق الإسرائيلي والدعم الأميركي، ولكنها لن تتمكن من النيل من حقوق وأرض العرب لدى البلدان المجاورة.
أطماع المستعمرة ومعها الولايات المتحدة، شبيهة بالأطماع التوسعية الاستعمارية لكل الذين إندحروا وهُزموا أمام الشعوب الضعيفة، القوية بكرامتها وتمسكها باستقلالها، وهُم، نعم هُم وما يمثلون: هكابي الأميركي الصهيوني، وساعر الصهيوني الاحتلالي الاستعماري، سيندحرون إلى مزابل الهزائم السياسية كما سبقهم كل الطامعين في بلادنا.
 وشعوب العالم العربي ستواصل حضورها ونضالها أولاً ضد الاطماع الاستعمارية الاسرائيلية ومعها الولايات المتحدة التي تعمل من أجل هيمنة المستعمرة على الشرق العربي، وثانياً ستواصل شعوبنا العربية نضالاتها من أجل خياراتها في الوصول إلى أنظمة ديمقراطية تحتكم حكوماتها لنتائج صناديق الاقتراع ، وبذلك تصون حريتنا وكرامتنا واستقلالنا لصالح شعوبنا وأمام الجميع.  


أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

التدريس التواصلي للغة: نحو تمكين المتعلمين من الكفاءة التواصلية داخل الصف وخارجه



يتناول هذا المقال أحد أبرز الاتجاهات الحديثة في تعليم اللغة الإنجليزية، وهو التدريس التواصلي للغة(Communicative Language Teaching – CLT)، الذي أصبح خلال العقود القليلة الماضية نهجًا شائعًا في الفصول الدراسية حول العالم، عبر مختلف المستويات والأعمار. القاعدة التي يرتكز عليها هذا المدخل تنطلق من تساؤل جوهري: ماذا يفعل الناس باللغة خارج جدران الصف؟ فمن المعلوم أن الأفراد في حياتهم اليومية يستخدمون اللغة لتقديم المعلومات وطلبها، وتقديم الطلبات، والاستئذان، والتعبير عن الآراء، وغيرها من الوظائف التواصلية. وبعبارة أخرى، تُستخدم اللغة أساسًا بوصفها أداة للتواصل. ومن هذا المنطلق، يتمثل الهدف الرئيس للتدريس التواصلي في تزويد المتعلمين بالمهارات التي تمكّنهم من التواصل بفاعلية باللغة الإنجليزية في مواقف حقيقية.
ومن منظور تربوي، يختلف هذا النهج عن بعض المناهج التقليدية التي يتمثل فيها الدور الأساسي للمعلم في نقل المعرفة إلى الطلبة عبر الشرح والتفسير. ففي التدريس التواصلي، يتخذ دور المعلم أبعادًا أوسع وأكثر ديناميكية، وإن ظل تقديم الشروحات الواضحة للنقاط اللغوية عنصرًا مهمًا. إذ يؤدي المعلم دور النموذج في تقديم مهارات التواصل الفعّال، من خلال طرح أسئلة واضحة، وتقديم إجابات دقيقة، وإعطاء تعليمات مفهومة. كما يجسّد مهارات الاستماع النشط، مثل التواصل البصري، والإنصات الجيد، والتحقق من الفهم، والاستجابة المناسبة. وبذلك، يرسّخ ثقافة صفية قائمة على تبادل الأدوار في الحديث واحترام قواعد الحوار.
وفي سياق متصل، ورغم أن جزءًا من التفاعل داخل صفوف التدريس التواصلي قد يظل تقليديًا، حيث يتحدث المعلم إلى الصف بأكمله خاصة عند شرح مفهوم لغوي، فإن جوهر هذا النهج يقوم على توفير مهام صفية تتطلب تواصلاً حقيقيًا وتنمّي مهاراته. ومن أبرز أدواته: لعب الأدوار، والعمل الثنائي، والعمل الجماعي، لما توفره من فرص تعليمية ثرية تعزز المشاركة الفاعلة.
وعلى صعيد آخر، تتمثل إحدى أهم مزايا هذه الأنشطة في تعزيز الدافعية والانخراط لدى الطلبة؛ إذ تتيح أنشطة العمل الثنائي والجماعي فرصًا أكبر للتركيز على الطلاقة والمحتوى بدلًا من التركيز المفرط على الدقة اللغوية. ونتيجة لذلك، يحظى المتعلمون بمساحة آمنة للتعبير بحرية أكبر مقارنة بالمواقف التي يُطلب منهم فيها الإجابة أمام الصف بأكمله. وهنا يضطلع المعلم بدور توجيهي مهم، يتمثل في إعادة تركيز الطلبة على مضمون التفاعل بدلاً من الانشغال بتصحيح الأخطاء اللغوية بشكل متكرر أثناء تنفيذ المهمة.
ومن ناحية أخرى، يسهم هذا النهج في تحقيق استخدام أمثل للوقت داخل الحصة الدراسية. فعندما ينقسم الطلبة إلى أزواج أو مجموعات تعمل في آن واحد، يصبح جميعهم منخرطين في استخدام اللغة بصورة نشطة، بدلاً من الاكتفاء بالاستماع إلى إجابات زملائهم. وبذلك، يزداد الوقت الفعلي الذي يقضيه كل طالب في ممارسة اللغة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على تطوير مهاراته التواصلية.
ولكي تؤتي هذه التفاعلات ثمارها، ينبغي أن يعتمد إنجاز المهمة على تواصل ذي معنى. أي أن تُصمَّم الأنشطة بحيث يكون هناك هدف حقيقي للتفاعل يحاكي مواقف الحياة الواقعية. فقد يتضمن ذلك تبادل معلومات شخصية لا يعرفها الطرف الآخر، أو إنشاء فجوة معلوماتية تستدعي استخدام مهارات لغوية متنوعة لسدّها.
ولتوضيح ذلك، فعلى مستوى المبتدئين الذين يتعلمون أسماء الألوان، يمكن للمعلم توزيع أوراق تحتوي على دوائر ملوّنة مختلفة، بحيث توجد لكل ورقة نسخة مطابقة لدى طالب آخر. ويُطلب من الطلبة عدم إظهار أوراقهم، ثم البحث عن الشريك المطابق عبر طرح أسئلة محددة. في هذه الحالة يتحقق التواصل الحقيقي، لأن المتعلمين لا يعرفون مسبقًا إجابات بعضهم البعض، بخلاف الأسئلة التقليدية ذات الإجابات المعروفة للجميع.
أما على المستوى المتوسط، فيمكن توزيع نص واحد بنسختين تحتوي كل منهما على معلومات ناقصة مختلفة، ويُطلب من الطلبة تبادل الأسئلة لإعادة بناء النص كاملًا. وفي المستوى المتقدم، يمكن تنظيم نشاط لعب أدوار يحاكي اجتماعًا مهنيًا، يُمنح فيه كل طالب دورًا وأهدافًا قد تكون متباينة، ويتعين عليهم التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض من خلال المحادثة. وهنا يصبح التركيز منصبًا على تحقيق الهدف التواصلي للمهمة لا على الشكل اللغوي المجرد.
وفي هذا الإطار، يؤدي المعلم دور المراقب والمقوِّم غير الرسمي ويراقب عن كثب سير تنفيذ النشاط القائم، حيث يتابع التفاعل دون مقاطعته، ويدوّن الأخطاء الشائعة لمعالجتها بعد انتهاء النشاط. كما يُفضّل التركيز على الأخطاء المتكررة التي يقع فيها أكثر من طالب، نظرًا لفائدتها التعليمية الأوسع. وفي بعض الحالات، يمكن استخدام التصحيح الفوري غير المباشر، من خلال تزويد الطالب بالشكل الصحيح كتابةً دون تعطيل سير التفاعل.
وخلاصة القول، يسهم التدريس التواصلي للغة في إعداد الطلبة لمتطلبات التواصل خارج الصف عبر توظيف تقنيات تنمّي مهاراتهم العملية وتعزز ثقتهم في استخدام اللغة. ورغم ما قد يثيره تطبيقه الكامل من تساؤلات حول مدى التركيز على الدقة والبنية اللغوية، فإن إدماج عناصره في الممارسات الصفية وإعادة النظر في دور المعلم وطبيعة الأنشطة التعليمية من شأنه أن يعزز دافعية المتعلمين، ويرتقي بكفاءتهم التواصلية، ويجعل تعلم اللغة أكثر حيوية وفاعلية.
 



أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

المشهد بين طهران وواشنطن: ردع متبادل أم تمهيد لتفاهم مرحلي؟


في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو المشهد وكأنه يقف على حافة مواجهة مفتوحة، إلا أن القراءة المتأنية تشير إلى واقع أكثر تعقيدًا يقوم على توتر مضبوط يجمع بين الردع والتفاوض في آن واحد. فالحشود العسكرية والتصريحات النارية لا تعني بالضرورة اقتراب الحرب، بقدر ما تعكس محاولة لفرض معادلات قوة جديدة وتحسين شروط التفاوض، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية لا تحتمل انفجارًا واسعًا.
أهداف واشنطن:
تسعى الولايات المتحدة إلى: تقييد البرنامج النووي الإيراني وإطالة زمن الاختراق النووي وكبح برنامج الصواريخ الباليستية. وتقليص النفوذ الإيراني في ساحات الإقليم. وحماية حلفائها، خصوصًا إسرائيل ودول الخليج. وتجنب حرب واسعة مكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
أهداف طهران:
في المقابل، تريد إيران: رفع العقوبات الاقتصادية واستعادة تصدير النفط بحرية. وضمانات بعدم انسحاب أمريكي مستقبلي من أي اتفاق. والاعتراف بدورها كقوة إقليمية مؤثرة. والحفاظ على أدوات الردع، خاصة الصواريخ وشبكة الحلفاء. ورفض التفاوض على ما تعتبره شؤونًا سيادية.
لماذا تبدو الفجوة كبيرة؟
الخلاف لا يقتصر على المطالب، بل يشمل ترتيب الخطوات: واشنطن تريد تنازلات أولًا. طهران تريد رفع العقوبات أولًا.
كما أن إدراج ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي يمثل خطًا أحمر لإيران، بينما تعتبره واشنطن جوهر أي اتفاق دائم.
تسعى واشنطن إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني وكبح تطوير الصواريخ الباليستية وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران، مع الحفاظ على أمن حلفائها وفي مقدمتهم إسرائيل، وتجنب الانجرار إلى حرب مكلفة سياسيًا واقتصاديًا. في المقابل، تركز طهران على رفع العقوبات الاقتصادية واستعادة قدرتها على تصدير النفط بحرية، والحصول على ضمانات بعدم انسحاب أمريكي مستقبلي من أي اتفاق، إلى جانب تثبيت دورها كقوة إقليمية والحفاظ على أدوات الردع التي تعتبرها ضرورية لأمنها القومي.
رغم الكلفة الكبيرة للحشود العسكرية الأمريكية، فإنها تؤدي وظائف تتجاوز الاستعداد للحرب، إذ تهدف إلى ردع الخصوم وطمأنة الحلفاء ومنع سوء التقدير، إضافة إلى تعزيز الموقف التفاوضي عبر دبلوماسية مدعومة بالقوة. ومع ذلك، فإن فعالية الحرب النفسية التقليدية تراجعت نتيجة تكيّف إيران مع العقوبات وتغيّر موازين النظام الدولي وتعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، ما جعل الضغوط العلنية أقل تأثيرًا، بينما انتقل التركيز إلى إدارة الإدراك واحتواء التصعيد بدل فرض الاستسلام.
ورغم التصعيد الظاهر، تبقى القنوات الخلفية عنصرًا أساسيًا في إدارة الأزمة، حيث تُنقل الرسائل عبر وسطاء وتُعقد لقاءات غير معلنة في عواصم محايدة مثل جنيف، بما يسمح بتجنب سوء الفهم واختبار التفاهمات دون كلفة سياسية علنية. في هذا السياق، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حرب شاملة بقدر ما تسير ضمن معادلة ردع متبادل وتفاهمات مرحلية، حيث يُستخدم التصعيد في العلن لإدارة التوازن، بينما تُصاغ الترتيبات الحقيقية خلف الأبواب المغلقة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

