فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 7:54 مساءً - بتوقيت القدس

فجوة متسعة.. كيف تضلل وسائل الإعلام الأمريكية حقيقة الانقسام الديمقراطي تجاه إسرائيل؟

سلطت تقارير صحفية الضوء على حالة من التضليل المتعمد في وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، التي تحاول تصوير التراجع الحاد في مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة كنوع من 'التوتر العابر' بين الناخبين الديمقراطيين. وأشارت المصادر إلى أن عناوين صحف مثل 'نيويورك تايمز' و'واشنطن بوست' تتجنب تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، واصفةً الرفض الشعبي الواسع للسياسات الإسرائيلية بأنه مجرد 'انقسامات حزبية' بدلاً من الاعتراف بوجود شرخ عميق بين القواعد الشعبية وقيادة الحزب.

وتؤكد المعطيات أن مصطلحات مثل 'التوترات' و'القضايا الخلافية' التي تستخدمها الوكالات الدولية لا تستند إلى أي أساس في استطلاعات الرأي الحديثة. فالحقيقة التي تتجاهلها غرف الأخبار في واشنطن هي أن الأغلبية الساحقة من الناخبين الديمقراطيين قد حسموا موقفهم ضد الممارسات الإسرائيلية، مما يجعل 'الانقسام' المزعوم محصوراً فقط بين تطلعات الشارع وبين النخبة السياسية المتمسكة بالتحالف التقليدي.

وبالنظر إلى الأرقام الصادمة، أظهر استطلاع أجري في أغسطس 2025 أن 77% من الديمقراطيين يعتقدون صراحة أن إسرائيل ترتكب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة من ينفون هذه التهمة 11% فقط، مما يشير إلى تحول جذري في الوعي السياسي الأمريكي تجاه الصراع، وتجاوز الرواية الرسمية التي تحاول القيادة السياسية تسويقها.

ولم يتوقف الأمر عند التوصيف القانوني للأحداث، بل امتد ليشمل الدعم المادي والعسكري، حيث كشف استطلاع لجامعة سيينا في مايو 2026 عن معارضة 74% من الديمقراطيين لتقديم أي مساعدات إضافية لإسرائيل. هذه النسبة تعكس رغبة شعبية عارمة في فك الارتباط العسكري مع الاحتلال، وهو ما يتناقض كلياً مع سياسات البيت الأبيض والكونغرس التي تواصل تدفق السلاح.

علاوة على ذلك، يرى نحو 67% من المنتمين للحزب الديمقراطي أن العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل باتت تضر بالمصالح القومية للولايات المتحدة أكثر مما تنفعها. هذا التحول في تقييم 'المنفعة الوطنية' يمثل ضربة قوية لأسس التحالف التاريخي، حيث لم يعد يُنظر إلى إسرائيل كذخر استراتيجي بل كعبء سياسي وأخلاقي يثقل كاهل الدولة الأمريكية.

وتشير البيانات إلى تراجع حاد في النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل، حيث انخفضت من 34% في عام 2023 إلى 13% فقط في منتصف عام 2026. والمثير للاهتمام أن هذه النسبة المتدنية تجعل من تأييد إسرائيل رأياً هامشياً داخل الحزب، تماماً مثل الآراء اليمينية المتطرفة المتعلقة بحظر الإجهاض أو منع التطعيمات الإلزامية في المدارس.

وعلى الرغم من هذا الرفض الشعبي، لا تزال وسائل الإعلام تتعامل مع دعم إسرائيل كقيمة ليبرالية سائدة، بينما تثبت الأرقام أنه أصبح موقفاً يمينياً بامتياز لا يحظى بدعم الأغلبية. هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب استمرار الرواية المضللة في الإعلام الأمريكي، والتي تهدف غالباً لحماية مصالح النخبة الحاكمة والمانحين الكبار.

وفي سياق متصل، يبرز دور المال السياسي بشكل فج، حيث ضخت لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها 'أيباك'، عشرات الملايين من الدولارات للتأثير في الانتخابات التمهيدية. وقد وصلت ميزانيات هذه اللجان إلى نحو 100 مليون دولار لعام 2026، في محاولة مستميتة لإقصاء الأصوات التقدمية التي تعبر عن نبض الشارع الرافض للاحتلال.

ويعد قادة الحزب، مثل حكيم جيفريز وتشاك شومر، من أكثر الشخصيات تلقياً للأموال من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، مما يفسر الفجوة الهائلة بين تصريحاتهم وإرادة ناخبيهم. فبينما يشارك هؤلاء القادة في مسيرات داعمة لإسرائيل، تظهر استطلاعات الرأي أن قواعدهم الانتخابية تتعاطف مع الفلسطينيين بنسبة تفوق التعاطف مع الإسرائيليين بأربعة أضعاف.

ولا يقتصر هذا التحول على الديمقراطيين بصفة عامة، بل يمتد ليشمل الشباب اليهود الأمريكيين الذين بدأوا يتخلون عن ارتباطهم العاطفي بإسرائيل بشكل مطرد. فقد أظهرت البيانات أن ثلثي الشباب اليهود تحت سن 35 عاماً لا يشعرون بالانتماء لإسرائيل، بل إن نصفهم يتفق مع الرأي القائل بأنها تمارس إبادة جماعية في غزة.

المصالح الاقتصادية للمجمع الصناعي العسكري تلعب أيضاً دوراً محورياً في استمرار هذا الدعم، حيث أن 75% من المساعدات العسكرية الممنوحة لإسرائيل تعود مباشرة لشركات الأسلحة الأمريكية. هذا التدوير المالي يخلق جيشاً من جماعات الضغط التي تروج لاستمرار العنف الإسرائيلي لضمان تدفق الأرباح، بغض النظر عن التكلفة الإنسانية أو الرفض الشعبي.

وفيما يتعلق بالعدوان على لبنان، حاولت مصادر إعلامية تصوير مشروع قانون لتقييد الدعم العسكري لإسرائيل بأنه 'مثير للجدل' ويسبب انقساماً داخل الحزب. لكن الحقيقة هي أن 62% من الديمقراطيين يؤيدون اتخاذ خطوات فعلية للضغط على إسرائيل لوقف قصفها والانسحاب من الأراضي اللبنانية، مما يجعل مشروع القانون معبراً عن الأغلبية لا الأقلية.

إن محاولات تصوير الخلاف كأنه 'صراع داخلي' بين الناخبين هي محاولة للهروب من استحقاق ديمقراطي يتمثل في تمثيل إرادة الشعب. فبينما يرى 77% من الناخبين أن هناك إبادة جماعية، لا يجرؤ سوى 8.5% من الديمقراطيين في الكونغرس على قول ذلك علانية، خوفاً من سطوة المانحين واللوبيات المنظمة.

ختاماً، ستبقى وسائل الإعلام الأمريكية تشير بشكل مبهم إلى 'الانقسام' طالما أنها ترفض تسمية الطرف المعطل لإرادة الشعب، وهو قيادة الحزب المرتبطة بمصالح المجمع العسكري. إن القضية الفلسطينية، بالنسبة للناخب الديمقراطي، أصبحت قضية محسومة أخلاقياً وسياسياً، تماماً مثل قضايا التغير المناخي والحقوق المدنية، بانتظار قيادة سياسية تملك الشجاعة لتمثيل هذا التحول.

دلالات

شارك برأيك

فجوة متسعة.. كيف تضلل وسائل الإعلام الأمريكية حقيقة الانقسام الديمقراطي تجاه إسرائيل؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.