أقلام وأراء

الخميس 19 مايو 2022 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

صراع القوة العسكرية مع السيادة الشرعية في جنازة ‏شيرين

بقلم:المحامي إبراهيم شعبان
من راقب أو شاهد أو اشترك في جنازة المرحومة الصحفية شيرين ابو عاقلة، هاله طول ‏الجنازة التي امتدت من جنين للقدس مرورا برام الله، و/أو بهرته الأعداد غير المسبوقة ‏المشاركة في الجنازة والتي قلّ مثيلها على مرّ التاريخ الفلسطيني الحديث،و/ أو تأكد من التآخي ‏المسيحي الإسلامي في قدس الله الذي كنا دائما نفاخر فيه بعد أن شكك البعض به، و/أو أبهره ‏ذلك الإجماع الوطني والدولي والإقليمي على شخص الشهيدة المسسيحية الفلسطينية العربية ‏وأخلاقها الحميدة، و/أو حبس دمعه حزنا على شهيدة الكلمة وذكرياتها ومواقفها وإنسانيتها . كل ‏ذلك يبهر، ولكن ما يعلو على كل ذلك ويبهر أكثر، هو ذلك التسامي للسيادة الفلسطينية المتلألئة ‏في سماء القدس ممثلة بالمواطن المقدسي ،على آلة العنف والقوة الإسرائيلية التي تنبع من فوهة ‏بندقية لعسكري محتل من فوق دبابة. منظر لا ينسى ولا يتكرر كثيرا، لكن دلالاته ومعانيه ‏ورمزيته التي لا تناقش يجب أن ترسخ في النفوس وتقرر الوجود الفلسطيني العربي بسيادته ‏بعد أكثر من خمسين عاما نافية للسيادة الإسرائيلية مؤكدة على نفي الضم والإحتلال ‏الإسرائيليين.‏
ظنّ الجندي الإسرائيلي، وقائد الشرطة الإسرائيلية المحتلة، وغيرهم من أجهزة الشاباك، أنهم ‏عبر أسلحتهم الرشاشة وقنابلهم وعنفهم وعصيهم وكلابهم وغازهم ومياههم العادمة وخيولهم ‏أنهم يفرضون الأمن والنظام العام في جنازة ترفع العلم الفلسطيني بكبرياء وتحمل جثمان شهيدة ‏الكلمة بعزة وإباء، لكنهم كانوا واهمين. كان المحتل وكل أذرعه الأمنية يضيقون ذرعا بوجود ‏العلم الفلسطيني الذي عقد معهم أوسلو بالأمس، فتنكروا له اليوم. لكن الرأي السديد والحكمة ‏خانتهم، فكل المراقبين والمحللين الموضوعيين رأوا في المواطنين والجثمان والتابوت والعلم ‏رموزا للسيادة الفلسطينية المختبئة في صدور المشيعين خشية من قمع المحتل ورجال أمنه. ‏عارفين أن تعليق سيادة شعبهم في صدورهم ليس نفيا لها بل تعليقا لها لوقت قريب قادم اتقاء ‏لوحشية الإحتلال وانقلب السحر على الساحر.‏
جهلوا وما زالوا يجهلون أن السيادة كامنة في صدور الشعب الفلسطيني فردا فردا، ولم يتخل ‏عنها ولن يتخلى عنها هذا الشعب مهما طال الزمن والإحتلال، ولن ينشغل عنها الفلسطيني ولن ‏يتنازل عنها ولا يجوز له ذلك، وكلما لاحت له فرصة أظهرها وكشفها ، مهما انشغل الفلسطيني ‏المقدسي بعمله ودراسته وتجارته وحياته. ذلك أن السيادة تنبع من الشعب وليس من أية سلطة ‏أخرى لا انتدابا ولا إحتلالا ولا معاهدة ولا وقف إطلاق نار ولا هدنة، وتكتسب الرضى ‏والقبول من الشعب فقط، أما المحتل فلا يملك ذرة واحدة من ذرات السيادة ولا جزئية من ‏جزئياتها، مهما طال الزمن أو قوي البطش، أو كثر السلاح،أو امتلأت السجون وفرضت ‏الأحكام العالية، أو سيقت القوانين لفرض القوة وهدم المنازل، أو جبيت الضرائب والمكوس ‏ولوحقوا لإفلاس الشعب الفلسطيني. ‏
