بقلم: إياد عودة الله
لم يعلم ذلك الفتى الانغولي وامثاله الذي اصطاده الاوروبيون من غابات افريقيا وسواحلها ونقلوه عبر السفن الى الامريكيتين ابان حقبة الاستعمار، فيما عرف لاحقا بتجارة العبيد، ان احفاده واحفاد امثاله الذين بقوا في بلدانهم، سيتصدرون بعد عدة قرون المشهد الرياضي العالمي، وسيصبحون نجوما يحتفي بهم العالم، في مشهد زائف ، يبدو مفرحا لهم من جهة، ومبكيا لحال بلدانهم الاصلية التي خرج منها اجدادهم قسرا، او غادرها ابناؤها لاحقا طوعا بحثا عن حياة افضل.
وتلخص هذا المشهد في لقاء فرنسا والسنغال في افتتاح مباريات الفريقين في كاس العالم، والذي بدا اقرب الى مباراة في كاس الامم الافريقية، بعدما طغت البشرة السوداء على صفوف المنتخبين، وبينما كانت السنغال تمثل دولة افريقية، كان المنتخب الفرنسي يضم عددا كبيرا من اللاعبين المنحدرين من اصول افريقية، وسط تصريحات متكررة من اليمين الفرنسي الذي يرى ان منتخب بلاده لم يعد يمثل فرنسا التقليدية، بل وصل الامر ببعضهم الى الدعوة لتحديد اعداد اللاعبين ذوي الاصول الافريقية في المنتخب.
في الحقيقة، الدول الاوروبية الاستعمارية ارتكبت خلال القرون الماضية مذابح واسعة وعمليات استعباد واستغلال في افريقيا والامريكيتين، وجمعت ثروات هائلة من تلك الحقبة وما زالت، بينما دفعت شعوبا كاملة الى الفقر والتخلف والتهجير. وكانت النتيجة ان هاجر ملايين الافارقة وابناء المستعمرات السابقة الى دول المستعمر القديم، بحثا عن الامن والفرص التي فقدوها في اوطانهم.
وفي كرة القدم، يحتاج النجاح الى انضباط يومي وتدريب شاق والتزام طويل، وهي مهنة تمنح فرصة للصعود الاجتماعي والخروج من الفقر.
ولذلك نجد ان كثيرا من ابناء البيئات الفقيرة والمهاجرين يبذلون جهدا مضاعفا للوصول الى القمة، لان النجاح الرياضي قد يكون الطريق الاكثر واقعية لتغيير حياتهم وحياة عائلاتهم ، بينما ذوو العرق الابيض المنغمسون في حياة اللهو ليسوا بحاجة لبذل هذا المجهود ليعيشوا في بلدانهم، فوضعهم المعيشي الجيد لا يقارن بهم ، وهذا ما يفسر طغيان العرق الاسود في ملاعب الكرة الاوروبية والامريكية .
فالرياضة هنا وكاس العالم في ظاهرهما، احتفال عالمي بالموهبة. لكن في عمقهما تكشفان عن ظلم تاريخي، ودليل على جشاعة الحضارة الغربية واحتضارها بافتقادها للشباب واعتمادها على المهاجرين، وثمة اسباب ديموغرافية وجيوسياسية معقدة امتدت لقرون لتظهر بوضوح ان القارة الافريقية التي هي اغنى القارات مواردا وثروات ، هي اكثر قارة تعرضت للقهر على مدار التاريخ ، حتى باتت هناك مقولة شهيرة : “كرجل اسود، تبدا الحياة وكانك متاخر او خاسر 1-0.





شارك برأيك
من السفن الى منصات التتويج … كأس العالم ام كأس افريقيا؟