عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 1:24 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يثبت توم برّاك مبعوثاً رئاسياً لسوريا والعراق رغم تحفظات الخارجية

لم يمضِ سوى يوم واحد على إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو انتهاء مهمة توم برّاك كمبعوث خاص إلى سوريا، حتى فاجأ الرئيس دونالد ترمب الأوساط السياسية بإعادة تعيينه مبعوثاً رئاسياً خاصاً يشمل صلاحياته سوريا والعراق معاً. هذا القرار يعكس المكانة الاستثنائية التي يتمتع بها برّاك داخل الدائرة الضيقة لترمب، حيث يفضل الرئيس الاعتماد على شبكة من الموالين الشخصيين لإدارة الملفات الحساسة بعيداً عن البيروقراطية التقليدية.

تعود جذور العلاقة بين الرجلين إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان برّاك مطوراً عقارياً صاعداً وباع لترمب حصة في سلسلة متاجر 'ألكسندرز'. ومنذ ذلك الحين، توطدت الشراكة بينهما لتنتقل من عالم المال والعقارات إلى دهاليز السياسة واشنطن، حيث كان برّاك حاضراً في خلفية صعود ترمب نحو الرئاسة منذ حملته الأولى في عام 2016.

يكشف هذا التعيين الجديد عن حجم التداخل في الصلاحيات داخل إدارة ترمب، حيث تنتقل الملفات الكبرى من الوزارات المختصة إلى أشخاص يحظون بثقة الرئيس المطلقة. وقد شهد عهد ترمب توسعاً غير مسبوق في تعيين المبعوثين الرئاسيين الذين تجاوز عددهم الاثني عشر مبعوثاً، مما أثار انتقادات حول تهميش دور وزارة الخارجية لصالح البيت الأبيض.

يتمتع المبعوثون الخاصون لترمب، مثل برّاك وجاريد كوشنر، بصلاحيات واسعة تتيح لهم الوصول السريع لصناع القرار وتجاوز القيود الإدارية المعقدة. وتفضل بعض القوى الإقليمية التعامل مع هذه القنوات المباشرة لأنها تختصر المسارات الدبلوماسية الطويلة، رغم ما يسببه ذلك من تضارب في الرسائل السياسية الصادرة عن واشنطن.

توم برّاك، الذي يشغل أيضاً منصب السفير الأمريكي لدى أنقرة، سيواصل مهامه الدبلوماسية في تركيا بالتوازي مع مسؤولياته الجديدة في سوريا والعراق. وأكد ترمب عبر منصته 'تروث سوشال' أن برّاك يحظى بالدعم الكامل، مشيداً بأدائه المتميز في إدارة العلاقات المعقدة في المنطقة التي تشهد تحولات مستمرة.

وُلد توماس برّاك عام 1947 في لوس أنجلوس لأبوين لبنانيين مهاجرين من مدينة زحلة البقاعية، وبدأ مسيرته المهنية كمحامٍ قبل أن ينطلق في عالم الاستثمارات الكبرى. وقد مكنته علاقاته المبكرة في السعودية خلال السبعينيات من بناء إمبراطورية مالية ضخمة تحت اسم 'كولوني كابيتال' التي تدير أصولاً بمليارات الدولارات.

شملت استثمارات برّاك العالمية أصولاً شهيرة مثل فندق بلازا في نيويورك ونادي باريس سان جيرمان الفرنسي، بالإضافة إلى شركة ميراماكس للإنتاج السينمائي. هذه النجاحات المالية جعلته واحداً من أغنى الشخصيات في الولايات المتحدة، لكنها وضعته أيضاً في مواجهة تحقيقات قانونية معقدة تتعلق بنفوذه السياسي وعلاقاته الدولية.

ارتبط اسم برّاك بملفات مثيرة للجدل، منها وثائق جيفري إبستين، حيث كشفت مراسلات مسربة عن تواصل منتظم بينهما لسنوات طويلة. ورغم الحساسية السياسية لهذه العلاقة، إلا أن التحقيقات لم تثبت تورط برّاك في أي أنشطة إجرامية، وظل محتفظاً بمكانه كأحد أبرز المدافعين عن سياسات ترمب.

كما كان برّاك في قلب التحقيقات التي أجراها المدعي الخاص روبرت مولر بشأن التدخل الروسي في انتخابات 2016، نظراً لعلاقته الوثيقة بمدير الحملة السابق بول مانافورت. وفي عام 2021، واجه اتهامات بالعمل لصالح دولة أجنبية، لكنه تمكن من الحصول على تبرئة كاملة من كافة التهم في أواخر عام 2022.

على الصعيد اللبناني، يثير برّاك جدلاً واسعاً بسبب تصريحاته التي توصف بالعدائية تجاه بلده الأم، حيث وصف لبنان مراراً بأنه 'دولة فاشلة'. وقد بلغت حدة التوتر ذروتها عندما انتقد سلوك الصحافيين اللبنانيين بعبارات قاسية خلال زيارته لقصر بعبدا في عام 2025، مما أثار موجة غضب شعبية ورسمية.

في منتدى حوار المنامة الأخير، قدم برّاك رؤية قاتمة لمستقبل لبنان، مشيراً إلى أن حزب الله بات هو الدولة الفعلية في ظل انهيار النظام المصرفي والمؤسسات الحكومية. واعتبر أن غياب الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه يعزز من سيطرة القوى غير النظامية على مفاصل الحياة في البلاد.

دعا برّاك اللبنانيين صراحة إلى الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل كحل وحيد للخروج من الأزمة الراهنة، مؤكداً أن هذا المسار لن يضر بمصالحهم. هذه المواقف تعكس تبنيه الكامل لرؤية إدارة ترمب الإقليمية التي تركز على عقد صفقات مباشرة وتجاوز الصراعات التاريخية عبر بوابات اقتصادية وسياسية جديدة.

تعتبر شخصية برّاك نموذجاً لرجال الأعمال الذين تحولوا إلى دبلوماسيين في عهد ترمب، حيث يمتزج المال بالسياسة في إدارة الملفات الدولية. ويرى مراقبون أن تعيينه مبعوثاً لسوريا والعراق يهدف إلى تفعيل 'دبلوماسية الصفقات' في مناطق النزاع، مستفيداً من شبكة علاقاته الواسعة مع قادة المنطقة.

يبقى التحدي الأكبر أمام برّاك هو التوفيق بين مهامه كسفير في أنقرة ودوره الجديد كمبعوث رئاسي في ملفات تتداخل فيها مصالح تركيا وروسيا وإيران بشكل معقد. ومع الدعم المطلق من البيت الأبيض، يبدو أن برّاك سيظل لاعباً محورياً في تشكيل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يثبت توم برّاك مبعوثاً رئاسياً لسوريا والعراق رغم تحفظات الخارجية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.