كشفت تقارير صحفية دولية عن توجه جديد للإدارة الأمريكية يربط بشكل مباشر بين مسار التهدئة مع إيران وتوسيع دائرة التطبيع في المنطقة. وأفادت مصادر بأن الرئيس دونالد ترامب فاجأ حلفاءه بمطالبة دول عربية وإسلامية، من بينها السعودية وقطر وباكستان وتركيا، بضرورة الانضمام الفوري لاتفاقيات إبراهيم كشرط مكمل لأي اتفاق نووي مستقبلي مع طهران.
ويرى مراقبون أن هذا المقترح الأمريكي قوبل ببرود وتشكك كبيرين في عواصم دول الخليج، حيث يُنظر إليه كخطوة قد تزيد من حالة الاحتقان الإقليمي. وتخشى هذه الدول أن يؤدي الانخراط في تطبيع علني مع إسرائيل في هذا التوقيت إلى استعداء إيران، التي أثبتت قدرتها على توجيه ضربات صاروخية ومسيرة دقيقة طالت منشآت حيوية في المنطقة.
وفي مكالمة هاتفية جرت في الثالث والعشرين من أيار/ مايو الماضي، شدد ترامب أمام قادة السعودية وقطر وباكستان وتركيا على أن التوقيع على اتفاقيات السلام مع إسرائيل يعد واجباً لضمان استقرار المنطقة. واعتبر ترامب أن الدول التي ترفض هذه الخطوة قد تُتهم بسوء النية، مؤكداً أن هذا المسار هو أحد أبرز إنجازات سياسته الخارجية التي يسعى لاستكمالها.
وعلى الرغم من إعلان ترامب وقف إطلاق النار في نيسان/ أبريل الماضي، إلا أن المفاوضات مع طهران لا تزال تواجه عقبات تقنية وسياسية معقدة. وتشترط واشنطن منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وهي مطالب لم تحظَ بموافقة إيرانية نهائية حتى اللحظة، مما يجعل ربطها بملف التطبيع أمراً يزيد من تعقيد المشهد.
من جانبها، لا تزال المملكة العربية السعودية متمسكة بموقفها التقليدي الذي يربط أي خطوة تجاه إسرائيل بوجود مسار سياسي واضح يؤدي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ويرى المحللون أن الرياض غير مستعدة لتقديم تنازلات مجانية في هذا الملف، خاصة في ظل الغضب الشعبي العربي المتصاعد جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة.
أما دولة قطر، التي تلعب دور الوسيط الرئيسي بين إسرائيل وحماس، فقد أكدت بوضوح عدم نيتها الانضمام لاتفاقيات إبراهيم في المرحلة الراهنة. وصرحت مصادر قطرية بأن أي تواصل مع الجانب الإسرائيلي يهدف حصراً لخدمة القضية الفلسطينية وإنهاء الحرب، مشددة على أن الأولوية هي لتحقيق الاستقرار وحماية حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي الكويت، لا يزال الموقف الرسمي والشعبي ثابتاً على رفض أي شكل من أشكال التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، مع الالتزام الكامل بقوانين المقاطعة. ولم تستجب الجهات الرسمية الكويتية لطلبات التعليق على تصريحات ترامب الأخيرة، مما يعكس استمرار السياسة الكويتية التقليدية التي تعتبر التطبيع خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
أبلغ ترامب قادة المنطقة أن انضمامهم لاتفاقيات إبراهيم يجب أن يكون إلزامياً كجزء من الاتفاق النووي الإيراني الجاري التفاوض عليه.
ويقود المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر تحركات دبلوماسية مكثفة في المنطقة لإقناع القادة العرب بجدوى الانضمام للاتفاقيات. ويؤكد ترامب في اجتماعاته المغلقة أن هذه الدول 'مدينة' للولايات المتحدة باتخاذ هذه الخطوة، معتبراً أن دمج إسرائيل في النسيج الإقليمي سيعود بالنفع الاقتصادي والأمني على الجميع.
وتشير المصادر إلى أن المناخ الإقليمي الحالي يختلف تماماً عما كان عليه عقب حرب الخليج عام 1991، حين نجحت واشنطن في إطلاق مؤتمر مدريد للسلام. فاليوم، تعاني المنطقة من استقطاب حاد، وتنظر الشعوب العربية لإسرائيل كقوة زعزعة للاستقرار، مما يجعل أي تقارب سياسي مغامرة غير محسوبة العواقب للأنظمة الحاكمة.
ويحذر خبراء في شؤون الشرق الأوسط من أن الضغط الأمريكي قد يؤدي لنتائج عكسية، حيث تشعر دول الخليج بخيبة أمل من مستوى الحماية الأمنية التي توفرها واشنطن. وهناك شعور متنامٍ بأن الولايات المتحدة تبدي حماساً لحماية أمن إسرائيل يفوق بكثير اهتمامها بحماية حلفائها العرب من التهديدات الإقليمية المباشرة.
وعلى الصعيد الميداني، تسببت الهجمات المتبادلة بين إيران والقواعد الأمريكية في أضرار جسيمة طالت البنية التحتية المدنية في عدة دول خليجية. هذه التطورات جعلت من الصعب على القادة العرب تبرير أي تحالف أمني أو سياسي مع إسرائيل أمام شعوبهم التي تتابع يومياً حجم الدمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي مقابلة إعلامية حديثة، وصف ترامب المفاوضين الإيرانيين بأنهم 'بارعون'، مشيراً إلى أنه لا يشعر بالعجلة للتوصل لاتفاق لا يضمن كافة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. هذا التصريح يعكس رغبة ترامب في استخدام عامل الوقت للضغط على كافة الأطراف، سواء في طهران أو في العواصم العربية المترددة.
ويرى دبلوماسيون سابقون أن دول المنطقة باتت تعتاد على أسلوب ترامب في إدارة السياسة الخارجية عبر التصريحات المفاجئة والضغوط المباشرة. ومع ذلك، فإنهم يرجحون أن تتبع هذه الدول سياسة 'الانتظار والترقب' حتى تهدأ العواصف السياسية الحالية، متجنبة اتخاذ أي قرارات استراتيجية قد تؤدي لزعزعة استقرارها الداخلي.
ختاماً، يبقى ملف التطبيع معلقاً بين الرغبة الأمريكية في تحقيق اختراق دبلوماسي كبير والواقع الإقليمي المعقد الذي تفرضه الحرب والتحولات الجيوسياسية. وبينما يصر ترامب على ربط الملفات ببعضها، تظل القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني، العائق الأكبر أمام طموحات واشنطن في صياغة 'شرق أوسط جديد' وفق رؤيتها.





شارك برأيك
ضغوط أمريكية لربط الاتفاق الإيراني بتوسيع التطبيع: دول الخليج تتوجس من 'اتفاقيات إبراهيم'