فرانشيسكا ألبانيز: امرأة تحمل سيف العدالة في مواجهة الظلم


بشجاعة هادئة، وبإصرار لا يلين، تواجه السيدة فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واحدة من أشرس حملات التحريض السياسي والإعلامي التي شهدها هذا الموقع الأممي منذ سنوات. حملة لا تستهدف شخصها فحسب، بل تطال جوهر فكرة العدالة الدولية ذاتها، وتستهدف حق الضحايا في أن يكون لهم صوت مسموع داخل منظومة يُفترض أنها أُنشئت لحمايتهم والدفاع عن حقوقهم.
منذ توليها مهامها، اختارت ألبانيز الانحياز الواضح إلى الحقيقة، وتسميـة الأشياء بأسمائها، من دون مواربة أو تلطٍّ خلف لغة دبلوماسية رمادية. لم تهادن في توصيف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، من جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، كما وثّقتها تقاريرها الأممية الصريحة خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل لعامين متتاليين. هذا الوضوح، الذي كان ينبغي أن يُقابل بالاحترام والدعم، تحوّل في نظر قوى الهيمنة المنحازة للاحتلال والعدوان إلى “جريمة” تستوجب العقاب.
تحت ذريعة جاهزة ومبتذلة، وُجهت إلى ألبانيز اتهامات “معاداة السامية”، في محاولة فجة لإسكاتها، وتشويه مصداقيتها، ودفعها إلى الاستقالة. وهي تهمة باتت تُستخدم كسلاح سياسي لحماية الاحتلال من المساءلة، وللهروب من استحقاقات العدالة، ولتحصين جرائمه ضد أي نقد أخلاقي أو قانوني. غير أن ألبانيز، التي تدرك خطورة هذا الابتزاز، رفضت الانصياع، وأكدت تمسكها بمهمتها، وبانحيازها المعلن إلى الضحايا، لا إلى الجلاد.
اللافت في هذه الحملة أنها لم تقتصر على وسائل إعلام منحازة أو جماعات ضغط معروفة، بل شاركت فيها دول كبرى، على رأسها الولايات المتحدة، إلى جانب مطالبات صدرت عن فرنسا وألمانيا بدفعها إلى التنحي. وهو ما يشكل سابقة خطيرة، واعتداءً مباشراً على استقلالية منظومة الأمم المتحدة، ومحاولة مكشوفة لتسييس عمل المقررين الخاصين، وتحويلهم إلى موظفين خاضعين لإرادة الدول النافذة، لا إلى حماة للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
إن استهداف فرانشيسكا ألبانيز هو في جوهره استهداف لمنظومة العدالة الدولية، ولكل من يجرؤ على فضح جرائم الاحتلال، وكشف شبكات التواطؤ الدولي التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إدامة نظام الاحتلال والاستعمار والاستيطان. وهو أيضاً رسالة ترهيب موجهة لكل صوت حر داخل المؤسسات الدولية مفادها أن الصمت هو الضمانة الوحيدة للسلامة المهنية.
لكن، وفي مقابل هذا المشهد القاتم، برزت حملة تضامن دولية واسعة مع ألبانيز، شارك فيها حقوقيون، وأكاديميون، ونشطاء، ومؤسسات مجتمع مدني، رأت في موقفها نموذجاً لما يجب أن يكون عليه المسؤول الأممي: شجاعة في قول الحقيقة، واستقلالية في القرار، والتزاماً أخلاقياً لا يخضع للمساومة. هذه الحملة لا تدافع عن شخص بقدر ما تدافع عن مبدأ، وعن حق شعبٍ بأكمله في العدالة والكرامة.
إن التضامن مع فرانشيسكا ألبانيز اليوم ليس موقفاً شخصياً، بل واجب سياسي وأخلاقي. هو دفاع عن استقلال القانون الدولي، وعن حق الشعب الفلسطيني في أن تُروى مأساته بصدق، وأن ينال مرتكبو الجرائم العقاب، مهما كانوا محميين بالقوة والنفوذ. وهو أيضاً دعوة لتوسيع دائرة التضامن، وتحويلها إلى ضغط حقيقي يضع حداً لاستهداف المقررين الأمميين، ويحمي ما تبقى من مصداقية النظام الدولي.
في زمن يُكافأ فيه الصمت، وتُعاقَب فيه الحقيقة، تذكّرنا فرانشيسكا ألبانيز بأن العدالة قد تكون وحيدة أحياناً، لكنها لا تُهزم ما دام هناك من يحمل سيفها، ولو بيدٍ واحدة.

فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

من الرباط إلى القدس.. مبادرات ميدانية تعزز صمود المقدسيين

  من السلال الغذائية التي طرقت أبواب العائلات المتعففة، إلى موائد الإفطار في التكايا، وصولًا إلى العيادات المتنقلة التي شقّت طريقها نحو التجمعات البدوية النائية، وبرامج دعم الحرفيين والشباب، تتجدد رسائل التضامن المغربي مع القدس في صورة مبادرات اجتماعية وتنموية وصحية، تسعى إلى التخفيف من وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة وتعزيز صمود المقدسيين في مدينتهم.
وتواصل وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس برئاسة محمد السادس، تنفيذ برامج ميدانية تجمع بين الإغاثة العاجلة والعمل التنموي المستدام، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن دعم الإنسان هو المدخل الأساس لترسيخ الصمود.
وفي هذا السياق، أطلق المدير المكلف بتسيير الوكالة محمد سالم الشرقاوي، خلال زيارة ميدانية استمرت أسبوعًا، حزمة من المبادرات الاجتماعية والصحية والاقتصادية، تزامنًا مع حلول شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ.
حملة اجتماعية شاملة
من قريتي النبي صموئيل والجديرة شمال غرب القدس، انطلقت الحملة السنوية للمساعدة الاجتماعية، وشملت توزيع خمسة آلاف سلة غذائية تحتوي على 22 صنفًا من المواد الأساسية لفائدة الأسر المحتاجة في القدس وقرى المحافظة. كما يشمل البرنامج توفير مؤونة للتكايا والمراكز الاجتماعية لإعداد نحو 20 ألف وجبة إفطار يوميًا، بين وجبات ساخنة وباردة، طوال الشهر الفضيل، إضافة إلى توزيع كسوة عيد الفطر لـ500 يتيم من المكفولين لدى الوكالة، وتنظيم أمسيات دينية وثقافية وبرامج تدريبية لجمعيات محلية في مجالات التسويق والتنمية البشرية.
وقال الشرقاوي إن اختيار القرى الواقعة شمال غرب القدس يحمل دلالة رمزية تعكس الحرص على الوصول إلى التجمعات الأكثر هشاشة، خاصة في المناطق المعزولة والمتضررة من الإجراءات الميدانية.
حملات طبية في المناطق المهمشة
وفي إطار الحملة ذاتها، أُطلقت أيام طبية مجانية استهدفت التجمعات البدوية في الخان الأحمر والجهالين والمنطار، إلى جانب عدد من البلدات والقرى المحيطة بالقدس، وشملت فحوصات مخبرية عبر مختبر متنقل، وخدمات الطب العام وطب الأطفال وطب العيون.
وتندرج هذه المبادرات ضمن توجه استراتيجي يركز على دعم القطاع الصحي في القدس وضواحيها، حيث سبق للوكالة أن جهزت نقاط رعاية صحية أولية في عدد من القرى والتجمعات البدوية، إضافة إلى دعم المدارس بالمستلزمات الدراسية والوسائل الرقمية.
تمكين اقتصادي للتجار والحرفيين
على الصعيد الاقتصادي، اختتمت الوكالة دورة تدريبية لتعزيز مهارات التجار المقدسيين في الكفاءة المهنية بمجال الاستيراد والتصدير، بالتعاون مع الغرفة التجارية الصناعية العربية بالقدس، ضمن استراتيجية ترتكز على التسويق الإلكتروني والمواكبة الفنية ودعم الابتكار.
كما أطلقت “أسبوع التدريب على الحرف التقليدية المغربية” في مؤسسة "العليّة" بالقدس، بمشاركة حرفيين مغاربة متخصصين في النسيج والحفر على الخشب وصياغة النحاس والفضة، واستفاد من البرنامج 38 متدربًا من الحرفيين والشباب المقدسيين، في إطار رؤية تعتبر الحرف التقليدية رافعة اقتصادية وثقافية تسهم في خلق مصادر دخل مستدامة وتعزيز الارتباط بالهوية التراثية المشتركة بين المغرب وفلسطين.
حراك أكاديمي وثقافي
وشهدت الزيارة فعاليات أكاديمية وثقافية في القدس ورام الله والخليل، تناولت الدبلوماسية الثقافية المغربية ودور لجنة القدس في دعم المدينة. ففي جامعة القدس، نُظمت فعالية بعنوان "من الفضاء الأكاديمي إلى المشروع البحثي: الدبلوماسية الثقافية المغربية في خدمة القدس"، جرى خلالها تدشين رواق للكتاب المغربي واستعراض تدخلات الوكالة في مجالات الترميم الثقافي والتعليم ودعم البحث العلمي.
كما عُقد لقاء في رام الله مع ملتقى خريجي المعاهد والجامعات المغربية بحضور سفير المملكة المغربية لدى دولة فلسطين، استعرض حصيلة عمل الوكالة الممتد لأكثر من 27 عامًا بتمويل مغربي مباشر، وبحث آفاق تعزيز التعاون الأكاديمي. وفي جامعة الخليل، نُظمت ندوة علمية حول دور المملكة المغربية في تعزيز الحق الفلسطيني في القدس.
لقاءات مع المرجعيات المقدسية
وخلال الزيارة، عقد الشرقاوي سلسلة لقاءات مع شخصيات مقدسية ومرجعيات دينية إسلامية ومسيحية، من بينهم مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين، ورئيس الهيئة الإسلامية العليا الشيخ عكرمة صبري، ورئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا، ورئيس مجلس أوقاف القدس الشيخ عزام الخطيب، وبطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، ومطران الكنيسة الإنجيلية اللوثرية السابق المطران منيب يونان.
وأكد الشرقاوي أن الوكالة تعتمد مقاربة تشاركية قائمة على التشاور المستمر مع المرجعيات الدينية والوطنية ومؤسسات المجتمع المحلي، لتحديد الأولويات الحقيقية لاحتياجات المقدسيين، وتوجيه الدعم نحو القطاعات الأكثر تأثرًا، خاصة التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.
إشادة مقدسية واسعة
وأشاد عدد من القيادات الدينية والوطنية بالمبادرات التي أطلقتها الوكالة مع حلول شهر رمضان، من بينهم عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية رئيس دائرة شؤون القدس عدنان الحسيني، الذي اعتبر أن هذه البرامج تجسد عمق التضامن المغربي مع المدينة وأهلها. كما ثمّن المفتي محمد حسين والشيخ عكرمة صبري هذه الجهود، معتبرين أنها تسهم في التخفيف من الأعباء المعيشية وتعزز قيم التكافل، فيما أكد المطران عطا الله حنا أن المبادرات تعبر عن تضامن حقيقي مع القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية.
رؤية متكاملة لدعم الصمود
وأوضح الشرقاوي أن الوكالة تعمل وفق توجيهات الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، انطلاقًا من رؤية شمولية تقوم على ثلاثة مرتكزات: الإسناد الاجتماعي للفئات الهشة، والتمكين الاقتصادي، والحفاظ على الهوية الحضارية والثقافية للمدينة.
وخلال أكثر من ربع قرن، موّلت المملكة المغربية عشرات المشاريع في مجالات التعليم والصحة والإسكان والترميم الثقافي والعمل الاجتماعي، ما رسّخ حضورًا مغربيًا ثابتًا في القدس يتجاوز الطابع الرمزي إلى أثر تنموي مباشر، ويعكس التزامًا مستمرًا بدعم صمود أهلها وصون هويتها الحضارية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

