تطرح القراءة التحليلية للمشهد المصري الراهن تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأزمة، وما إذا كانت مجرد عثرة عابرة أم حالة مستدامة من الانسداد. تشير المعطيات إلى أن تراكم السلبيات الاقتصادية والسياسية يعزز فرضية الاستمرارية، حيث لا تلوح في الأفق بوادر لتغيير حقيقي يكسر حدة التدهور المعيشي والاجتماعي.
على الصعيد الاقتصادي، تعاني البلاد من متلازمة القروض وفوائد الديون التي سجلت أرقاماً قياسية بلغت تريليوني جنيه في غضون عشرة أشهر. يتزامن هذا الانهيار المالي مع انسداد سياسي يتمثل في زيادة أعداد المعتقلين، مما يخلق بيئة من القلق العام وفقدان الثقة في الحلول المطروحة من قبل السلطة.
تتمحور إشكالية الحكم في الرؤية الأحادية التي تهمش دراسات الجدوى والآراء المتخصصة لصالح قرار الفرد الواحد. هذا النهج الاستبدادي ينطلق من قناعة ذاتية لدى الحاكم بأن خطواته محصنة ضد الخطأ، بل ومؤيدة بظواهر طبيعية وغيبية يروج لها الخطاب الرسمي لتبرير السياسات المتبعة.
تتجلى المفارقة الصارخة في تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار السلع الأساسية كالأسماك، رغم امتلاك مصر سواحل ممتدة ونهر النيل. يعكس هذا التناقض فجوة واسعة بين الوعود الرسمية بالرخاء وبين الواقع الذي يعيشه المواطن البسيط الذي يواجه غلاءً فاحشاً يفوق قدراته الشرائية المحدودة.
تذهب التحليلات إلى أن السلطة الحالية تسعى للعبث بالهوية المصرية من خلال رؤية ترى في التعليم الجيد خطراً على استقرار النظام. يظهر الإعجاب بالنموذج الصيني، وتحديداً في قدرة الحزب الحاكم على السيطرة المطلقة، كدليل على الرغبة في تحويل الشعب إلى حالة طارئة مقابل استدامة سلطة الحاكم.
يمثل مشروع 'الكيان' في العاصمة الإدارية الجديدة تجسيداً مادياً لفكرة الخلود السياسي والتحكم عن بعد في مفاصل الدولة. هذا المقر ليس مجرد مبنى إداري، بل هو 'أنبوب' تصفية يهدف لضمان ولاء القيادات المستقبلية قبل تمكينها من تولي أي مناصب سيادية أو إدارية.
لم تقتصر محاولات الإخضاع على الجهاز الإداري، بل امتدت لتشمل السلك القضائي الذي بات مطالباً بالمرور عبر اختبارات الثقة والتبعية. يهدف هذا الإجراء إلى ضمان عدم خروج القضاء عن المسار المرسوم له، مما يقوض استقلالية العدالة ويجعلها أداة في يد السلطة التنفيذية.
الوضع الراهن ليس وضعاً مؤقتاً طارئاً يمكن تجاوزه، بل هو تدهور مستمر تتراكم فيه السلبيات دون بارقة أمل في الأفق.
في خطوة مثيرة للجدل، تسعى السلطة لإخضاع المؤسسات الدينية العريقة مثل الأزهر الشريف للقيادة المركزية الجديدة. يتم ذلك عبر فرض دورات تدريبية لعلماء الدين تحت إشراف ضباط عسكريين، في محاولة لإعادة صياغة الخطاب الديني بما يتوافق مع توجهات النظام السياسية.
يرى مراقبون أن الهدف النهائي من هذه التحركات هو تأسيس عالم جديد يسعى الجنرال لتشكيله ليكون إرثاً لأبنائه وحوارييه من بعده. هذه المهمة التي توصف بـ'المقدسة' من وجهة نظر السلطة، تضع مستقبل الدولة المصرية في مهب الريح أمام طموحات السلطة المطلقة.
يعيش المواطن المصري اليوم كارثة معيشية، حيث يقدر متوسط الدخل الشهري بنحو 122 دولاراً، وهو رقم لا يكفي لتغطية إيجار سكن بسيط. هذا الإفقار الممنهج يراه البعض خطة لإخضاع الشعب وإيصاله لمرحلة اليأس التام، بحيث يصبح البقاء على قيد الحياة هو أقصى الطموحات.
يلعب الإعلام الرسمي دوراً محورياً في تزيين الواقع المرير عبر الترويج لفكرة 'الأمن مقابل الجوع'. يتم تذكير المواطنين باستمرار بنعمة العيش 'بلا خيام'، في مقارنة مع دول الجوار التي تعاني من حروب، رغم أن بعض تلك الشعوب قد تتمتع بظروف معيشية أفضل من المصريين.
تبرز خطورة الوضع الراهن في محاولة حفر أساسات لحكم 'الطائفة العسكرية' التي ترى نفسها الأحق بالملك والحكم دون منازع. يتصرف الحاكم بعقلية ملكية، حيث يبرر بناء القصور الفاخرة بأنها 'من أجل مصر'، بينما يتم بناء السجون الحديثة كبديل للمواطنين المطالبين بالتغيير.
إن السياسات المتبعة منذ عام 2013 لا تهدف لبناء دولة حديثة بقدر ما تهدف لتأديب الشعب الذي تجرأ على الثورة في يناير 2011. تعكس تصريحات قادة الانقلاب آنذاك عقيدة راسخة بأن الجيش هو 'صاحب الدولة' الأصلي، وأن أي تحرك شعبي هو اعتداء على هذه الملكية.
في الختام، يبدو أن طريق الخروج من هذا المأزق يتطلب فهماً عميقاً لهذه البنية السلطوية التي تحاول تأبيد نفسها. إن استمرار هذا النهج يحول الأزمات المؤقتة إلى واقع دائم، مما يستدعي بحثاً جاداً عن بدائل وطنية قادرة على استعادة الدولة لصالح مجموع الشعب لا لصالح فئة بعينها.





شارك برأيك
طريق الخروج: قراءة في بنية الحكم وتحديات الانسداد السياسي والاقتصادي بمصر