أقلام وأراء

الأربعاء 08 يونيو 2022 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

الجيش الإسرائيلي ووهم الأخلاق العسكرية وكذبة طهارة سلاحهم

بقلم: الأسير حمادة درامنة


يثير مفهوم الأخلاقيات العسكرية -عادةً- جدلاً فكرياً واسعاً في أوساط المفكرين والباحثين، حيث لا يستوي عند البعض ذلك الربط غير المنطقي بين الآلة العسكرية المدمّرة والأخلاق، فكيف يكون للجيش بعملياته القاتلة أخلاق؟! ولمصطلح الأخلاقيات العسكرية ارتباط غريب مع مصطلح آخر وهو طهارة السلاح، وهنا أيضاً يعود نفس السؤال إلى الأذهان: كيف يكون السلاح القاتل والمدمر طاهراً؟!

لقد تم تطوير مساحة التعاطي مع مصطلح أخلاقيات الجيش وطهارة سلاحه؛ ليشمل الجنود في مواقف تعترضهم كأفراد أو مجموعات، وكيف يستخدمون القرار العسكري؟ وبأي شكل سينفّذونه؟ وما نتائجه؟! فالمقصود بالمعنى العام لمفهوم طهارة السلاح هو الاستعمال المكبوح للسلاح، دون إحداث إصابات -غير لازمة- لحياة الإنسان أو ما يتعلق به عند تنفيذ المهام، والمحافظة على قدسية حياة الإنسان. فطهارة السلاح تأتي أولاً من خلال توفر الأخلاقيات العسكرية.


رغم أن مسألة طهارة السلاح والأخلاقيات العسكرية تشوبها أجواء من الصمت والتستُّر إلا أنَّ هذا الموضوع لطالما كان موضع اهتمام كبير من الباحثين والمفكرين في حالة الجيش الإسرائيلي، أضف إلى ذلك التخبطات السياسية والتساؤلات حول قضايا ومجازر ارتكبتها عديد العصابات الصهيونية والجيش الإسرائيلي بحق العرب والفلسطينين كثيراً.


فلو عُدنا بالتاريخ للعام 1948 حيث تم تهجير الفلسطينين واقتلاعهم من ديارهم تحت تهديد السلاح؛ سنجد أن هذا التدمير والتهجير يقع ضمن المساحة غير الأخلاقية وغير الإنسانية، فقد أثبتت الدراسات التي قام بها عددٌ من المؤرخين -ومنهم إسرائيليون- من أمثال إيلان بابيه أن ما قام به الإسرائيليون سواء بمنظماتهم أو جيشهم النظامي لم يكن في حدود طهارة السلاح وضبط النفس، وهذا عكس ما تحاول الروايات والأدبيات الصهيونية إظهاره بإبراز شخصية المحارب الإسرائيلي من خلال مصطلحات ضبط النفس وطهارة السلاح بوصفه جندياً مختلفاً عن العربي الهمجي والمتعطش للدم سريع الغضب.


من الجدير بالذكر قيام المنظمات الصهيونية، ولاحقاً الجيش الإسرائيلي، في عام 1948 وما تلا ذلك من أعوام باحتلال الأرض الفلسطينية، وهذا ما كان ليتم إلا بقوة السلاح، وبتوالي أعمال العنف العسكرية ضد الفلسطينين بإخافتهم من جبروت اليهود، وبثّ الرعب والفزع في نفوسهم، وقد عبَّرَ الكثير من قادة الصهيونية وجندهم عن ذلك معربين عن حبهم للسلاح، بأسلوبٍ يستطيع القارئ معه ملاحظة عدم طهارة السلاح وعدم ضبط النفس، وفي هذا يكون أحد الجنود من أفراد لواء غفعاتي التابع للجيش الإسرائيلي الذين شاركوا بالجرائم المتواصلة والمرتكبة ضد الفلسطينين لعام 1948، فهو إسحاق أونداك الذي أخبر صحيفة هارتس في عام 2004 بالمجازر التي حدثت "كانت هناك مئتا قرية وجميعها أزيلت عن الوجود، كان لا بد من تدميرها، وإلا لكان بقي لدينا هنا عربٌ مثلما هي الحال في الجليل، ولكان لدينا مليون فلسطيني آخر".


