يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة وضعت النظريات السياسية التقليدية أمام اختبارات معقدة، خاصة مع استمرار التوترات الناتجة عن الحرب في غزة والمواجهات المباشرة بين إسرائيل وإيران. وفي خضم هذا الغموض، برزت مبادرة دبلوماسية مفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى لدمج مسارين متناقضين في صفقة واحدة كبرى.
تعتمد رؤية ترامب الجديدة على ربط إبرام اتفاق نهائي لإنهاء الصراع مع طهران بشرط إلزامي يقضي بانضمام دول إقليمية وازنة إلى 'اتفاقيات أبراهام'. وتشمل هذه القائمة المقترحة كلاً من السعودية وقطر، بالإضافة إلى مصر والأردن وتركيا وباكستان، في محاولة لصياغة هندسة إقليمية تضمن مصالح واشنطن.
يرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق إنجاز تاريخي ينهي استنزاف الموارد في الصراعات الشرق أوسطية. كما يكشف التوجه الجديد عن قناعة أمريكية بأن أي اتفاق أمني مع إيران لن يكتب له النجاح دون وجود مظلة إقليمية واسعة تضمن استدامته وتشرك القوى الكبرى كأطراف ضامنة.
أكد ترامب عبر منصته 'تروث سوشال' أن المفاوضات مع الجانب الإيراني تسير في اتجاه إيجابي، لكنه لم يتردد في التلويح بخيارات خشنة في حال فشل المسار الدبلوماسي. هذه الازدواجية تهدف إلى الضغط على كافة الأطراف للقبول بالمقايضة المطروحة بين التهدئة العسكرية والمكاسب السياسية المتمثلة في التطبيع.
على الصعيد الميداني، أثبتت الأشهر الماضية أن كلفة المواجهة المباشرة باهظة جداً على الاقتصاد العالمي، خاصة مع الشلل الذي أصاب حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. هذا الواقع جعل من الدبلوماسية المخرج الوحيد المتاح لواشنطن لتجنب الانزلاق في حرب شاملة لا تلوح في أفقها بوادر نصر حاسم.
رغم الضغوط الأمريكية، أظهرت العلاقات الخليجية الإيرانية قدرة على الصمود أمام أعاصير التصعيد، حيث يسود إدراك متبادل بأن أمن ضفتي الخليج متلازم بنيوياً. وتستند هذه الحتمية إلى المصالح الاقتصادية المشتركة، خاصة مع تبني دول المنطقة لرؤى تنموية طموحة تتطلب استقراراً أمنياً شاملاً.
تعتبر السعودية أن استقرار المنطقة هو الركيزة الأساسية لنجاح 'رؤية 2030' وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يتطلب بيئة صفرية المشاكل. وفي المقابل، تجد إيران في الانفتاح على جيرانها طوق نجاة لكسر العزلة الدولية وتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية التي أنهكت كاهل الدولة لسنوات طويلة.
أمن الرياض وطهران صار كتلة وجودية واحدة لا تقبل القسمة، وأي محاولة لإعادة هندسة المنطقة بالقوة لن تنتج إلا المزيد من الترابط الإجباري.
تظل القضية الفلسطينية العقبة الهيكلية الأبرز أمام طموحات ترامب، حيث ترفض الرياض منح ورقة التطبيع دون ثمن سياسي حقيقي. وتتمسك القيادة السعودية بضرورة وجود مسار دائم وغير قابل للتراجع لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبرة ذلك شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف.
يرى محللون أن أي محاولة لتجاوز الحقوق الفلسطينية في ظل المشاهد الدامية في غزة ستواجه برفض شعبي واسع في العالمين العربي والإسلامي. فالاستقرار السياسي والشرعية الشعبية للأنظمة الحاكمة مرتبطان بشكل وثيق بالعدالة في حل القضية الفلسطينية، مما يجعل القفز فوق هذا الملف مغامرة غير محسوبة.
بالإضافة إلى الموقف السعودي، تواجه المبادرة الأمريكية جداراً من الرفض لدى دول مثل مصر والأردن وتركيا التي تمتلك علاقات سابقة مع إسرائيل. هذه الدول تسعى حالياً لتهدئة الأوضاع وحل الأزمات من جذورها، بدلاً من الانخراط في تحالفات أمنية جديدة قد تزيد من حالة الاستقطاب في الشارع العربي.
لقد تضررت صورة القيادة الإسرائيلية الحالية بشكل كبير في الوجدان الجمعي العربي نتيجة الممارسات العسكرية في قطاع غزة والملاحقات القانونية الدولية. هذا الواقع جعل من فكرة بناء شراكات استراتيجية جديدة مع الحكومة الإسرائيلية الحالية أمراً في غاية الصعوبة، نظراً للحساسية السياسية والأخلاقية العالية.
يتجه الشرق الأوسط نحو ضرورة التأسيس لنظام أمن جماعي محلي ينبع من احتياجات المنطقة نفسها بعيداً عن الإملاءات الخارجية. إن نجاح أي تسوية شاملة يتطلب حواراً مباشراً ومستداماً بين القوى الإقليمية الأربع الكبرى: الرياض، وطهران، والقاهرة، وأنقرة، لتقاسم المسؤوليات الأمنية والاقتصادية.
أثبتت التجارب السابقة أن الرهان على الوعود الخارجية المتبدلة بتبدل الإدارات في البيت الأبيض لا يوفر استقراراً طويل الأمد. لذا، فإن العبور نحو نظام إقليمي مستدام يمر عبر بوابة التفاهمات البينية والاعتراف بأن الأمن هو مشروع محلي مشترك لا يمكن استيراده كسلعة جاهزة.
في الختام، تظل مطالبة ترامب بتوسيع اتفاقيات أبراهام كشرط للاتفاق مع إيران استراتيجية تعاني من خلل في فهم التوازنات الجديدة. إن مفتاح الاستقرار في المنطقة لم يعد بيد واشنطن وحدها، بل يكمن في التعايش السلمي بين العرب وإيران والحل العادل للقضية الفلسطينية كمدخل إلزامي لأي سلام حقيقي.





شارك برأيك
مبادرة ترامب لتوسيع 'أبراهام': مقايضة الملف الإيراني بالتطبيع وحتمية الأمن الإقليمي