بين فتح الفكرة وفتح الممارسة: قراءة من داخل البيت قبل المؤتمر الثامن


في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الحركات الوطنية بغياب النقد داخلها، بل بوجوده. فالحركة التي تتوقف عن مساءلة ذاتها تبدأ فعليًا بفقدان قدرتها على التجدد. وما نشهده اليوم في أوساط كوادر حركة فتح، قبيل المؤتمر العام الثامن، ليس أزمة انتماء، ولا تراجعًا في الإيمان بالحركة، بل حالة حوار داخلي عميق، يمكن وصفها بأنها لحظة مراجعة تنظيمية واعية، تعكس إدراكًا جماعيًا بأن فتح تقف أمام مفترق تاريخي يتطلب وضوحًا في الرؤية وجرأة في القرار.
ما يلفت الانتباه في النقاشات الدائرة بين كوادر الحركة، في الداخل والخارج، أن أحدًا لا يشكك في شرعية فتح أو ضرورتها الوطنية. على العكس، هناك إجماع راسخ على أن فتح ما زالت تمثل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وأنها الإطار القادر، بحكم تاريخها وتركيبتها، على حمل مسؤولية المرحلة القادمة. لكن في المقابل، يترافق هذا الإيمان مع إدراك صريح بأن الفجوة لا تكمن في الفكرة، بل في الممارسة؛ ليس في فتح كرمز، بل في فتح كمنظومة تنظيمية تحتاج إلى إعادة تفعيل وتجديد.
هذا التمييز بين “فتح الفكرة” و“فتح الممارسة” هو مفتاح فهم الحالة الراهنة. فتح الفكرة ما زالت حاضرة بقوة في وعي كوادرها، باعتبارها حركة التحرر التي صاغت الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة، وقدّمت نموذجًا فريدًا في الجمع بين البعد الوطني والتنظيمي. أما فتح الممارسة، فهي تواجه تحديات مرتبطة بضعف الفاعلية المؤسسية، وتراجع الشعور بالعدالة التنظيمية لدى بعض الكوادر، واتساع المسافة النفسية بين القاعدة ومراكز القرار. هذا لا يعني انهيار الحركة، بل يعني أن الحركة وصلت إلى مرحلة تتطلب إعادة ضبط العلاقة بين الفكرة وممارستها التنظيمية، حتى تظل الفكرة حية وقادرة على التأثير.
ومن بين جميع القضايا التي طُرحت في النقاشات الداخلية، برزت قضية الأسرى والشهداء والجرحى باعتبارها ليست مجرد ملف إداري أو اجتماعي، بل معيارًا أخلاقيًا يُقاس عليه صدق الانتماء وعمق الالتزام الوطني. فهذه القضية تمثل، في الوعي الفتحاوي، جوهر الهوية النضالية للحركة، وأي خلل في التعامل معها لا يُفسَّر فقط كخطأ إداري، بل كاختبار للوفاء للقيم التي قامت عليها الحركة منذ انطلاقتها. وهذا يعكس حقيقة عميقة: أن شرعية الحركات التحررية لا تُبنى فقط على برامجها السياسية، بل على قدرتها على حماية رموز تضحياتها وصون كرامتهم.
في هذا السياق، يظهر بوضوح أن المؤتمر الثامن لا يُنظر إليه كمجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل كفرصة مفصلية لإعادة بناء الثقة التنظيمية وتعزيز الفاعلية المؤسسية. هناك أمل واضح بأن يكون هذا المؤتمر محطة تصحيح، لكن هذا الأمل يترافق مع قلق مشروع من أن يتحول إلى إجراء شكلي يعيد إنتاج الواقع نفسه. هذه المفارقة بين الأمل والقلق ليست علامة ضعف، بل علامة حيوية؛ فهي تعكس أن القاعدة التنظيمية ما زالت ترى في فتح بيتها الطبيعي، وما زالت تؤمن بقدرتها على التجدد، لكنها في الوقت ذاته تتطلع إلى إشارات عملية تؤكد أن الإصلاح ليس شعارًا، بل مسارًا حقيقيًا.
إن ما نواجهه اليوم ليس أزمة وجود، بل أزمة انتقال؛ انتقال من مرحلة الشرعية التاريخية وحدها، إلى مرحلة الجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية المؤسسية المتجددة. فتح ما زالت تمتلك رصيدًا وطنيًا لا تمتلكه أي حركة أخرى، لكنها، ككل الحركات الحية، مطالبة بأن تعيد إنتاج هذا الرصيد في صورة مؤسسات فاعلة، وآليات عادلة، وقيادة قريبة من نبض القاعدة.
التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤية، بل في ترجمتها إلى واقع. فالحركات لا تتراجع عندما تخطئ، بل عندما تعجز عن تصحيح أخطائها. وفتح، التي استطاعت أن تقود شعبها في أصعب الظروف، قادرة اليوم، إن توفرت الإرادة، على أن تقود نفسها نحو مرحلة جديدة من الفاعلية والاستقرار.
لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بوضوح هي أن المرحلة القادمة لن تُحسم بالخطب، ولا بالشعارات، ولا بحسن النوايا وحدها. الثقة لا تُستعاد بالكلمات، بل بالقرارات. والانتماء لا يتجدد بالخطاب، بل بالممارسة. والمؤتمر، مهما كانت أهميته، لن يكون نقطة تحول حقيقية إلا إذا تحوّلت مخرجاته إلى إجراءات ملموسة يشعر بها الكادر في حياته التنظيمية اليومية.
فتح لم تكن يومًا مجرد تنظيم، بل كانت فكرة متحركة، تعيش بقدر ما تتجدد. واليوم، ونحن نقف أمام المؤتمر الثامن، فإن المسؤولية التاريخية لا تقتصر على الحفاظ على إرث الحركة، بل على ضمان قدرتها على الاستمرار كإطار حي وفاعل يقود المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد قالت الكوادر كلمتها بوضوح، وعبّرت عن حرصها، وأكدت انتماءها، ورفعت سقف الأمل. ويبقى التحدي الحقيقي أمام القيادة والمؤتمر معًا: أن تتحول هذه الكلمات إلى أفعال، وهذه التطلعات إلى قرارات، وهذه الشعارات إلى واقع. فالتاريخ لا يذكر ما قيل في المؤتمرات، بل ما تغيّر بعدها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

الاعتراف في زمن ترمب: المراجعات الكبرى!

في لحظة كان يفترض ان تكون مفصلية، وبحضور خمسين دولة، تسعة منها عربية، عقد مجلس السلام اجتماعه الأول في واشنطن، غابت فلسطين العلم او المنظمة والسلطة، حضر رئيس لجنة إدارة غزة، حضر دون اي اشارة الى اي كيان سياسي يمثله او يمثله، لاحقا جاء اعلان المجلس عن افتتاح مكتب ارتباط للتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ما يثير اكثر من سؤال حول معنى وجدية الاعتراف السياسي الذي كان قد تم في واشنطن قبل اكثر من ثلاثة عقود، ومصيره، خاصة في ظل تحولات اقليمية ودولية متسارعة، والاعلان عن قناة رسمية للتنسيق لم يولد في فراغ، بل هو في حقيقة الامر ثمرة التراجع عن هذا الاعتراف بالمنظمة، على الصعيد الدولي على الاقل.
 منظمة التحرير التي تأسست قبل أكثر من ستة عقود، وقد اعترف بها رسميا من قبل العرب في قمة الرباط 1974 ممثلا للفلسطينيين، ثم ما لبثت ان باتت حاضرة على الساحة الدولية وفي المحافل والمنظمات الدولية، قبل ان يعترف بها الاحتلال في العام 1993 ممثلا للفلسطينيين وشريكا رسميا في مفاوضات مؤلمة، أسماها البعض عملية سلام.
 بعد عقود على هذا الاعتراف اصبح موضع سؤال، ويشير الى عدم الثبات في المواقف الدولية، لا سيما الولايات المتحدة صاحبة المبادرة والتي يشكل المجلس اهم اعمدتها، فالواقع يقول ان غياب ممثلي منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية عن اجتماع المجلس، وحضور رئيس لجنة ادارة غزة، يكشف عن ازمة تمثيل حقيقية.
 السلطة الفلسطينية التي احتفت بمكتب الارتباط واعتبرته انجازا عظيما، تدرك انها تعيش في ازمة وجودية، وتعلم ان اقامة دولة مستقلة عبر مسار اوسلو بات اكثر من مجرد حلم، بل حتى خيال، بعد ان تركت الارض الفلسطينية فريسة للاستيطان والتقطيع، وحتى القدس، فقد باتت اليوم ابعد من اي وقت مضى عن كونها عاصمة الدولة، الا في الادبيات والخطابات.
 جوهر السؤال اليوم هو، خاصة بعد الحضور العربي، على ماذا تراهن السلطة في ظل تراجع الاعتراف الدولي التقليدي، الحقيقة ان الاعلان عن مكتب للارتباط يعكس نوعا من التراجع عن الاعتراف بالمنظمة كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وبينما كانت الامم المتحدة ومنظماتها تعطي منابر للفلسطينيين، فان الاليات الجديدة للتنسيق تبدو وكأنها اطر بديلة، لكنها لا تساوي في الواقع الاعتراف الدولي.
 هذا التحول ليس مجرد تغيير شكلي، بل يعبر عن الميل نحو نظام دولي جديد يضعف قواعد الشرعية القائمة، ويفتح الباب لاعادة تعريف من يمثل من؟ والفلسطينيون اليوم احوج ما يكونون الى قراءة واعية لهذا التغيير، وبعيدا عن واقع البهجة الإعلامية، فالحقيقة على الارض تشير الى ان ترتيبات من قبيل مكتب ارتباط لن تعوض غياب السيادة، ولا الارض التي يمكن ان تقام عليها الدولة.
 الحل لا يكون عبر ملاحقة اعتراف دولي متآكل، بل في الارتكاز الى الاعتراف الشعبي، باعتباره البديل الحقيقي والحاضنة الجامعة، وبناء مشروع فلسطيني يعيد صياغة الاولويات داخليا وخارجيا، قائم على نهج جماعي واهداف واضحة متصلة بالتطلعات الوطنية الكبرى، وبما يمنع تهميش القضية، ويقطع الطريق على تحول اليات التنسيق هذه الى وهم سياسي جديد، او يجمّل واقع العجز القائم.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

الصهيونية المسيحية بين العقيدة والسياسة: قراءة في مقابلة السفير الأمريكي مع تاكر كارلسون


أثارت المقابلة التي جمعت السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والفكرية، لا سيما أنها لامست واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الأمريكية المعاصرة: الصهيونية المسيحية، وحدود الولاء بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإشكالية التداخل بين الدين وصنع القرار السياسي.
لم يكن الحوار عابرًا أو تقنيًا، بل انطوى على أسئلة جوهرية تتعلق بالهوية والانتماء، وبطبيعة العلاقة التي تربط واشنطن بتل أبيب. فقد طرح كارلسون تساؤلات صريحة حول ما إذا كانت بعض التيارات السياسية الأمريكية، المتأثرة بالتصورات الدينية الإنجيلية، تنظر إلى إسرائيل ليس فقط كحليف استراتيجي، بل ككيان ذي قداسة دينية تسبق أحيانًا حسابات المصلحة الوطنية الأمريكية. وهنا بدا النقاش أقرب إلى مساءلة فكرية للظاهرة المعروفة بـ"الصهيونية المسيحية"، التي تستند إلى تأويلات لاهوتية ترى في قيام إسرائيل تحقيقًا لنبوءات توراتية.
السفير، المعروف بخلفيته الإنجيلية المحافظة، دافع عن متانة العلاقة الأمريكية– الإسرائيلية باعتبارها تحالفًا يقوم على القيم المشتركة والمصالح الاستراتيجية، لا على اعتبارات دينية خالصة. إلا أن المقابلة كشفت عن توتر خفي بين خطابين: خطاب سياسي براغماتي يؤكد أن التحالف يخدم الأمن القومي الأمريكي، وخطاب عقائدي يعتبر دعم إسرائيل التزامًا إيمانيًا لا يخضع لمعادلات الربح والخسارة.
هذا التداخل بين العقيدة والسياسة ليس جديدًا في الولايات المتحدة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، برز التيار الإنجيلي المحافظ كقوة انتخابية مؤثرة، خصوصًا داخل الحزب الجمهوري. ومع صعود هذا التيار، أصبح دعم إسرائيل جزءًا من الهوية السياسية لبعض القادة، ليس فقط من باب التحالف الجيوسياسي، بل انطلاقًا من قراءة دينية للتاريخ والنبوة. وهنا تكمن الإشكالية: هل يمكن للدولة الحديثة، التي يفترض أن تستند إلى حسابات المصالح القومية، أن تُدار بمنطق لاهوتي؟
كارلسون، في أسئلته، بدا وكأنه يختبر حدود هذا المنطق. فقد ألمح إلى أن الولاء الأول لأي مسؤول أمريكي يجب أن يكون للدستور والمصلحة الوطنية، لا لأي اعتبارات خارجية مهما كانت طبيعتها. وفي هذا السياق، عاد النقاش القديم حول مفهوم "تضارب الولاءات"، وهو مفهوم حساس في الثقافة السياسية الأمريكية، إذ يُنظر بعين الريبة إلى أي انحياز قد يُفهم على أنه تفضيل لمصالح دولة أخرى.
لكن من المهم التمييز بين مستويين: مستوى التحالف الاستراتيجي المشروع بين دولتين، ومستوى التماهي الأيديولوجي الذي قد يخلط بين السياسة والإيمان. فالولايات المتحدة دعمت إسرائيل تاريخيًا لأسباب تتعلق بالتوازنات الإقليمية، والردع، والاعتبارات الداخلية، وليس فقط بدوافع دينية. غير أن الصهيونية المسيحية أضفت على هذا الدعم بعدًا رمزيًا وروحيًا، ما جعل أي نقد للسياسات الإسرائيلية يُصوَّر أحيانًا كخروج على الثوابت الدينية.
وفي تقديري الشخصي، فإن ما نشهده اليوم يتجاوز السياقات التقليدية لهذا التحالف. فالعلاقة التي برزت بوضوح بين الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump ورئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بدت أقرب إلى تحالف ذي طابع أيديولوجي معلن، يجمع بين المسيحية الصهيونية في نسختها الأمريكية، والصهيونية الدينية المتطرفة في إسرائيل. لقد أقمت في الولايات المتحدة قرابة عقدين من الزمن خلال الثمانينيات والتسعينيات للدراسة والعمل، وعايشت عن قرب طبيعة الخطاب السياسي هناك، ولم أشهد آنذاك هذا المستوى من التماهي العلني بين المرجعية الدينية وصناعة القرار الخارجي، ولا هذا الخطاب الذي يضفي على العلاقة بين البلدين طابعًا يكاد يكون "مقدسًا". كان التحالف قائمًا، نعم، لكنه ظل محكومًا بلغة المصالح والاستراتيجيات، لا بلغة الاصطفاف العقائدي الصريح كما يبدو اليوم.
المقابلة أعادت فتح هذا الملف في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، وتتعالى في الداخل الأمريكي أصوات تطالب بإعادة تقييم العلاقة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ينبغي أن تُفصل المعتقدات الدينية عن دوائر صنع القرار الخارجي؟ أم أن القيم الدينية جزء لا يتجزأ من الهوية السياسية الأمريكية؟
إن الخطر لا يكمن في الإيمان ذاته، بل في تحوله إلى أداة تبرير سياسي مطلق. فحين يُختزل الصراع في إطار نبوءات لاهوتية، تغيب لغة القانون الدولي، وتتراجع الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بحقوق الشعوب. وحين يصبح دعم دولة ما "واجبًا إيمانيًا"، تتقلص مساحة النقد والمساءلة.
في المحصلة، كشفت مقابلة السفير مع تاكر كارلسون عن انقسام فكري داخل المجتمع الأمريكي حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل: هل هي علاقة تحالف عقلاني محكوم بالمصالح، أم التزام عقائدي يتجاوز حدود السياسة؟ هذا السؤال سيبقى مطروحًا ما دامت الصهيونية المسيحية لاعبًا مؤثرًا في المشهد السياسي الأمريكي، وما دام التوتر قائمًا بين الدولة المدنية الحديثة والتأويلات الدينية للتاريخ والسياسة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:32 صباحًا - بتوقيت القدس

