أتم قطاع غزة يومه الألف تحت وطأة حرب إبادة شاملة لم تذر شجراً ولا حجراً، حيث صمتت مآذن المساجد وتوقفت أجراس الكنائس عن الرنين بعد أن استحالت معالم دينية وتاريخية عريقة إلى كومة من الركام. وتكشف الإحصائيات الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في القطاع عن حجم الكارثة، إذ دمرت آلة الحرب الإسرائيلية 1050 مسجداً بشكل كلي، فيما طالت الأضرار الجزئية 191 مسجداً آخر من أصل 1275 كانت عامرة بالمصلين قبل بدء العدوان.
ورغم الحديث عن اتفاقات لوقف إطلاق النار، إلا أن الممارسات على الأرض تشير إلى استمرار الخروقات والاعتداءات الممنهجة التي تستهدف الهوية الثقافية والدينية للفلسطينيين. وتأتي هذه الهجمات في إطار تدمير شامل طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، مما جعل ممارسة الشعائر الدينية تحدياً يومياً يواجهه السكان فوق أنقاض دور العبادة التي ارتبطت بذاكرتهم الجماعية لقرون طويلة.
يبرز المسجد العمري الكبير كأحد أشد الخسائر إيلاماً، وهو الذي يُعد أعرق مساجد مدينة غزة بمساحة إجمالية تتجاوز 5 آلاف متر مربع. هذا المعلم الذي تحول عبر العصور من معبد قديم إلى كنيسة بيزنطية ثم إلى مسجد إسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، واجه أشرس هجمة عسكرية أدت إلى تدمير أجزاء واسعة من أعمدته الـ38 وفنائه التاريخي.
ولم يسلم مسجد السيد هاشم في حي الدرج من القصف، وهو الموقع الذي يحمل رمزية خاصة كونه يضم ضريح هاشم بن عبد مناف، جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم. هذا المسجد الذي منح غزة لقبها الشهير 'غزة هاشم'، تعرض لأضرار جسيمة جراء الغارات الجوية، مما أدى إلى طمس معالم معمارية كانت شاهدة على ارتباط المدينة بجذورها العربية والإسلامية المبكرة.
وفي حي الشجاعية، طال الدمار جامع المحكمة المعروف بـ 'الجامع البردبكية'، والذي كان يُستخدم مقراً للمحكمة الشرعية خلال العصر العثماني. هذا المسجد الذي تبلغ مساحته 546 متراً مربعاً، كان يمثل نموذجاً فريداً للعمارة التي تتوسطها الساحات المكشوفة، إلا أن القذائف الإسرائيلية حولت مرافقه وغرفه التاريخية إلى أثر بعد عين.
كما استهدف الاحتلال مسجد 'كاتب ولاية' الأثري الذي يعود تاريخ بنائه إلى عهد السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون في القرن الرابع عشر. ويتميز هذا المسجد بمجاورته التاريخية لكنيسة القديس برفيريوس، حيث يشتركان في جدار واحد، في رسالة صمود وتآخٍ دمرتها المدفعية الإسرائيلية التي لم تفرق بين مئذنة وقبة صليب.
مسجد ابن عثمان، ثاني أكبر المساجد الأثرية في غزة، سقط هو الآخر ضحية للقصف في حي الشجاعية، وهو الذي شُيد على يد أحمد بن عثمان النابلسي. المسجد الذي يمتد على مساحة ألفي متر مربع ويضم ضريح الأمير سيف الدين يلخجا، كان يُعد درة العمارة المملوكية بزخارفه وعناصره الفنية التي لم تشفع له أمام آلة القتل والدمار.
تدمير المسجد العمري فاجعة كبرى لنا؛ فهو ليس مجرد بناء، بل جزء أصيل من هوية غزة وتاريخ فلسطين الضارب في القدم.
وفي حي التفاح، تعرض مسجد علي بن مروان الذي يعود تاريخه لعام 1371 ميلادية لدمار واسع، وهو المسجد الذي يضم ضريح الرجل الصالح علي بن مروان. ورغم مكانته الروحية العالية لدى أهالي الحي، إلا أن القصف حول القبة التاريخية والضريح إلى حطام، لينضم إلى قائمة طويلة من المساجد التاريخية مثل مسجد الظفر دمري ومسجد الست رقية.
ولم تقتصر الحرب على المساجد، بل امتدت لتطال الوجود المسيحي التاريخي في القطاع، حيث تعرضت كنيسة القديس برفيريوس، إحدى أقدم كنائس العالم، لقصف مباشر. الكنيسة التي يعود تأسيسها للقرن الخامس الميلادي في حي الزيتون، شهدت استهداف مجمعها في أكتوبر 2023، مما أدى إلى وقوع ضحايا بين النازحين الذين احتموا بقدسية المكان.
كنيسة العائلة المقدسة للاتين لم تكن أوفر حظاً، إذ تعرضت لسلسلة من الغارات التي أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى من أبناء الرعية المسيحية. هذه الكنيسة التي بدأ التخطيط لبنائها منذ القرن التاسع عشر واكتملت في الستينيات، كانت تمثل ملاذاً روحياً واجتماعياً للكاثوليك في غزة، قبل أن تصبح هدفاً عسكرياً ضمن خطة التهجير والتدمير.
وارتبط اسم الكنيسة المعمدانية بواحدة من أبشع المجازر في التاريخ الحديث، حين استهدف الاحتلال ساحة المستشفى الأهلي المعمداني التابع لها. تلك الغارة التي وقعت في 17 أكتوبر 2023، خلفت نحو 500 شهيد في لحظة واحدة، لتتحول الكنيسة التي تأسست عام 1882 إلى شاهد على إبادة جماعية لم تستثنِ المؤسسات الصحية أو الدينية.
وفي جنوب القطاع، دمرت الغارات مسجد خان يونس الكبير، وهو أضخم مساجد المدينة بمساحة تصل إلى 3300 متر مربع. المسجد الذي شهد توسعات تاريخية منذ بنائه عام 1928، كان يمثل المركز الروحي لجنوب غزة، إلا أن استهدافه أدى إلى تدمير صحنه الواسع ومئذنته التي كانت تعانق سماء المدينة لسبعة عقود.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن استهداف دور العبادة لم يكن عشوائياً، بل جاء ضمن سياسة ممنهجة لمحو الذاكرة البصرية والتاريخية لقطاع غزة. فالمساجد الأثرية مثل 'الشيخ عثمان قشقار' الذي صمد منذ عام 1223 ميلادية، سقطت اليوم أمام تكنولوجيا القتل الحديثة، مما يعكس رغبة في قطع صلة الفلسطيني بأرضه وتراثه الحضاري.
ختاماً، فإن حصيلة الألف يوم من العدوان تجاوزت مجرد أرقام في أعداد الشهداء والجرحى، لتصل إلى محاولة اقتلاع الجذور الثقافية لشعب بأكمله. ومع استشهاد أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة 173 ألفاً، يبقى صمود المصلين على أنقاض المساجد المدمرة رسالة تحدٍ واضحة بأن الإيمان بالحق لا يمكن أن تسحقه جنازير الدبابات أو صواريخ الطائرات.





شارك برأيك
1000 يوم من العدوان.. الاحتلال يغيب مآذن غزة وأجراس كنائسها تحت الركام