عاد اسم 'هاكر عسقلان' ليتصدر العناوين من جديد، عقب مثول الإسرائيلي الأمريكي مايكل كادار أمام القضاء في الولايات المتحدة. وجاء هذا التحور بعد أن قامت السلطات النرويجية بتسليمه إثر رفض طلب اللجوء الذي تقدم به، لتبدأ مرحلة جديدة من المحاسبة القانونية على سلسلة من الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود.
وتعود تفاصيل القضية إلى سنوات مضت، حين تسبب كادار في حالة استنفار أمني واسعة النطاق في عدة دول، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد اتهمته السلطات بتنفيذ مئات البلاغات الهاتفية الكاذبة التي ادعى فيها وجود متفجرات وعمليات احتجاز رهائن في منشآت حيوية وحساسة.
مايكل كادار، الشاب البالغ من العمر 27 عاماً، بدأ نشاطه الإجرامي في عام 2016 من مدينة عسقلان، حيث استهدف مدارس يهودية ومراكز مجتمعية ومطارات. وبحسب ملف التحقيق، فقد اعتمد على تقنيات متطورة لتغيير نبرة صوته وتشفير هويته الرقمية لضمان عدم تعقبه من قبل الأجهزة الأمنية.
ولم تقتصر آثار هذه البلاغات على الذعر النفسي فحسب، بل أدت إلى خسائر مادية فادحة نتيجة عمليات الإخلاء الواسعة للمدارس والمراكز التجارية. وفي بعض الحالات، اضطرت رحلات جوية للهبوط الاضطراري، بينما استنفرت طائرات مقاتلة للتعامل مع تهديدات تبين لاحقاً أنها مجرد أوهام صنعها المتهم.
وتشير الوثائق القضائية إلى أن كادار كان يذهب إلى أبعد من مجرد التهديد بوجود قنابل، حيث كان يدعي أحياناً أنه يحتجز أطفالاً وينوي إعدامهم. هذه السلوكيات دفعت المحققين لوصف أفعاله بأنها تجاوزت حدود 'المزاح' لتصبح جرائم جنائية تهدد الأمن القومي لعدة دول.
المثير للجدل في مسيرة 'هاكر عسقلان' هو تحويله لهذه الأفعال إلى تجارة غير قانونية عبر الإنترنت المظلم. فقد عرض خدماته لتنفيذ تهديدات كاذبة ضد مؤسسات تعليمية مقابل مبلغ زهيد لا يتجاوز 30 دولاراً، مع إمكانية تلفيق التهم لأشخاص آخرين مقابل رسوم إضافية.
وخلال الأشهر التي سبقت اعتقاله، نفذ كادار أكثر من ألفي بلاغ كاذب، مما ساهم في تغذية سردية إعلامية حول تصاعد موجة 'معاداة السامية' في الغرب. وتبين لاحقاً أن المسؤول عن جزء كبير من هذه الموجة هو مواطن إسرائيلي كان ينفذ عمليات من داخل منزله في عسقلان.
كان كادار يستخدم برامج لتغيير صوته وإخفاء هويته، ثم يجري اتصالات هاتفية يبلغ خلالها كذبًا عن وجود قنابل أو إرهابيين.
في عام 2017، نجحت السلطات الإسرائيلية في إلقاء القبض عليه، حيث ضبطت بحوزته أجهزة تحتوي على قوائم بالأهداف وتسجيلات لمكالماته التهديدية. واعترف كادار خلال التحقيقات بجرائمه، مدعياً أنه كان يسعى للتسلية وكسر روتين الملل الذي يعيشه، دون اكتراث بالعواقب.
أمضى كادار سبع سنوات داخل السجون الإسرائيلية، وهي عقوبة اعتبرها البعض مخففة نظراً لارتكابه جزءاً من هذه الجرائم وهو قاصر. ومع ذلك، لم تنتهِ ملاحقته دولياً، إذ ظلت وزارة العدل الأمريكية تطالب بتسليمه لمحاكمته على الجرائم التي استهدفت الأراضي الأمريكية.
بعد إطلاق سراحه من السجن الإسرائيلي، توجه كادار إلى النرويج في محاولة للحصول على لجوء سياسي، لكن محاولته باءت بالفشل. فقد استجابت أوسلو لمذكرة التوقيف الأمريكية، مما أدى إلى نقله مكبلاً إلى ولاية فلوريدا لمواجهة لائحة اتهامات طويلة.
يواجه المتهم حالياً في محكمة فيدرالية بفلوريدا اتهامات تتعلق بـ 245 بلاغاً كاذباً على الأقل، وهي تهم قد تزج به خلف القضبان لمدة تصل إلى 35 عاماً. ولا تقتصر الملاحقة على فلوريدا، بل تمتد لتشمل قضايا في جورجيا وواشنطن العاصمة تتعلق بتهديدات استهدفت سفارات ومنشآت حكومية.
أثارت القضية تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر مراقبون أن محاكمة كادار في أمريكا تكشف زيف بعض الروايات السياسية. وأشار مغردون إلى أن استخدام 'بروباغندا الخوف' وتوظيف تهمة معاداة السامية تم استغلاله بشكل ممنهج قبل انكشاف هوية الفاعل الحقيقي.
ويرى محللون أن إصرار القضاء الأمريكي على محاكمة كادار يعكس فشل المحاولات السابقة لتصويره كشخص يعاني من اضطرابات عقلية أو أورام دماغية للتهرب من المسؤولية. وتعتبر هذه المحاكمة رسالة واضحة ضد الجرائم السيبرانية التي تستهدف السلم الأهلي وتثير الذعر العام.
ختاماً، يفتح مثول 'هاكر عسقلان' أمام العدالة الأمريكية الباب مجدداً للتساؤل حول كيفية حماية المجتمعات من 'الأزمات الوهمية'. وتظل قضية كادار نموذجاً صارخاً لكيفية استخدام التكنولوجيا في تضليل الرأي العام العالمي وصناعة أزمات أمنية من خلف الشاشات.





شارك برأيك
من النرويج إلى فلوريدا.. 'هاكر عسقلان' يمثل أمام القضاء الأمريكي في قضية البلاغات الكاذبة