مجلس السلام والحقائق خلف الستار

قبل الخوض في تفاصيل وخلفيات ما جرى في واشنطن تحت عنوان "اجتماع مجلس السلام" يوم الخميس الماضي، لا بد من الإشارة إلى العامل الرئيس الذي أدى أصلاً إلى "إعلان وقف إطلاق النار" ولاحقاً ما سمي "خطة السلام"، وهو الفشل الإسرائيلي الكامل في تحقيق الهدف الأساس لحرب الإبادة على قطاع غزة، أي تنفيذ التطهير العرقي لسكانه.
ولولا الصمود البطولي والباسل لسكان قطاع غزة وإصرار غالبيتهم الساحقة على البقاء في وطنهم رغم القتل الوحشي والدمار، لما رأينا الولايات  المتحدة تنتقل إلى الخطة "ب" بعد أن فشلت إسرائيل في تنفيذ الخطة"ا" و لما رأينا "لا خطة سلام"، ولا "مجلس سلام"، بل لتحول الأمر إلى مشروع استثمار عقاري إسرائيلي أميركي، يرافقه استيطان إسرائيلي في قطاع غزة الخالي من السكان بعد ضمه لإسرائيل، وكثير من التصريحات الأولى التي رافقت حرب الإبادة على قطاع غزة كانت تشير بوضوح إلى ذلك السيناريو الذي فشل.
وقبل الحديث عن "مجلس السلام" لا بد من الإشارة إلى أن "خطة السلام" التي أقيم على أساسها افتقدت وما زالت تفتقد لعناصر الخطة بالمعنى المتعارف عليه، كما افتقدت لعناصر ما يسمى "بالسلام" اذ كيف يمكن الحديث عن سلام في المنطقة دون معالجة جذر المشكلة المتمثل في القضية الوطنية الفلسطينية بما فيها "التطهير العرقي للاجئين" والاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، ومشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي المتواصل في الضفة الغربية وما أفرزه من منظومة أبرتهايد عنصرية.
ما نتج عن اجتماع مجلس السلام الأول كان ثلاثة محاور: سياسي، وأمني، وثالث يتعلق بإعادة الإعمار.
افتتح الرئيس الأميركي ترامب خطابه في الاجتماع بالقول "الحرب انتهت وحل السلام" والمشكلة الوحيدة الباقية هي "نزع سلاح حماس" وإيران.
ولم يذكر الرئيس الأميركي بكلمة واحدة، لا استمرار حرب القصف الإسرائيلية على غزة، وخرقها لاتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 1560 مرة، مما أدى لاستشهاد حوالي 700 فلسطيني أكثر من نصفهم من النساء والأطفال.
ولم يذكر بكلمة استمرار الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط للضفة الغربية بل لحوالي 60% من قطاع غزة، ولم يشر إلى التوسع الاستيطاني وهجمات الإرهابيين المستوطنين في الضفة الغربية التي تهدد بانفجار الوضع برمته.
والأهم من ذلك كله أنه لم يشر إلى حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير أسوة بباقي الشعوب، إذ تحول الأمر برمته في الخطاب إلى موضوع غزة فقط، وتهميش كامل للقضية الفلسطينية التي كانت تصفيتها محور "صفقة القرن" التي سبق أن تبناها في ولايته الأولى.
وأقل ما يمكن أن يقال تجاه الذين أعدوا ذلك الخطاب، هو إما أنهم يجهلون ما يجري على الأرض وتلك مصيبة ، أو أنهم يتجاهلونه وتلك مصيبة أعظم.
"الحرب انتهت وحل السلام" ذلك، ما ترسخ في ذهن الرئيس الأميركي، ولكن الواقع على الأرض لا يشير إلى أي "سلام".
كثيرون ممن تحدثوا في المؤتمر واصلوا الحديث عن "الرهائن الإسرائيليين" الذين عادوا جميعاً وانتهت قضيتهم، ولكن احداً لم يذكر العشرة آلاف رهينة فلسطينية في سجون الاحتلال.
وكثيرون عادوا، ظلماً وبهتاناً، لتحميل الضحية أي الشعب الفلسطيني المسؤولية عن كل ما جرى، حتى أن جاريد كوشنر قال "أن غزة تعاني بسبب القيادة الخاطئة" وليس الاحتلال والحصار والاضطهاد العنصري.
وكثيرون انزلقوا إلى الخطاب الكريه، باتهام ثقافة الفلسطينيين بأنها ثقافة كراهية، لأنهم يطالبون بحقوق شعبهم من احتلال ظالم ارتكب ثلاثة جرائم حرب، باعتراف المحاكم الدولية، في آن واحد.
ولولا انبراء ممثلي مصر، وتركيا وقطر والسعودية و خصوصا رئيس وزراء باكستان، بتذكير العالم بوجود الاحتلال وبحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وضرورة حل مستدام للقضية الفلسطينية لاختفى الموضوع الفلسطيني برمته من الاجتماع.
وبالمناسبة فإن "عتاولة " الديمقراطية الغربية " لم يشيروا بكلمة واحدة لحق الشعب الفلسطيني في ممارسة الانتخابات الديمقراطية الحرة.
وللأسف فإن إسرائيل مُثلت في الاجتماع والمجلس، رغم أن رئيس وزرائها مطلوب كمجرم حرب لمحكمة الجنايات الدولية، ولكن فلسطين لم تمثل، وأكتفي بإعطاء كلمة لرئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، الذي اضطر لحصر خطابه بالوضع في قطاع غزة.
وفي الوقت الذي سمح فيه لوزير الخارجية الإسرائيلي ساعر بتقديم الرواية الإسرائيلية التحريفية والمشوهة للوضع، فإن الخطاب الوطني الفلسطيني والرواية الفلسطينية بقيت غائبة.
بل أن منظمة التحرير الفلسطينية، التي تعتمد ممثلاً للشعب الفلسطيني هُمشت بالكامل، وذلك إثبات إضافي لقيادتها أن مشكلتها ليست مع شعبها أو قواه السياسية، بل مع إسرائيل وحلفائها ومنظومة دولية ظالمة، وإذا أرادت استعادة مكانتها فليس لها إلا طريق الوحدة مع مكونات شعبها وليس الانكفاء  خوفاً من حدوث ما حدث فعلاً من عزل وتهميش.
ولعل من أخطر الأمور السياسية التي تجلت ويجب الانتباه لها، هي محاولة إسرائيل وحلفائها فصل غزة ومستقبلها بالكامل ليس فقط عن الضفة الغربية، بل عن كل فلسطين، في ما يمثل عنصراً من عناصر محاولة تصفية القضية الفلسطينية برمتها كقضية شعب، وليس مجرد مناطق جغرافية مجزأة.
أما موضوع الأمن فلعله كان أكثر القضايا غموضاً في مؤتمر "مجلس السلام".
إذ دار الحديث عن تشكيل قوة شرطية من 5000 مجند جديد تدربهم مصر والأردن، كشرطة انتقالية ولم يذكر مصير أجهزة الشرطة القائمة. كما ذُكر أن أندونيسيا والمغرب وكوسوفو وكازاخستان والبانيا، ستشكل قوة حفظ سلام أو استقرار من 20 ألف جندي، غالبيتهم (8000) تعهدت أندونيسيا بتقديمهم.
وما يثير الاهتمام أن الحديث ذكر أن هذه القوة ستنقسم لخمسة ألوية حسب محافظات قطاع غزة، والوحيدة التي ذكرت بالاسم كانت محافظة رفح.
الأسئلة الغامضة التي تم تجنبها، وبعضها خطير للغاية هــي :-
1 - هل ستكون لقوة الاستقرار مهام شرطية، أو علاقة بما سمي "بنزع السلاح"؟
2 - هل سينسحب جيش الاحتلال؟ ومتى سينسحب من المناطق التي يحتلها وما هو الجدول الزمني لذلك؟
3 - متى سيبدأ انتشار هذه القوة، ومن يضمن وقف جيش الاحتلال لقصفه وعملياته العسكرية في قطاع غزة؟
4 - السؤال الرابع، أين ستقف قوة حفظ السلام إذا انسحب جيش الاحتلال إلى حدود المنطقة العازلة، هل سيقفوا على الحدود الإسرائيلية أم في غزة خلف المنطقة العازلة؟
5- من واجب اللجنة الوطنية لإدارة غزة أن ترفض و أن ترد على تصريحات توني بلير التي قال فيها "أن كل شرطي فلسطيني في القوة الشرطية الجديد سيخضع للفحص والموافقة الإسرائيلية"، في ما يمثل إمعانا في تكريس سيطرة الاحتلال.
ولعل زلة لسان الرئيس الأميركي، كانت أخطر ما قيل أمنياً عندما قال "أن دولتين رغبتا أن تهاجما حماس وقلنا أن ذلك ليس ضرورياً".
منطقياً، فلا بد أن هاتين الدولتين كانتا حاضرتين في اجتماع مجلس السلام، فمن هما هاتان الدولتان، وبأي حق تشاركان في المجلس وهما تريدان تولي مهام جيش الاحتلال في قطاع غزة؟
ولعل خطاب ممثل ألبانيا كان من أكثر الخطابات استفزازاً، إذ تبنى بشكل مطلق الرؤية الإسرائيلية.
ودون العودة إلى موضوع الضفة الغربية، فإن السؤال المشروع هو "لماذا لا يتحدث أحد عن نزع سلاح عصابات الإرهاب الاستيطانية التي تعيث فسادا في الضفة الغربية"؟
 المحور الثالث للاجتماع كان موضوع إعادة الإعمار، حيث ذكر أن بعض الدول ممن فيها مؤسسات الأمم المتحدة تعهدت بتقديم سبعة مليارات دولار وتعهد الرئيس الأميركي بتقديم 10 مليارات ستحتاج بالطبع لموافقة مجلس الكونجرس الأميركي.
المعضلات الأساس التي تتعلق بموضوع اعادة الإعمار، هــي :-
أولا -غزة ستحتاج إلى ما لا يقل عن 60-70 مليار دولار فمن أين ستتوفر باقي الأموال؟
ثانيا -جميع من تعهدوا بتقديم التبرعات، كالدول العربية، لم يقولوا سنقدم مليار دولار فوراً ، بل قالوا سنقدم مليار دولار خلال السنوات القادمة.
ثالثا -لم يذكر أحد، ضرورة إجبار إسرائيل على دفع تعويضات، ولو جزئية، عن الدمار الهائل الذي سببته، على الأقل لجعلها تفكر في المستقبل قبل أن تقدم على تكرار دمارها لغزة الذي تكرر خمس مرات، وأفدحها ما جرى بعد عام 2023.
رابعا -لم يُشر بكلمة إلى السماح للفلسطينيين ببدء الاستثمار وتشغيل بئر الغاز الخاص بغزة، والذي تقدر قيمته ب 60 مليار دولار، والذي يمكن أن يغطي دخله جزءاً من تكاليف اعادة الإعمار، كما أنه يمكن أن يوفر لقطاع غزة مصدراً لطاقة الكهرباء التي لا تصلها منذ أكثر من عامين.
خامسا -لعل أخطر ما ذكر أن إعادة الإعمار ستبدأ في منطقة رفح التي سوتها إسرائيل بالأرض، بدل أن تبدأ  فوراً حيث يتواجد أكثر من مليونين من سكان قطاع غزة يعانون الأمرين من دمار البنية التحتية وشبكات الكهرباء والطاقة والمياه والمجاري.
والأخطر أيضاً، ما ذكر أن إعادة الإعمار ستكون في رفح والخط الساحلي، فهل هذه وصفة تسمح لإسرائيل بإبقاء احتلالها وسيطرتها على جميع الجزء الشرقي من قطاع غزة؟
وهل إعادة الإعمار، ستكون لصالح مستثمري العقارات الأجانب، أم لصالح قطاع غزة وسكانه؟
وهل ستنتهي المليارات الموعودة في جيوب المستثمرين أم لصالح صمود وبقاء سكان قطاع غزة الذين تحملوا ما لا تحتمله الجبال؟
أسئلة كثيرة ما زالت بحاجة إلى أجوبة، وليست صدفة أن كثيراً من الدول غابت عن الاجتماع، لخشيتها رغم التطمينات الأميركية أن يصبح "مجلس السلام" "بديلا للأمم المتحدة"، أو لأن بعضها رأى في كل ما يجري استمرارا في استباحة القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي اللذين ذبحا في قطاع غزة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو دستور فعلي للصمود… وليس ملهاة أخرى

كل ثلاثاء …
ليست أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني اليوم شراسة العدوان وحدها، بل تآكل القدرة الوطنية على تنظيم الصمود وتحويله إلى مشروع نهوض. نحن أمام لحظة يختل فيها ميزان القوة وميزان المعنى معاً: حين يصبح المتهم بجرائم إبادة شريكاً في تحديد مصير ضحاياه، وحين تتحول «المساعدات» إلى أدوات ضبط سياسي لا إلى مدخل لاستعادة الكرامة والسيادة.