إن قائمة المجازر التي نفّذها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينين طويلة، ويمكن العودة إليها ودراستها والاطّلاع على هذه الجرائم المرتكبة من سلب ونهب وقتل، عدا عن التهجير. فهذا السلوك الممارَس من قِبَل الجندي الإسرائيلي لم يكن تصرفاً فردياً أو بعيداً عن أعين القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، بل كان التصرف المركزي والموجَّه من الأعلى في سياسة منهجية يقودها قادة إسرائيل، وكان على رأس هذه القائمة من القادة زعيم الحركة الصهيونية دافيد بن غوريون، والذي بدأت مناقشة ذلك في منزله الخاص في العام 1947 وحتى إعلان الدولة ــ كل الخطط التي يجب تنفيذها، والتي تتضمَّن ارتكاب العديد من الجرائم والمجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني وممتلكاته، والتي ما كانت لتتم إلا بضوء أخضر منه ومن هيئته الاستشارية.


تجدر الإشارة إلى أن هذه الهيئة الاستشارية والتي شكّلها بن غوريون كانت الغاية منها هي التآمر والتخطيط لطرد الفلسطينين، من خلال المنظمات الصهيونية العسكرية التي تشكَّلَتْ وكانت نواة الجيش الإسرائيلي الذي تشكّل عام 1948، وقد اشتملت قائمة هؤلاء المستشارين على أعلى الضباط رتبةً في الجيش الإسرائيلي كموشيه ديان وإسحاق رابين.


في هذا السياق نفسِّر ذلك السلوك غير الأخلاقي تجاه الفلسطينين من قِبَل الجيش الإسرائيلي، فالجندي الإسرائيلي لا يشعر بتأنيب الضمير إزاء مئات الآلاف من الفلسطينين المطرودين والمهجّرين والمقتولين، لأنه تربّى على أنَّ ما ينفّذه هو هدف عسكريّ سيؤدي إلى قيام الدولة اليهودية، والقتل والتهجير وهدم البيوت وتفريغ السكان سيحافظ على حدود تلك الدولة، وهو بذلك يُبقيها نقيةً طاهرةً، وفي النهاية يظهر هو بمظهر البطل، وسوف يُكافأ ويستحق وساماً جديداً حتى ولو كان ملطخاً بدماء الأبرياء.


شعر الجيش الإسرائيلي بعد العام 1967 بنشوة الانتصار، التي بدورها عمَّقَتْ لديه الروح الحربية، فأصبح العنف بكل صوره لدى الجنود روتيناً ملازماً لهم، وبموجب هذه الروح يسلك الآن كافة جنود الجيش الإسرائيلي بقيادييه ووحداته وفرقه تنفيذ مهامّه العسكرية في الميدان، فظهرت هذه الروح الحربية العدوانية لتمثّل هذا السلوك للجندي الإسرائيلي، عندما انطلقت انتفاضة الحجارة في (9 كانون الأول - ديسمبر 1987) حيث كان من بين الأوامر التي أصدرها إسحاق رابين لجنود الجيش الإسرائيلية "تسديد الضربات نحوهم" و"تكسير عظامهم"، وقد تم تسجيل 43355 حالة إصابة، منها إطلاق أعيرة نارية مطاطية تجاه سكان القرى والمدن والمخيمات في النصف الأول من السنة الأولى للانتفاضة. نُفِّذَتْ أيضاً أربعون ألف حالة اعتقال، ونُفِيَ سبعون قيادياً، بالإضافة إلى تنفيذ الأحكام الإدارية لرؤساء البلديات والمجالس المحلية دون تقديم لوائح اتهام ضدهم.


استعمل جيش الاحتلال الإسرائيلي إرهاباً منظماً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك من خلال قيام وحدات خاصة تابعة للجيش -لا المستعربين- باقتحام القرى وإخراج السكّان منها وقتلهم، وقد كانت هذه الوحدات تصطاد ضحاياها دون محاولة منها لتوقيفهم، وبموجب تقارير حقوق الإنسان؛ قتل المستعربون أكثر من 110 فلسطينيين منذ بداية الانتفاضة الأولى وحتى تشرين الثاني من عام 1992.