وكأن حادثا مأساويا كمقتل شيرين يمكن أن يؤكد أمرا جللا نسيه الكثيرون في خضم الأحداث ‏المتلاحقة أو أوشكوا على نسيانه أو عملوا على تشويهه وبخاصة بعد اعتراف دونالد ترامب ‏بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها، واعتقد الإسرائيليون أن القدس دانت ‏لهم. فقد أبرزت جنازة شيرين أن القدس هي عاصمة الفلسطينيين فقط، وأن شوارعها شوارع ‏فلسطينية خالصة، وسكانها عرب فلسطينيون، فباب الخليل والمستشفى الفرنسي في الشيخ ‏جراح وشارع القلعة ومقبرة النبي داوود تشهد كلها أنها مناطق عربية خالصة رغم العبث ‏الصهيوني، وأن أكثر من خمسين عاما من الضم لها لم يلغ ولم يغير من عروبتها وطبيعتها ‏واسمها. وثبت بالدليل القاطع أن الضم باطل ولاغٍ وأن لا ثمار للعدوان ولو طال الزمان. ‏
لقد بنت وزارة الأشغال العامة والإسكان الصهيونية آلاف الشقق السكنية لليهود والمهاجرين ‏الجدد، وأقامت المستعمرات الإستيطانية الإسرائيلية في قلب مدينة القدس المحتلة، وضيقت ‏على الفلسطينيين رخص البناء ورفعت رسومها بشكل باهظ، وصادرت الأرض الفلسطينية ‏منعا من البناء عليها، وهدمت المباني الفلسطينية بحجة عدم الترخيص والأمن الإسرائيلي، ‏وقيدت لم شمل العائلات الفلسطينية، وأعلنت منع الحب بين الفلسطيني والفلسطينية درءا ‏لتكاثر الفلسطينيينن وطردا لهم من موطنهم، بل وسموهم بالإرهاب، لكن ذلك كله لم يفت من ‏عضد المقدسي الفلسطيني العربي، وبقي كالطود الشامخ يحمي مسجده وكنيسته ويشارك في ‏الجنائز ويدفن في مقابر القدس وعلى ثراها ويعمق الوحدة الوطنية التي أبرزتها ووثقتها جنازة ‏المرحومة شيرين أبو عاقلة. ‏
هؤلاء المحتلون انقطعوا عن القدس وفلسطين آلاف السنين فليس لهم فيها سوى رسومات ‏وروايات وحكايات وليس لهم مكان ملموس يرى بالعين المجردة، أو أثر بارز للعيان يستريح ‏فيه المسافر، ولا عجب فقد كانوا بدوا رحلا وفق كتبهم ووثائقهم وعلماء آثارهم. في حين ‏تواصل العرب الفلسطينيون في العيش على هذه الرقعة الجغرافية لآلاف السنين، والتاريخ ‏يحسم ذلك. وكانت حيازتهم هادئة مستقرة غير متقطعة للأرض مقرونة برضاء المحكومين ‏والشعب، مقترنة بجميع مظاهر الحياة الوافرة كالبناء لجوامع وكنائس ومعاهد ومدارس وزوايا ‏واسواق وخانات وضرب عملات . ‏
السيادة لم تكن يوما قوة نارية نابعة من فوهات البنادق والمدافع مفروضة بالقوة والإكراه والغلبة ‏ولا حديثا عاطفيا، بل سلطة شرعية نابعة من الشعب تسمو عل كل سلطاته ولا يسمو عليها ‏شيء، كل لا يتجزأ ولا يتم النازل عنها. ولم تكن الوحدة والتوحيد يوما تقوم إلا بالرضاء ‏والقبول، وليس بالقهر والإلزام والتهديد وضرب الهراوات ونشر المزاعم والبهتان وتزييف ‏التاريخ والوقائع.‏
وفي ذكرى النكبة الفلسطينية، وبعد أكثر من سبعين عاما على ضياع وتقسيم فلسطين، ما زالت ‏السيادة الفلسطينية ترفرف فوق تلال القدس وقراها وفوق ثرى فلسطين الطاهر، رغم القوة ‏العسكرية والبطش العسكري. وما زالت هذه الدولة القائمة على القوة المسلحة، تفتقد للشرعية ‏الدولية رغم النفاق والمداهنة والخوف من تهمة اللاسامية وتحاول بكل الطرق إسنادها لدولتها. ‏لكن القوة العسكرية لم تخلق حقا يوما ما، وإن خيّل للبعض أو قصيري النظر أو المنتفعين ذلك ‏فما تجلبه الرياح تأخذه الزوابع!!!‏

شارك برأيك على صراع القوة العسكرية مع السيادة الشرعية في جنازة ‏شيرين

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الأربعاء

11- 17

الخميس

10- 18

الجمعة

11- 18
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.44 بيع 3.43
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.85 بيع 4.84
  • يورو / شيكل شراء 3.57 بيع 3.56

الأربعاء 30 نوفمبر 2022 7:07 صباحًا

الأكثر قراءة

تصويت

هل تعتقد أن قطر ستحقق نجاحًا باهرًا في استضافتها لكأس العالم؟

27

72

(مجموع المصوتين 975)

الأكثر تعليقاً