في الضفة الغربية يتسارع ابتلاع الأرض، وتتكرس وقائع دولة المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، فيما يتنازع صانع القرار في تل أبيب بين خيارين: تفكيك السلطة دفعة واحدة، أو إبقاؤها ضعيفة مستنزفة تؤدي وظائفها الأمنية والإدارية ريثما يُستكمل تفكيك القضية الوطنية على مهل. في كلا الخيارين، لا مكان لسلطة ذات مضمون وطني سيادي، بل لوظيفة مؤقتة في نظام دائم من الاعتمادية.

أما في غزة، فالمفارقة الأخلاقية أكثر فجاجة: إسرائيل، المتهمة بجرائم إبادة أمام محاكم دولية، تجلس عملياً في مقعد تحديد مسار القطاع ومصيره. تُمسِك بالمعابر، وتتحكم بالإغاثة، وتقرر إيقاع الإعمار، فيما يُطلب من الفلسطينيين أن يقبلوا بإدارة تحت سقف التحكم الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«فتات الترتيبات الإدارية» الذي تقدمه واشنطن للسلطة. الحديث لا يدور عن تمكين سياسي حقيقي، ولا عن سيطرة على المعابر، ولا عن قرار مستقل في الإعمار أو الأمن، بل عن أدوار تنسيقية محدودة تُستعاد عبر قنوات  «مكتب ارتباط ملادينوف»، وهي مجرد واجهة إدارية بلا سيادة، ودور رمزي يُمنح للقول إن «السلطة موجودة»، فيما يبقى القرار الفعلي في يد الاحتلال.

هذا ليس حلاً انتقالياً، بل إعادة إنتاج لوظيفة وسيطة بين الاحتلال والمجتمع الدولي، تُدار تحت عنوان «الاستقرار»، بينما يُفرغ الاستقرار من شرطه الأخلاقي: العدالة.

الأكثر خطورة أن هذا المشهد يترافق مع صمت عربي وإسلامي يقترب من حدود التواطؤ السلبي. لا أحد يعلن صراحة قبول إسرائيل في مقعد تقرير مصير غزة، لكن أحداً لا يضع ثقله السياسي لمنع ذلك. الحسابات الإقليمية، وموازين التحالفات، والخشية من الاصطدام بواشنطن، تجعل كثيراً من العواصم تكتفي بإسناد إنساني محدود لا يمس جوهر المعادلة السياسية.

ومع مضي أربعة أشهر على وقف إطلاق النار، لم يتوقف القتل بالجملة، ولم يدخل إلى غزة ما يليق بكرامة بشر خرجوا من الابادة الجماعية ومن تحت الركام. لا إغاثة كافية، ولا بيت متنقل واحد يعيد الحد الأدنى من الاستقرار. كأن العقاب الجماعي يستمر بأدوات أخرى، وكأن إعادة الإعمار تُستخدم ورقة ابتزاز سياسي لا حقاً إنسانياً أصيلاً.

الأزمة الأعمق: بيع الوهم بدل بناء القوة

في هذا السياق، تواصل القيادة المتنفذة الرهان على تغيُّرات دولية وإقليمية لم تحرك ساكناً أمام قرصنة الأموال، ولا أمام تسارع الاستيطان، ولا أمام إعادة هندسة غزة تحت الوصاية. يُعاد إنتاج خطاب الانتظار، وكأن التحولات الخارجية ستنجز ما عجزنا عن بنائه داخلياً.

لكن الرهان على الخارج، في ظل اختلال ميزان القوى، ليس استراتيجية، بل عادة سياسية. والأسوأ حين يترافق ذلك مع سياسة إقصاء لقوى المجتمع الحية في لحظة تحتاج أعلى درجات الشراكة الوطنية.

الأزمة ليست فقط في ضياع الأرض، بل في تفكك التمثيل. حين يُختزل القرار الوطني في دائرة ضيقة، يفقد النظام السياسي قدرته على الصمود، ويصبح أكثر قابلية للضغط والاحتواء. فالسؤال لم يعد من يحكم غزة؟ بل كيف نصون بقاء شعب ونمنع تصفية قضيته؟

نحو دستور فعلي للصمود

المطلوب اليوم ليس بياناً إضافياً، ولا تسوية تقنية، بل ميثاق أخلاقي سياسي يعيد تعريف الأولويات على قاعدة الكرامة لا الوظيفة، وفقًا للأولويات التالية:

أولاً: أولوية الكرامة على الدور الشكلي
أي قبول بدور إداري منزوع السيادة في غزة، تحت سقف التحكم الإسرائيلي، هو تكريس لتجزئة الوطن لا مدخل لتوحيده، كما أنه لا معني لهذا الدور ما لم يحقق الإغاثة والإعمار وانقاذ حياة البشر .

ثانياً: إعادة بناء التمثيل على قاعدة الشراكة
لا يمكن مواجهة مشروع إحلالي بعقلية احتكار القرار. المطلوب إطار وطني جامع، ولو انتقالي، يضم القوى السياسية والمجتمعية، ويستند إلى برنامج حد أدنى: فك الحصار، حماية الأرض، إدارة شفافة للإعمار، والتحضير لتجديد الشرعية عبر الانتخابات الشاملة.

ثالثاً: تحويل الصمود من رد فعل إلى سياسة
الصمود ليس انتظاراً بطولياً تحت النار، بل تنظيم المجتمع، ودعم القرى المهددة، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وبناء شبكات تكافل مستقلة عن مزاج المانحين.

رابعاً: فصل الإغاثة عن الابتزاز
إعادة إعمار غزة حق غير قابل للمساومة، ويجب أن تُدار بآلية وطنية مهنية شفافة تمنع تحويل المعاناة إلى أداة ضغط.

خامساً: نقل مركز الثقل إلى الداخل
ميزان القوة يبدأ من المجتمع: النقابات، الجامعات، القوى الاقتصادية الوطنية، الشتات، والحركات الشعبية. حين تتحول هذه الكتلة إلى قوة ضغط منظمة، يمكن فرض إعادة بناء البيت السياسي.

سادساً : المقاومة الشعبية
إطلاق يد الشعب في الدفاع عن نفسه وحقه في البقاء. هذه ليس مجرد جملة تقال بل استراتيجية عمل تعيد بناء الحالة الفلسطينية انطلاقاً من وظيفتها الجوهرية، وهي تمكين قدرة الناس على الصمود .

الأمل في التجربة الفلسطينية ليس انفعالاً عابراً ولا خطاباً تعبوياً، بل قدرة شعب على استعادة زمام المبادرة حين تضيق الخيارات. فالأمم لا تنقذها التمنيات، وإنما وعيها بذاتها، وثقتها بقوتها الكامنة، وقدرتها على إعادة ترتيب بيتها الداخلي كلما اشتدت العواصف.

صحيح أن إسرائيل تراهن على تفكك بنيتنا الوطنية، وأن بعض العالم يراهن على إنهاك إرادتنا حتى التعب، لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تدرك معنى وحدتها وفق قراءة ثورية عقلانية لا تُستنزف، بل تتجدد. والخطر الحقيقي ليس في ضغوط الخارج وحدها، بل في أن نقبل نحن بإعادة تعريف العجز باعتباره «واقعية»، أو أن نستبدل مشروع التحرر بإدارة دائمة للاعتمادية.

إن السعي إلى دستور فعلي للصمود لا يعني إضافة وثيقة إلى الأرشيف، بل استعادة السياسة إلى معناها الملموس،تعبيراً حراً عن الإرادة الجمعية، لا وظيفة ملحقة بشروط الآخرين. ويعني إعادة بناء التمثيل الوطني على قاعدة الشراكة والشرعية والكرامة، بحيث يصبح القرار الوطني ثمرة ثقة متبادلة بين القيادة والشعب، لا انعكاساً لموازين ضغط خارجية.

نحن أمام مفترق تاريخي، لكنه ليس قدراً مغلقاً.
إما أن نعيد تأسيس بيتنا السياسي بروح مراجعة وطنية مسؤولة تنطلق من الثقة بالشعب وجدارته،
وإما أن نترك فراغنا يُملأ بخرائط الآخرين التي لا تعترف بحقنا في الحرية والعودة وتقرير المصير والسيادة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