استمرت هذه العدوانية وعدم ضبط النفس لدى الجيش الإسرائيلي عندما أقدم في العام 1996 على قصف أكثر من 300 قرية ومدينة في الجنوب اللبناني، في معركة حملت اسم (عناقيد الغضب). حيث قام هذا الجيش بتهجير 400 ألف مواطن هربوا إلى الشمال نحو بيروت، وقتل أكثر من 200 مدني، ودمّر أكثر من 200 منزل، هذا كله بالإضافة لقيام جنود الجيش الإسرائيلي في (18 نيسان) من العام نفسه بقصف قرية قانا، فقتل 104 مواطنين بينهم 19 طفلاً وطفلة.


يبدو أن ارتماء المجتمع الإسرائيلي بعد ذلك في أحضان شارون من بداية انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000 كان يؤشّر على استمرار التمسك بنهج العنصرية والقمع والوحشية لتنفيذ المشروع الذي تتوهّم من خلاله القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل أن تستعيد عناصر الاستقرار والأمان لليهودي، أما الجوهر الأبعد والأساسي لهذا المشروع الذي كان يحمل اسم شارون؛ فهو المخطط الساتر العامل على تصفية القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني قتلاً واقتلاعاً وترحيلاً، وقد طَبَقَّت هذه السياسة الإجرامية ونفّذتها الأذرع العسكرية للجيش الإسرائيلي عندما استهدفت الطفل محمد الدرة على مرأى ومسمع من العالم، وعندما قامت مرةً أخرى بقتل الرضيعة إيمان حجّو في انتفاضة الأقصى.


رغم ما نسمع به الآن في وسائل الإعلام من معارضة الأحزاب الإسرائيلية لبعضها، في تشكيل الكنيست، أو أنّ هناك انتخابات جديدة أو الاستمرار على الوضع الحالي، فثمة موقف واحد أساسي يُجْمِع عليه كل الصهاينة من اليمين واليسار، وهو تصفية الشعب الفلسطيني بدون استثناء، وهو ما يؤكد مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة التي لم تسلم من رصاص الجيش الإسرائيلي. شيرين التي قُتِلَتْ بنفس السلاح الذي يدّعون طهارته! لقد تلوّث هذا السلاح بدماء الشعب الفلسطني منذ العام 1948 وحتى يومنا هذا.


ننوِّه هنا عزيزي القارئ الى أنه، وفي أثناء كتابة هذا المقال، أقدم جنود الاحتلال الإسرائيلي عند مدخل مخيم العروب شمال مدينة الخليل على إعدام الشابة الصحفيّة غفران وراسنه (31 عاماً) بدمٍ باردٍ ليسجّل هذا الجيش جريمة جديدة لقائمة جرائمه ضد الإنسانية.


إن هذه الجرائم والمجازر والاغتيالات التي قام –ويقوم- بها الجيش الإسرائيلي لهي دليلٌ على نفي مفهوم أخلاقياته العسكرية وطهارة سلاحه. الأمر الذي يتطلّب وضع آليات واشتقاق الوسائل المهنية والقانونية والإعلامية لفضح وتعرية هذا الجيش الذي يتغنَّى بأخلاقيّاته العسكرية وطهارة سلاحه، فكثيرةٌ هي الممارسات العدوانية التي ارتُكِبَتْ بحق أبناء الشعب الفلسطيني من قتلٍ وهدمٍ للبيوت ومصادرة الأراضي، وتوسيع الاستيطان، بيد هذا الجيش الذي آن أوان أن يُقَدَّم ضباطه وجنوده لمحاكمات دولية على هذا الجرائم، فهي جرائم حرب ضد الإنسان تستدعي اعتبار هذا الجيش جيشاً إرهابياً متطرفاً، وما جيشهم سوى هرطقات ودعايات لوهم تعيشه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وأذرعها الأمنية.

شارك برأيك على الجيش الإسرائيلي ووهم الأخلاق العسكرية وكذبة طهارة سلاحهم

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الجمعة

22- 33

السّبت

21- 33

الأحد

21- 33
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.25 بيع 3.24
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.59 بيع 4.57
  • يورو / شيكل شراء 3.31 بيع 3.3

الخميس 18 أغسطس 2022 8:20 صباحًا

الأكثر قراءة

تصويت

هل تعتقد أن المقاومة حققت انجازات جديدة بعد الجولة الأخيرة ضد الاحتلال؟

57

42

(مجموع المصوتين 171)

الأكثر تعليقاً