أعطت السلطات الجزائرية، الخميس، إشارة البدء الرسمية لتنفيذ الشطر الجديد من مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، وهو المشروع الاستراتيجي الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا وصولاً إلى القارة الأوروبية. وجرت مراسم التدشين في منطقة أولف التابعة لولاية أدرار بالجنوب الغربي الجزائري، بحضور رفيع المستوى شمل وزراء الطاقة من الدول الثلاث المعنية بالمشروع.
وشهدت الفعالية حضور وزير الدولة وزير المحروقات الجزائري محمد عرقاب، ونظيره النيجيري المكلف بالغاز أكبيريكبي إيكبو، بالإضافة إلى وزير البترول في النيجر حمادو تيني. كما شارك في المراسم الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك، نور الدين داودي، حيث تم الإشراف على أولى عمليات تلحيم الأنابيب الضخمة التي يبلغ قطرها 48 بوصة، إيذاناً بانطلاق العمل الميداني.
ويمتد الشطر الجزائري الجديد الذي شرع في إنجازه على مسافة تصل إلى 1210 كيلومترات، حيث يبدأ من الحدود المشتركة مع دولة النيجر وصولاً إلى منطقة أولف. ومن المقرر أن يتم ربط هذا الخط بالشبكة الوطنية لنقل الغاز التي تنتهي عند حقل حاسي الرمل، الذي يصنف كأكبر حقل غاز في القارة الإفريقية ومنطلقاً لخطوط التصدير الدولية.
ويعتبر خط الغاز العابر للصحراء (TSGP) من أضخم مشاريع البنية التحتية الطاقوية في إفريقيا، إذ يبلغ طوله الإجمالي نحو 4327 كيلومتراً. يبدأ المسار من مدينة واري في نيجيريا، ثم يعبر أراضي النيجر، وصولاً إلى مراكز التجميع والضخ في الجزائر، مما يجعله شرياناً حيوياً للأمن الطاقوي الإقليمي والدولي.
وتتوزع مسافات المشروع بين الدول الثلاث، حيث يغطي 1185 كيلومتراً داخل الأراضي النيجيرية، و720 كيلومتراً في النيجر، بينما تبلغ الحصة الأكبر للجزائر بمسافة إجمالية تصل إلى 2424 كيلومتراً. وأوضحت مصادر فنية أن الجزء المتبقي من المسار الجزائري يتكون من خطوط أنابيب قائمة بالفعل وتعمل حالياً على نقل الإنتاج المحلي نحو الشمال.
وأكد وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب أن هذا الخط سيوفر قدرة نقل تتجاوز 20 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي المتجه إلى الأسواق الأوروبية. وأشار إلى أن المشروع يترجم رؤية القيادة السياسية في تعزيز التعاون جنوب-جنوب وتطوير الشراكات الإفريقية المتينة في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
من جانبه، وصف وزير البترول في النيجر، حمادو تيني، هذا اليوم بالتاريخي بالنسبة لدول المنطقة، معلناً أن بلاده ستشرع في تنفيذ الجزء الخاص بها مطلع عام 2027. وأضاف أن المشروع سيحدث تحولاً جذرياً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمناطق التي يمر عبرها، مما يساهم في استقرار وتنمية دول الساحل.
هذا المشروع يعد رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومصدراً لخلق الثروة وفرص العمل، فضلاً عن دوره في تعزيز التكامل الطاقوي الإفريقي.
وتسعى الجزائر من خلال هذا الاستثمار إلى تعزيز مكانتها كمورد موثوق للطاقة إلى أوروبا، مستغلة بنيتها التحتية المتطورة وشبكة أنابيبها العابرة للبحر المتوسط. وسينتهي مسار الغاز النيجيري في مرافئ التصدير الجزائرية الواقعة في بني صاف غرباً والقالة شرقاً، مما يتيح مرونة عالية في عمليات الشحن والتوريد.
وتشير الوثائق التقنية للمشروع إلى أن الربط بحقل حاسي الرمل سيتيح دمج الغاز النيجيري مع الإنتاج الجزائري، مما يرفع من كفاءة الإمدادات الموجهة للشريك الأوروبي. ويعكس هذا التوجه رغبة الدول الإفريقية في تعظيم الاستفادة من مواردها الطبيعية عبر خلق ممرات آمنة ومستدامة للطاقة بعيداً عن الاضطرابات الجيوسياسية.
وفي سياق متصل، أكد مسؤولون في مجمع سوناطراك أن الشركة تمتلك الخبرة الفنية والقدرات الهندسية اللازمة لإتمام هذا الشطر ضمن الجداول الزمنية المحددة. وتعتمد الجزائر في تنفيذ المشروع على سواعد وطنية وشركات محلية متخصصة في مد الأنابيب الكبرى، مما يقلل من تكاليف الإنجاز ويدعم المحتوى المحلي.
ويأتي هذا التحرك في وقت تزايد فيه الطلب العالمي على الغاز الطبيعي كوقود انتقالي نظيف، مما يجعل من أنبوب الغاز العابر للصحراء منافساً قوياً في خارطة الطاقة العالمية. ويرى مراقبون أن انطلاق الأشغال في الشطر الجزائري يبعث برسالة طمأنة للشركاء الدوليين والممولين حول جدية المشروع وقدرته على التحقق ميدانياً.
وعلى الصعيد الاجتماعي، من المتوقع أن يوفر المشروع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة خلال فترة الإنجاز والتشغيل، خاصة في مناطق الجنوب الجزائري والنيجر. كما سيسمح الخط بتزويد التجمعات السكانية الواقعة على مساره بالغاز الطبيعي، مما يساهم في تحسين ظروف المعيشة ودعم الصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة.
وتواجه الدول الثلاث تحديات أمنية وتقنية في مسار الأنبوب، إلا أن التنسيق العسكري والأمني المشترك يهدف إلى حماية المنشآت الحيوية وضمان استمرارية العمل. وتؤكد التصريحات الرسمية أن هناك إرادة سياسية قوية لتجاوز كافة العقبات التي أخرت المشروع في سنوات سابقة، مع التركيز على الجدوى الاقتصادية الطويلة الأمد.
ختاماً، يمثل تدشين هذا الشطر خطوة عملية نحو تجسيد حلم إفريقي قديم يربط خليج غينيا بالبحر الأبيض المتوسط، ويضع القارة السمراء في موقع قوة ضمن معادلات الطاقة الدولية. ومع اكتمال الأشغال، ستصبح الجزائر والنيجر ونيجيريا محوراً رئيسياً في تزويد العالم بالطاقة، مما يعزز من ثقلها السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية.





شارك برأيك
الجزائر تطلق أشغال الشطر الجديد من أنبوب الغاز العابر للصحراء لنقل إمدادات نيجيريا إلى أوروبا