دبلوماسية الطاقة: الموازنة التي لا تستهلك نفسها في فواتير الغير


ليست أزمة الموازنة الفلسطينية في نقص التمويل وحده، بل في نزيف دائم يبدأ قبل أن تصل الإيرادات إلى الخزينة. فالدولة التي لا تملك مفاتيح حدودها قد تُقيَّد سياساتها، لكن الدولة التي لا تملك مفتاح “قاطع الكهرباء” الخاص بها، تظل موازنتها رهينة عدّادات لا تسيطر عليها. في الحالة الفلسطينية، لا تُستنزف الموازنة فقط في الرواتب أو الالتزامات الاجتماعية، بل تُستنزف في مهدها عبر ثقب مالي بنيوي يُدعى صافي الإقراض، المرتبط بتبعية قطاع الطاقة والارتهان للمورد الوحيد.
من هنا، لا يُطرح هذا المقال كتوصيف تقني لأزمة كهرباء، بل كدعوة لإعادة تعريف الموازنة ذاتها، من خلال تبني ما يمكن تسميته “دبلوماسية الطاقة”: أي تحويل قطاع الطاقة من عبء يستنزف الخزينة إلى أصل سيادي يغذيها، باعتبار أن استقلال العدّاد هو المدخل الحقيقي لاستقلال القرار المالي.
المقاصة… حين يتحول العدّاد إلى أداة استنزاف سياسي
لا يمكن فهم مأزق الموازنة العامة بمعزل عن بنية العلاقة الطاقوية مع الجانب الإسرائيلي. ففلسطين تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها الكهربائية من شركة الكهرباء الإسرائيلية، ما يجعل فاتورة الطاقة العبء الأكبر على الميزان التجاري. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في حجم الاستيراد فقط، بل في آلية التحصيل القسري.
تشير بيانات وزارة المالية إلى أن اقتطاعات صافي الإقراض السنوية تتراوح بين 1.0 و1.2 مليار شيكل، تُخصم مباشرة وبشكل أحادي من أموال المقاصة قبل وصولها إلى الخزينة الفلسطينية. هذه المبالغ، التي تمثل ديونًا متراكمة على الهيئات المحلية وشركات التوزيع نتيجة خلل الجباية وارتفاع الفاقد، لا تُناقش ولا تُجدول، بل تُقتطع كأمر واقع.
ومليار شيكل سنويًا ليس رقمًا محاسبيًا عابرًا؛ بل مبلغ كفيل بإحداث تحول بنيوي في قطاعات الصحة والتعليم، أو بتسوية جزء كبير من المتأخرات المالية، لكنه يُهدر في فواتير استهلاك لا تولد قيمة مضافة، بل تعمّق الانكشاف المالي والسيادي للدولة.
من مستهلك مستنزف إلى منتج سيادي
المواجهة الحقيقية لهذا الواقع لا تبدأ من المفاوضات وحدها، بل من إعادة تعريف دور المؤسسة العامة. فبدل أن تبقى منشآت الدولة مراكز تكلفة تستهلك الطاقة، يجب تحويلها إلى وحدات إنتاج تساهم في تخفيف العبء عن الموازنة.
لو جرى استثمار أسطح المدارس والمستشفيات والوزارات في منظومات طاقة شمسية ذكية مرتبطة بالشبكة، لأمكن خلال سنوات قليلة تصفير فاتورة الكهرباء الحكومية التي تتجاوز 200 مليون شيكل سنويًا. والحساب هنا اقتصادي بحت: إن استثمارًا يوازي تراكم اقتطاعات المقاصة لعامين فقط (نحو 500 مليون دولار) في حقول طاقة شمسية ومحطات تخزين حديثة، كفيل بتوليد ما يقارب 40% من الاحتياجات الكهربائية الفلسطينية.
هذا التحول لا يعني فقط خفض النفقات، بل ضخ سيولة جديدة في الاقتصاد، وبناء هامش أمان يحمي الموازنة من الابتزاز الدوري عبر المقاصة.
الطاقة والتحول الرقمي: التوأمة الضرورية
لا يمكن الحديث عن استقلال الطاقة دون ربطه بالتحول الرقمي. فجزء كبير من أزمة صافي الإقراض ناتج عن الفاقد الفني والتجاري وسوء الإدارة، وهي عوامل تبتلع ما بين 20% و25% من الطاقة المشتراة.
هنا، لا تكون الرقمنة ترفًا تقنيًا، بل أداة سيادية. فالشبكات الذكية والعدادات مسبقة الدفع وربطها بأنظمة دفع إلكتروني موحدة تتيح تتبع التدفقات المالية من المستهلك النهائي إلى الخزينة، وتمنع تراكم الديون في قنوات الهيئات المحلية. وعندما تُدار الطاقة رقميًا، تصبح الدولة قادرة على التنبؤ والتخطيط وتقليص الفاقد الذي يلتهم مئات الملايين سنويًا.
دبلوماسية الطاقة… تنويع المصادر كفعل سيادي
يتجاوز مفهوم دبلوماسية الطاقة حدود الألواح الشمسية ليشمل كسر الاحتكار المطلق وبناء توازن في مصادر التزويد. ويشمل ذلك تسريع الربط الكهربائي مع الأردن بما يمنح عمقًا عربيًا ويقلل الكلفة، إلى جانب استحقاق تطوير حقل غزة مارين بوصفه المشروع السيادي الأهم. فإدخال الغاز الفلسطيني إلى محطات التوليد سيوفر مئات الملايين التي تُهدر حاليًا في وقود مستورد مرتفع الكلفة.
كما يتطلب الأمر سياسات تحفيزية تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في الطاقة الخضراء، بما يحول المجتمع من مستورد للطاقة إلى منتج ومبادل لها.
الأثر الاجتماعي: حين تخدم الموازنة الإنسان
حين نتحدث عن توفير مليار شيكل سنويًا من فاتورة الطاقة، فنحن لا نتحدث عن أرقام مجردة، بل عن استقرار اجتماعي. هذا التوفير يعني انتظام الرواتب، وتحسين الخدمات الصحية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل.
فالسيادة الطاقوية ليست تقنية فقط، بل سيادة اجتماعية تحمي المواطن من تقلبات السياسة وضغوط الاقتصاد.
الخلاصة: استقلال العدّاد هو استقلال القرار
الموازنة التي تستهلك نفسها في فواتير الغير هي موازنة بلا أفق، تكتفي بإدارة الفقر بدل صناعة الثروة. إن دبلوماسية الطاقة تعني الانتقال من عقلية السلطة المستهلكة إلى عقلية الدولة المنتجة. فتحرير الموازنة من عبء فاتورة الكهرباء هو المدخل الإلزامي لاستعادة السيادة المالية.
فالدولة التي تضيء مدارسها ومستشفياتها بجهد أبنائها وشمس أرضها، هي وحدها القادرة على اتخاذ قرارها السياسي والاقتصادي بصلابة، بعيدًا عن ابتزاز العدّادات وضغوط الاقتطاعات.
الموازنة القادمة يجب أن ترفع شعارًا واحدًا واضحًا:
 لسنا بحاجة إلى تمويل مؤقت للفواتير، بل إلى تمويل مستدام للاستغناء عنها.
* مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية


فلسطين

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

شهر رمضان: واحة الروح وموسم الغفران



لم تكن مقاصد شهر رمضان المبارك يوماً تعبر عن الامتناع عن الطعام والشراب بمعانيها الحرفية فقط، بل إن دلالات الشهر الفضيل تتجاوز حدود ذلك. عن فضائل شهر رمضان ومعانيه بين جفاف الحلق وصوت الجوع تخوض شخصيات دينية في حديثها مع "ے" في عمق غايات الصيام.

د. أسامة الربابعة: رمضان فجر صادق يشق عتمة الأرواح ومدرسة متكاملة لتهذيب النفس وتزكية القلوب
د. محمد ربعي: صمنا بعد رؤية الهلال بينما أهلنا في غزة يعيشون الصيام والجوع منذ اندلاع الحرب
د. حسن خاطر: شهر رمضان يأتي ليمحو الكثير من آثار ما يفرضه الاحتلال على مدار 11 شهراً
د. خالد أَبو جمعة: الصيام عبادة عميقة المقاصد عظيمة الدلالات ومحطة سنوية لمراجعة النفس وتقويم السلوك
د. محمد سليم: أي صيام هذا لمن ترك طعامه وشرابه وشهوته في رمضان وتطاول على المسلمين؟!

نفحات قرآنية وقدسية الزمان

يقول عميد كلية الشريعة الأسبق بجامعة اليرموك د.أسامة الربابعة: إن شهر رمضان المبارك يطل علينا كفجرٍ صادق يشق عتمة الأرواح، فهو ليس مجرد محطة زمنية للصيام عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة ربانية متكاملة لتهذيب النفس وتزكية القلوب. في هذا الشهر، تفتح أبواب الجنان، وتُغلق أبواب النيران، وتتنزّل الرحمات لتغسل ما علق بالنفوس من أوزار العام.
ويضيف الربابعة: تستمد الأيام فضلها من عظمة ما حدث فيها، ورمضان حاز الشرف الأسمى بكونه الوعاء الزمني لنزول كلام الله، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}. فالعلاقة بين رمضان والقرآن علاقة وجودية، تجعل من لياليه ميداناً للترتيل والتدبر، ومن نهاره صبراً واحتساباً.
ويؤكد الربابعة أن عظمة هذا الشهر تتجلى في كونه فرصة ذهبية لمحو الخطايا، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وفي رمضان، يرتقي المسلم بعباداته من حيز العادة إلى فضاء العبادة الخالصة، فتسمو الروح فوق الشهوات، ويتجسد التكافل الاجتماعي في أبهى صوره من خلال الصدقات وإفطار الصائمين، اقتداءً بنبينا الكريم الذي كان "أجود ما يكون في رمضان".
ويقول الربابعة إن فضائل هذا الشهر لا تكتمل إلا بليلة القدر، تلك الليلة التي تزن في ميزان الله عمراً كاملاً، حيث قال سبحانه: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. إنها الليلة التي تضيق فيها الأرض بالملائكة، وتفيض بالسكينة على قلوب العابدين.
وختم د. الربابعة بالقول إن رمضان هو دعوة للتصالح مع الذات ومع الخالق، فالسعيد من أدرك الشهر فصامه وقامه، وخرج منه بقلب سليم وذنب مغفور.

رمضان في ظلال الخيام.. مدرسة الروح وميثاق الدم

يقول المختص في التربية القيمية د. محمد ربعي يعود إلينا شهر رمضان المبارك هذا العام، والقلوبُ يعتصرها الألم، والعيون ترنو نحو تلك البقعة الطاهرة من أرضنا، حيثُ يسطر أهلنا في غزة أسطورة الصبر بمعناها الحقيقي.
ويضيف: يأتينا الشهر الفضيل ونحن نستقبل "هلال الصيام"، بينما أهلنا هناك يعيشون "واقع الصيام" منذ شهور، لا يجدون ماء يروي ظمأهم، ولا كسرة خبز تسد رمق أطفالهم، وقد استبدلوا سقوف منازلهم الآمنة بـ "خيم النزوح" التي لا تقي برداً ولا تستر وجعاً.
ويؤكد ربعي أن رمضان هذا العام ليس مجرد طقوس وعبادات، بل هو "امتحان للضمائر"، ودرس تربوي قاس وعميق. ويتساءل كيف لنا كآباء ومربين أن نتحدث عن "فضيلة الجوع والعطش" الاختياري، دون أن نربطها بـ "الجوع والعطش القهري" الذي يعيشه أحبابنا في الخيام؟
ويشير إلى أن "دورنا التربوي اليوم يفرض علينا أن نحول مائدة الإفطار إلى "منصة وعي". حين يشعر طفلنا بلسعة الجوع قبيل المغرب، علينا أن نقول له: "يا بني، هذا الشعور هو رفيق أطفال غزة الدائم". وحين يطلب جرعة الماء البارد، فلنذكره بشح المياه هناك، وبمن يقطعون الكيلومترات بحثاً عن قطرة ماء غير ملوثة. ويضيف علينا أن نُعلم أبناءنا أن "الاقتصاد في المأكل" هذا العام ليس توفيراً، بل هو "مواساة"، وأن الدعاء عند الإفطار ليس عادة، بل هو "سلاح".
ويرى ربعي أن رمضان فرصة لنعيد صياغة "إنسانية" أبنائنا، لنعلمهم أن المسلم للمسلم كالبنيان، إذا اشتكى منه عضو في الخيام تداعى له سائر الجسد في بيوتنا بالسهر والحمى. لا تجعلوا رمضان يمر وكأن شيئاً لم يكن، بل اجعلوه موسماً للتكافل، ومحطة للشعور بالآخر، وتذكيراً بأن لنا إخوة صيامهم لم ينقطع، وعيدهم لم يحن بعد.

القدس تتوق لقدوم شهر رمضان وتكون فيه أقرب للحرية

ويقول مؤلف موسوعة القدس والمسجد الاقصى د. حسن خاطر إن شهر رمضان المبارك هو المحطة الزمنية الأبرز في علاقة المسلمين بالله سبحانه وتعالى فهو شهر العبادة، ويشير إلى أن شهر الصيام والقيام والصدقة وأعمال الخير وهو شهر القرآن وشهر الانتصارات الحاسمة في مواجهة الظلم والظالمين، وشهر الفتوحات العظيمة في المشارق والمغارب. شهر حق لشعوب المسلمين أن ينتظروه من العام إلى العام لما يحمله من هذه المعاني العظيمة والأمل المتجدد رغم واقع الشعوب البائس.
ويؤكد خاطر أن القدس تتميز بانتظار قدوم شهر رمضان في كل عام لعلها تجد فيه خلاصها مما هي فيه، فالقدس في رمضان تكون أقرب ما تكون إلى الحرية، فهو شهر الذاكرة الحية لأمة الإسلام حيث تتجدد فيه مكانة القدس في وجدان المسلمين فيتوقون فيه إلى شد الرحال إلى الأقصى كما يشدون الرحال إلى توأميه المسجد الحرام والمسجد النبوي.
ويوضح خاطر أن القدس تعودت على مدار العقود الماضية أن يكون شهر رمضان هو شهر تجديد الهوية ونفض غبار الاحتلال عنها، ففي هذا الشهر تعج شوارع القدس وساحات الأقصى بمئات الآلاف من العرب المسلمين، الذين يشدون إليها الرحال.
ويضيف أيضاً أن رمضان يشكل للقدس خلاصاً اقتصادياً من خلال هذه الجموع الكبيرة التي تعيد إعمار أسواقها وتجدد نبض الحياة فيها. وينوه إلى أن القدس تستعيد روحها في شهر رمضان، هكذا كانت وهكذا يجب أن تبقى.
إلا أن خاطر يؤكد أن الاحتلال يخطط منذ زمن كي يفسد على القدس مزايا هذا الشهر المبارك، وأن يحرمها من خيراته إن استطاع. ويقول هنا يكمن التحدي الكبير بين سياسات الاحتلال والواقع الذي يصنعه رمضان في القدس.
ويشير إلى أن شهر رمضان يأتي ليمحو الكثير من آثار ما يفرضه الاحتلال على مدار 11 شهراً، ويعيد للقدس نبضها وهويتها، وحياتها. ويرى خاطر أن هذا ما دفع الاحتلال إلى تصعيد وتطوير سياساته خلال هذا العام بشكل غير مسبوق، وتقييد أعداد المصلين عند مستويات متدنية لا تتجاوز عشرة آلاف مصلي، وتشديد الإجراءات وفتح أبواب الأقصى أمام المستوطنين، إضافة إلى تفاصيل أخرى لا تقل أهمية، تجاوز فيها الاحتلال كل الخطوط الحمر مما يشكل اعتداء صارخاً على حرمة هذا الشهر، وعلى خصوصية القدس والمسجد الأقصى المبارك، الأمر الذي يفتح الأبواب على مصراعيها لكل الاحتمالات، بما فيها انفجار الأوضاع داخل القدس والأراضي الفلسطينية.

الصيام ليس مجرد تكليف جسدي بل منهج متكامل لبناء الإنسان

ويقول خطيب ومدرس المسجد الأَقصى المبارك د. خالد أَبو جمعة لقد خصَّ الله -عز وجل- شهر رمضان بأَن أنزل فيه القرآن الكريم، وأنزل فيه الوحي، هداية للناس، وفُرقاناً بين الحق والباطل، ونِبراساً يُنير دَياجير ظلمة المرء في سعيه في هذه الحياة بكل ما فيها من الآلام والأَحزان، وبكل ما فيها من الهموم والغموم والأنكاد، وبكل ما فيها من المخاطر والمكائد، كمكائد النفس والشيطان والمجرمين، وكل صاد عن سبيل رب العالمين.
وقد فرض الله -عز وجل- الصيام في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة، بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
ويشير أبو جمعة إلى الآية الكريمة التي تؤكد أَن الصيام لم يُشرع عبثا، بل كُتب على المؤمنين كما فُرض على الأمم السابقة، في إشارة إلى وحدة المقصد الإلهي عبر الشرائع، وهو تهذيب النفس وضبط الشهوات الظاهرة والباطنة، فالصيام وسيلة عملية لتعويد الإنسان على المراقبة الداخلية لأَنه عبادة سرية بين العبد وربه، فلا يطلع عليها أحد، مما يُبعدها عن الرياء ويقربها من الإخلاص، أَضف إلى ذلك السمو الأخلاقي، والابتعاد عن الرذائل.
ويضيف أبو جمعة: إن الصيام عبادة عميقة المقاصد عظيمة الدلالات والغايات، فإذا استشعر المسلم مقاصد الصيام، أصبح الصيام له حياة لقلبه، ونوراً لعقله، وسكينة لروحه، مما يجعل من شهر الصيام محطة سنوية لمراجعة النفس، وتقويم السلوك، وتعميق الصلة بالله -تعالى-.
ويؤكد أبو جمعة أن عبادة الصيام ليست مجرد تكليف جسدي، بل منهج متكامل لبناء الإنسان، يبدأ بالإمساك وينتهي بالتقوى، فالغاية الروحية من الصيام هو تحقيق التقوى، لأَنها وسيلة لتطهير العقل والنفس والسلوك، فالتقوى فيه أَن تصوم عيناك وأُذناك ولسانك عن المعاصي.
ويرى أننا بحاجة إلى صيام فوق صيام الجوارح، وهو أَن نلتفت إِلى قلوبنا، فالقلب الصائم هو قلب مشغول بالفكر في الآخرة، والقدوم على الله عز وجل، مخلص لا يريد غير وجه الله، ولا يطلب إلا رضى الله، ولا يلتذ بغير محبة الله وذكره وشكره وحسن عبادته، فهو متحرر من حب الدنيا والتعلق بشهواتها وملذاتها.
ويضيف أبو جمعة: إن القلب الصائم، قلب ساكن مُخبت متواضع ليس فيه شئ من الكبر والغرور والعلو في الأرض، فهو سليم وسالم من الأحقاد والضغائن، لا يُضمر لأحد من المسلمين غلاًّ ولا شراً ولا حسداً، بل يعفو ويصفح ويغفر ويتسامح، ويحتمل أذى الناس وجهلهم.
ويختم أبو جمعة بالقول: علينا أن نستقبل هذا الشهر الكريم المبارك بالتوبة النصوحِ والنية الصادقة والاستغفار والذكر، مع اغتنام ليله ونهاره بالعبادة، بالصيام والقيام، وتلاوة القرآن والذكر والجود والعطاء والبر، وبكل أَنواع الخصال الحميدة، فإذا فُعلت إيماناً واحتساباً، يكون الشهر مُكفِّراً لما بينه وبين الشهر الذي بعده، كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ).

عن معاني "اللهم إني صائم"

يقول خطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ الدكتور محمد سليم: إن رمضان شهر لتحصيل جماع الدين كله وهو التقوى، التي تعني: أن يفعل المسلم ما يأمره الله به، وأن ينتهي عما نهاه الله عنه، وأن يحرص على فعل النوافل والمستحبات مع أداء الفرائض، وأن يحجم عن فعل المعاصي والمنكرات، هذه هي التقوى، التي جعلها الله -سبحانه- العلة والحكمة والمقصد من صيامنا في شهر رمضان، وهذه الحكمة يتفرع منها حكم عديدة، يجب على المسلم أن يحققها من خلال صيامه، وفي مقدمتها أن يجعل شعاره في رمضان "اللهم إني صائم"، وأن يتصف بهذا الشعار، ويتخذه لباساً وزينة تزين به، وبدونه لا يمكن أن يكون تقياً حقاً.
ويضيف: إن "اللهم إني صائم" تعني أن يكظم غيظه، ويحبس غضبه في صدره، وأن يكون حسن الخلق والتعامل مع كل الناس حوله، مع زوجته وأولاده، ومع جيرانه وأصدقائه وأقاربه.
ويؤكد سليم أنه إذا كان الصيام في صورته امتناع عن المفطرات الثلاثة: الطعام والشراب ومعاشرة الزوجات، فإن هذه الصورة ما هي إلا مجرد صورة للصيام الحقيقي، وهو امتناع الرأس وما حوى، وامتناع البطن وما حوى عن كل ما حرم الله ونهى عنه، بل إمساك كل جوارح الإنسان وصيامها عن الجرأة على المعصية وعن التقصير فيما أوجب الله عليه.
ويشير سليم إلى أن العديد من الأحاديث الشريفة وردت عن رسولنا محمد ﷺ، تُنبه المسلم في رمضان إلى حقيقة الصوم المقبول، وهو الصوم الذي يحصل به التكافل بين المسلمين في صوره العديدة، والتي منها الصدقات، ويُفطِّر الصائمين، والزكاة، والعفو عن الزلات، وصلة الأرحام.
ويتساءل: كيف يكون المسلم صائماً في رمضان، ويقف بجوار أخيه المسلم في الصلوات الخمس وفي صلاة التراويح، وهو في خصومة معه؟ وكيف يتحقق اجتماع المسلمين في البلد الواحد على صوم الشهر الكريم، وقلوبهم شتى، وهم كالجسد المقطّع، قطع وأوصال؟
ويضيف الشيخ سليم: إن أي صوم هذا لمن ترك طعامه وشرابه شهوته في رمضان، وتطاول على المسلمين، فقاتلهم، ولم يسلموا من شرسانه وأذاه؟ ولم يسلموا من لسانه ويده؟
ويؤكد سليم في ختام حديثه إلى أن صيام شهر رمضان الحقيقي هو الصيام الذي يصوم فيه المسلمون عن الفرقة والخصومات، وعن البغض والكره والحسد، وهو الصيام الذي تجتمع فيه قلوبهم على مائدة واحدة، قبل أن تجتمع أبدانهم على قصعة واحدة يأكلون منها، وأما الجوع والعطش فما أهون من صومه. وإما أحرى من صوم ألا يكون مقبولاً عند الله رب العالمين وعند صالح المؤمنين، إن كان صيام بطن عن الطعام والشراب فحسب.


عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

أربع سنوات من الرماد: شهادات حية توثق الساعات الأولى لغزو أوكرانيا وتحولات 'صراع الوجود'

عند الخامسة من صباح الرابع والعشرين من فبراير 2022، استيقظ العالم على دوي الانفجارات الأولى في أوكرانيا، معلنةً بدء ما أسمته موسكو 'عملية عسكرية خاصة'. اليوم، وبعد مرور أربع سنوات على تلك اللحظة المفصلية، لا تزال الشهادات الحية ترسم لوحة إنسانية وعسكرية معقدة لحدث غير وجه القارة الأوروبية وأعاد صياغة الوجدان الجمعي للأوكرانيين.

تستذكر المحامية والحقوقية أوليكساندرا ماتفيتشوك تلك الصدمة الأولى، حيث لم تكن بحاجة لبيانات رسمية لتدرك حجم الكارثة، بل أيقظتها طرقات عنيفة ومكالمات لم تتوقف. وصفت ماتفيتشوك العاصمة كييف في ذلك اليوم بأنها تحولت إلى مدينة 'بلا ألوان'، حيث ساد صمت مريب قبل أن يبدأ التفكير الجماعي في سبل المقاومة والبقاء.

من جانبه، يروي الدكتور محمد فرج الله، رئيس تحرير وكالة 'أوكرانيا بالعربي'، كيف خرج إلى شوارع كييف ليرى آثار الدمار الأولى بأم عينيه. ومع بث صور الأرتال العسكرية الروسية المتجهة نحو العاصمة، أدرك الجميع أن الغزو أصبح واقعاً لا مفر منه، مما دفع الكثيرين لاتخاذ قرارات صعبة بشأن حماية عائلاتهم والبقاء للدفاع عن الأرض.

سيرهي كوزان، رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني، كشف أن الاستعدادات الأوكرانية كانت تضع في الحسبان أسوأ السيناريوهات، بما في ذلك الوقوع تحت الاحتلال الكامل. وأوضح أن العقيدة العسكرية تحولت سريعاً نحو التحضير لحرب عصابات طويلة الأمد، وهو ما عكس إصراراً شعبياً على عدم الاستسلام مهما بلغت التضحيات.

وفي مشهد صوتي مرعب، يصف الدكتور عماد أبو الرُب أصوات المدافع والصواريخ التي هزت أركان كييف في الساعات الأولى، مشيراً إلى حالة النزوح الجماعي نحو الغرب. وأكد أبو الرُب أن 'رائحة الموت' بدأت تفوح مبكراً مع سقوط القنابل العشوائية، مما جعل التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية أمراً مستحيلاً في ظل القصف الروسي المكثف.

الضابط في الجيش الأوكراني، إيفهن كونتسكي، اختصر مأساة تلك اللحظة في وداعه لزوجته، معتبراً أن المعركة هي معركة وجود لا تقبل القسمة على اثنين. وأشار كونتسكي إلى أن الحيرة والارتباك اللذين سادا في الشهر الأول تحولا تدريجياً إلى عزيمة منظمة، خاصة بعد قرار توزيع السلاح على المدنيين وإشراكهم في الدفاع عن مدنهم.

ويرى مراقبون أن قرار تسليح المدنيين كان 'ضربة معلم' سياسية وعسكرية، حيث سمح بعمليات مقاومة مبدعة وغير تقليدية صدمت القوات الروسية. هذه المقاومة الشعبية، التي دعمت الجيش النظامي، استطاعت عرقلة تقدم قوات كانت تفوقها عدداً وعتاداً بستة أضعاف، مما أربك حسابات الكرملين التي كانت تتوقع نصراً سريعاً.

فاتورة الدم كانت باهظة جداً، حيث تشير الشهادات إلى استخدام 'جرائم الحرب' كوسيلة ممنهجة لإخضاع السكان وكسر إرادتهم. ويروي فرج الله قصصاً مأساوية عن احتراق سيارات مدنية بمن فيها من أطفال ونساء، مؤكداً أن هذه الفظائع زادت من إصرار الأوكرانيين على القتال حتى النهاية بدلاً من الاستسلام لواقع الاحتلال.

بعد انسحاب القوات الروسية من محيط كييف، بدأت تتكشف ملامح التضامن الإنساني، حيث سارع الأطباء والمتطوعون لتقديم الإغاثة في القرى المنكوبة. ويؤكد أبو الرُب أن طوابير الأطفال والعائلات التي كانت تنتظر المساعدات البسيطة تركت أثراً عميقاً في النفوس، وعززت من روح التعبئة الوطنية التي ملأت مراكز التجنيد لاحقاً.

مجزرة 'بوتشا' كانت نقطة تحول كبرى في مسار الحرب، حيث رفعت منسوب الغضب الشعبي والروح القتالية إلى مستويات غير مسبوقة. وبحسب الضابط كونتسكي، فإن رؤية تلك الفظائع جعلت الانضمام للقوات المسلحة واجباً أخلاقياً ووطنياً، وشكلت اللجان الشعبية خطوط دفاع ثانية خففت العبء عن الجيش النظامي في حماية العاصمة.

الحسابات الدولية سقطت هي الأخرى أمام الصمود الأوكراني، فبينما توقعت عواصم كبرى مثل باريس وبرلين سقوط كييف في غضون أيام، أثبت الواقع الميداني عكس ذلك. ويوضح كوزان أن الغرب كان يخطط لدعم 'تمرد من الجبال' بعد سقوط الدولة، لكنه اضطر لتغيير استراتيجيته نحو الدعم العسكري الثقيل بعد رؤية الصمود الأسطوري.

في مايو 2022، بدأت القناعة الغربية تترسخ بإمكانية هزيمة روسيا ميدانياً، مما أدى لرفع نوعية الأسلحة المقدمة لأوكرانيا. ويرى فرج الله أن الخطة الروسية التي قامت على اختراق كييف خلال شهر واحد انهارت بسبب تعدد أنماط القتال الأوكرانية وانكشاف خطوط الإمداد الروسية التي وصلت دون تعزيزات كافية.

الصراع في جوهره، كما تراه ماتفيتشوك، هو صراع حول مفهوم الحرية، حيث سقطت موسكو في فخ دعايتها بأن الشعبين 'شعب واحد'. وتؤكد أن الفارق الجوهري يكمن في رغبة الأوكرانيين في بناء دولة ديمقراطية مستقلة، بعيداً عن العباءة السوفيتية التي تحاول روسيا إعادة فرضها بالقوة الغاشمة وانتهاك المواثيق الدولية.

تختتم الشهادات بتعريف النصر الذي لا يقتصر على استعادة الأرض فحسب، بل في نجاح أوكرانيا في التحول إلى دولة ديمقراطية كاملة السيادة. ويؤكد العسكريون والحقوقيون على حد سواء أن العودة إلى ما قبل 24 فبراير 2022 مستحيلة، لأن الحرب أعادت صياغة الهوية الأوكرانية كأمة تقاتل من أجل حقها في الوجود والحرية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيقات تكشف عن 6 وحدات تخزين سرية للملياردير جيفري إبستين في أمريكا

كشف تحقيق صحفي حديث عن تفاصيل جديدة تتعلق بالملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، حيث تبين استئجاره لست وحدات تخزين سرية على الأقل موزعة في عدة ولايات أمريكية. وأشارت المصادر إلى أن هذه الوحدات استُخدمت لإخفاء ترسانة من الأدلة الرقمية والورقية التي قد تدين أطرافاً أخرى في شبكته الواسعة.

ووفقاً للوثائق التي تم الحصول عليها، فإن إبستين احتفظ بأقراص صلبة وأجهزة كمبيوتر وصور وملفات حساسة داخل هذه المخازن بين عامي 2003 و2019. ويرجح التحقيق أن بعض هذه المواقع ظلت بعيدة عن رقابة السلطات الفيدرالية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصير الأدلة التي لم تُكشف بعد.

وأظهرت كشوفات بطاقات الائتمان والملفات المالية مدفوعات منتظمة لوكالة تحقيق خاصة كانت تشرف على تأمين هذه المواقع. وبلغت قيمة المبالغ المدفوعة لهذه الوكالة نحو 38,500 دولار خلال فترة وجيزة لم تتجاوز خمسة أشهر في عام 2010، مما يعكس الأهمية القصوى التي كان يوليها إبستين لهذه المحتويات.

وتطرقت رسائل بريد إلكتروني كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخراً إلى عمليات نقل مريبة لمحتويات هذه الوحدات بين إبستين وشركائه المقربين. وفي إحدى المراسلات عام 2009، طلب ممثل عن وكالة التحقيق المشورة بشأن صور وأجهزة كمبيوتر تم سحبها من منزل إبستين قبل تنفيذ أوامر التفتيش الرسمية.

وتشير المراسلات إلى أن إبستين كان يتابع بدقة مصير الصور المخزنة، حيث استفسر في إحدى المرات عن نسخة من صورة لشخصية لم يُكشف عن هويتها. وأكد الطرف الآخر في الرسالة أن الأغراض موجودة في المخزن وسيتم استخراجها في الزيارة التالية، مما يؤكد استخدام هذه الوحدات كخزائن آمنة للمعلومات الحساسة.

وتضمنت محتويات الوحدات أجهزة كمبيوتر تم شحنها خصيصاً من جزيرة 'ليتل سانت جيمس' الخاصة بإبستين في منطقة الكاريبي. وأفادت التقارير بأن تعليمات صدرت للمحققين بضرورة مسح البيانات الموجودة على تلك الأجهزة فور وصولها إلى وحدات التخزين لضمان عدم استعادتها.

وفي هذا السياق، صرح مايكل رايتر، قائد شرطة بالم بيتش السابق، بأن عمليات التفتيش التي جرت في عام 2005 أظهرت بوضوح أن المواقع التابعة لإبستين قد خضعت لعملية 'تنظيف' احترافية. وأضاف أن الأدلة المادية كانت تُزال بشكل منهجي قبل وصول المحققين، مما أعاق سير العدالة في ذلك الوقت.

وتم تتبع مواقع هذه الوحدات في ولاية فلوريدا، حيث تبين وجود بعضها على بعد أميال قليلة من منزل إبستين في منطقتي بالم بيتش وديلراي بيتش. وتكشف السجلات أن إبستين بدأ استئجار إحدى الوحدات في عام 2003 مقابل رسوم شهرية بلغت 374 دولاراً، واستمر في دفعها لأكثر من عقد من الزمن.

وتميزت إحدى الوحدات التي استُخدمت بين عامي 2009 و2011 بكونها متاحة للوصول على مدار الساعة ومجهزة بمرافق لتخزين المركبات الكبيرة. كما استمرت الدفعات المالية لموقع آخر في منطقة رويال بالم بيتش حتى عام 2019، وهو العام الذي شهد وفاة إبستين الغامضة في سجنه.

أما في مدينة نيويورك، فقد استأجر محققون يعملون لصالح إبستين وحدة تخزين تبعد خمس دقائق فقط عن قصره الفاخر في مانهاتن بدءاً من عام 2010. وضمت هذه الوحدة مزيجاً من الأثاث الفاخر والمعدات التقنية وصناديق مكدسة تحتوي على وثائق وأجهزة كمبيوتر إضافية.

وأظهرت صور التقطها موظفون في عام 2012 تكدساً كبيراً للصناديق الكرتونية داخل مساحات ضيقة ومزدحمة في إحدى الوحدات. كما امتد نشاط التخزين السري ليشمل ولاية نيو مكسيكو، حيث تم رصد اهتمام بوحدة تخزين تقع بالقرب من مزرعته الشاسعة هناك، مما يبرز النطاق الجغرافي الواسع لعملياته.

وعلى الرغم من امتلاك إبستين لخمسة عقارات ضخمة في الولايات المتحدة وفرنسا، إلا أن إصراره على استئجار وحدات خارجية يثير ريبة المحققين. ويرى مراقبون أن هذه الوحدات كانت تهدف لتوفير طبقة إضافية من الحماية للأدلة التي لا يرغب في بقائها داخل ممتلكاته الشخصية المعرضة للمداهمة.

ويبقى مصير هذه المحتويات مجهولاً حتى اليوم، خاصة مع القوانين التي تسمح ببيع محتويات المخازن المهجورة في مزادات علنية بعد فترة من عدم السداد. ويخشى قانونيون أن تكون أدلة حاسمة قد ضاعت أو أُتلفت أو وقعت في أيدي أشخاص لا يدركون قيمتها الجنائية في القضية التي لا تزال تشغل الرأي العام.

اقتصاد

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 8:03 صباحًا - بتوقيت القدس

ضغوط 'الأموال الساخنة' تلاحق الجنيه المصري: هل بدأت أزمة دولارية جديدة؟

عادت الضغوط لتلقي بظلالها على العملة المحلية في مصر، حيث سجل الجنيه تراجعاً ملحوظاً أمام الدولار الأمريكي خلال الأيام الماضية، رغم حالة الهدوء النسبي التي شهدتها العملة الخضراء عالمياً. ويأتي هذا الهبوط مدفوعاً بأنباء التوترات الإقليمية المتصاعدة، والتي حفزت موجة تخارج جزئي لما يعرف بـ'الأموال الساخنة' من سوق الدين المصرية.

ووفقاً لبيانات السوق، فقد فقد الجنيه نحو 76 قرشاً من قيمته خلال الأسبوع الأخير، ليتجاوز سعر الصرف حاجز 47.80 جنيه للدولار الواحد. وبهذا التراجع، يكون الجنيه قد بدد كافة المكاسب التي حققها منذ مطلع عام 2026، وسط زيادة في الطلب على العملة الصعبة لتغطية خروج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية.

وشهدت آلية 'الإنتربنك' بين البنوك المحلية قفزة استثنائية في حجم التداولات بنسبة بلغت 110%، لتصل إلى نحو ملياري دولار خلال أسبوع واحد فقط. وتعكس هذه الأرقام ضغطاً حقيقياً على السيولة الدولارية في البلاد، ناتجاً عن رغبة المستثمرين في التحوط من المخاطر الجيوسياسية المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط.

ولم تقتصر التأثيرات على سوق الصرف فحسب، بل امتدت إلى البورصة المصرية التي سجلت تراجعاً بنسبة 2.1% في مستهل تعاملات الأسبوع. وأرجعت مصادر مالية هذا الهبوط إلى سيطرة حالة من القلق على المستثمرين، مما دفعهم لجني الأرباح والتخارج من السندات وأذون الخزانة تحسباً لأي تصعيد عسكري محتمل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن ما يحدث حالياً يمثل 'إشارات تحذيرية' جدية تتطلب الانتباه، حتى وإن لم تصل إلى مستوى الأزمة الشاملة بمفهومها الكلاسيكي. وأوضح محللون أن تضاعف تداولات الإنتربنك يؤكد وجود مشكلة بنيوية، حيث يظل استقرار سعر الصرف رهينة لتدفقات الأموال الساخنة المتقلبة.

وكشفت تقارير حديثة أن المستثمرين العرب سجلوا صافي خروج من أذون الخزانة المصرية بقيمة تقارب 300 مليون دولار خلال أسبوع واحد. ورغم أن هذا الرقم يبدو صغيراً مقارنة بإجمالي الاستثمارات، إلا أن خطورته تكمن في كونه قد يمثل بداية لموجة تخارج أوسع تبحث عن ملاذات آمنة بعيداً عن الأسواق الناشئة.

وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أكد البنك المركزي المصري وصول صافي الاحتياطيات الدولية إلى 52.6 مليار دولار بنهاية يناير الماضي. ومع ذلك، يثير مراقبون مخاوف من إدراج الأموال الساخنة ضمن هذه الاحتياطيات، مطالبين بضرورة فصلها لضمان تقييم حقيقي لقدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية المفاجئة.

وتعتمد الحكومة المصرية بشكل كبير على استثمارات الأجانب في أدوات الدين، والتي بلغت نحو 40 مليار دولار بنهاية العام الماضي. وتاريخياً، عانت مصر من هروب هذه الأموال في أزمات سابقة مثل جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، مما أدى حينها إلى انحدار تاريخي في قيمة العملة المحلية.

وتشير التقديرات إلى أن أي تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي إلى استنزاف سريع للاحتياطي النقدي الأجنبي في مصر. كما سيضطر البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة لمستويات قياسية لجذب المستثمرين مرة أخرى، مما يزيد من أعباء خدمة الدين العام التي تلتهم بالفعل جزءاً كبيراً من الموازنة.

وتتزايد المخاوف من أن يؤدي اضطراب سوق الصرف إلى زيادة تكلفة استيراد السلع الأساسية، مما يرفع معدلات التضخم ويزيد الأعباء المعيشية على المواطنين. ويقبع نحو ثلثي سكان مصر تحت خط الفقر أو بالقرب منه، مما يجعلهم الفئة الأكثر تضرراً من أي تراجع جديد في القوة الشرائية للجنيه.

وعلى صعيد الدعم الدولي، تترقب القاهرة إفراج صندوق النقد الدولي عن شرائح جديدة من القرض المتفق عليه بقيمة إجمالية تصل إلى 8 مليارات دولار. ويأمل المسؤولون أن تساهم هذه التدفقات في توفير سيولة دولارية مؤقتة وتعزيز ثقة المستثمرين الدوليين في استمرارية برنامج الإصلاح الاقتصادي.

إلا أن محللين يؤكدون أن قروض الصندوق لن تحل المشكلة من جذورها ما لم يتم تحفيز الإنتاج المحلي وزيادة عوائد الصادرات والسياحة. فالدين العام المصري الذي يقدر بنحو 377.8 مليار دولار يتطلب حلولاً مستدامة تتجاوز مجرد الاقتراض لسداد التزامات سابقة أو تغطية عجز الموازنة.

ويرى الدكتور أحمد ذكرالله، الخبير الاقتصادي أن صرف شرائح الصندوق يمثل 'أماناً مؤقتاً' يفتح باب التمويل الدولي، لكنه لا ينهي هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات. وأكد أن الاعتماد الواسع على الأموال الساخنة يجعل الدولة في حالة استنفار دائم أمام أي متغير سياسي أو عسكري في المنطقة.

وفي الختام، يظل المشهد الاقتصادي المصري معلقاً بمدى استقرار الأوضاع الإقليمية وقدرة البنك المركزي على إدارة السيولة الدولارية بكفاءة. فالتخارج الحالي، وإن كان محدوداً، يرسل إشارات قوية بأن الثقة في الأسواق الناشئة قد تهتز بسرعة عند وقوع أول أزمة جيوسياسية كبرى.