أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:07 صباحًا - بتوقيت القدس

محمد شايطة وتوفيق ومان… حين يكتب الشعر فلسطين من جرحٍ جزائري ويصافح القدس

في امتداد المشهد الشعري الجزائري، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع الوجدان العربي، يبرز اسم محمد شايطة بوصفه صوتاً شعرياً ينتمي إلى تلك السلالة التي لم تفصل بين القصيدة والقضية، ولا بين الجمال والالتزام. إنه شاعر يكتب من تخوم التجربة، حيث لا تكون الكلمات زينة لغوية، بل شظايا معنى، تنبع من إحساس عميق بأن الشعر موقف قبل أن يكون بناء.

ليست الكتابة عند شايطة فعلاً معزولاً عن سياقه، بل هي استجابة لقلق تاريخي وثقافي، جعل من فلسطين حضوراً ثابتاً في نصوصه، لا بوصفها موضوعا طارئا، بل باعتبارها امتداداً طبيعياً لذاكرة المقاومة الجزائرية. فالعلاقة بين الجزائر وفلسطين لم تكن، في وعيه الشعري، مجرد تضامن عابر، بل تماهيا وجدانيا، حيث تتكرر الأسئلة ذاتها: الحرية، الكرامة، والحق في الأرض.

في هذا السياق، تأتي قصائد شايطة لتؤكد هذا الامتداد، حيث تتحول فلسطين في نصه إلى مرآة يرى فيها الشاعر ذاته، وتغدو القصيدة مساحة يتداخل فيها الخاص والعام، الذاتي والقومي. لا يكتب عن فلسطين كغائب، بل كحاضر في اللغة، في الصورة، في الإيقاع. إنها ليست "هناك"، بل "هنا"، تسكن القصيدة كما يسكنها الألم.

ومن خلال قراءة دواوينه ونصوصه ، يتضح أن شايطة يميل إلى لغة مشحونة بالدلالة، كثيفة الإيحاء، تعتمد على الرمز أكثر من المباشرة. فهو لا يقول "الاحتلال" بصيغة تقريرية، بل يرسمه في صورة جدار صامت، أو مدينة محاصرة، أو ظل ثقيل يخيم على التفاصيل. ولا يذكر "المقاومة" كشعار جاهز، بل يجعلها تنبثق من الهامش: حجر صغير، طفل يبتسم رغم الركام، أم تنتظر عودة لا تأتي. هذه التقنية تمنح نصه بعدا إنسانيا، يتجاوز الشعارات إلى عمق التجربة.

إن فلسطين في شعره ليست فقط أرضا محتلة، بل هي حالة وجودية، وسؤال مفتوح عن العدالة، وعن معنى أن يكون الإنسان في مواجهة القهر. ولذلك، فإن قصائده لا تقف عند حدود التضامن، بل تتجاوزه إلى نوع من التماهي، حيث يصبح الشاعر شاهداً وشريكاً في آن واحد، يكتب الألم كأنه يعيشه، ويصور الفقد كأنه فقده الخاص.

ومن اللافت أن شايطة، في تعامله مع هذه القضية، لا ينفصل عن التراث الشعري العربي، بل يحاوره ويعيد إنتاجه. يمكن أن نلمح في بعض نصوصه أصداء لتجارب شعرية التزمت بالقضية الفلسطينية، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة مقاومة، ويغدو الحرف فعلا أخلاقيا قبل أن يكون جماليا. غير أن خصوصيته تكمن في قدرته على صهر هذه المرجعيات في تجربة ذاتية، تمنحه صوته الخاص، وتجنبه الوقوع في التكرار.

أما من الناحية الفنية، فإن شعره يقوم على توتر دائم بين الصورة والإيقاع. فالصورة عنده ليست تزيينا بل أداة كشف، والإيقاع ليس زخرفا بل نبض داخلي يعكس حالة النص. وغالباً ما تتسم قصائده بنبرة حزينة، لكنها ليست استسلامية، بل تحمل في طياتها بذور الأمل، وكأن الشاعر يراهن على المستقبل، حتى وهو يكتب عن الألم.

وفي عمق هذه التجربة، يمكن القول إن محمد شايطة ينتمي إلى جيل من الشعراء الذين أدركوا أن فلسطين ليست مجرد موضوع شعري، بل معيار أخلاقي. فمن يكتب عنها، إنما يختبر صدق لغته، وعمق التزامه، وقدرته على تحويل الجرح إلى معنى، والوجع إلى رؤية.

هكذا، لا يمكن قراءة شايطة بمعزل عن هذا البعد، لأنه يشكل جوهر مشروعه الشعري. إنه شاعر لا يكتفي بأن يرثي، بل يسائل، ولا يكتفي بأن يتعاطف، بل ينخرط، ولا يكتفي بأن يكتب، بل يشهد.

وفي زمن تتكاثر فيه النصوص وتتنافس الأصوات، يبقى صوته مختلفا، لأنه لا يبحث عن الصدى، بل عن الحقيقة، ولا عن الانتشار، بل عن الأثر. شاعر يدرك أن القصيدة، حين تلامس فلسطين، لا تعود مجرد كلمات، بل تصبح موقفا، وذاكرة، ووعدا مؤجلا بالحرية.


توفيق ومان..

في زوايا المشهد الثقافي الجزائري، حيث تتجاور الفصحى بوقارها مع العامية بعفويتها، يبرز اسم توفيق ومان بوصفه تجربة فنية تتحدى التصنيفات الجاهزة، وتعيد الاعتبار للكلمة الشعبية باعتبارها حاملة لذاكرة الناس، لا مجرد أداة للتسلية أو الارتجال. غير أن هذا الصوت، وهو ينحاز إلى اليومي والهامشي، لم يغفل القضايا الكبرى للأمة، بل جعلها تتسرب إلى نصوصه بذكاء فني، حيث تحضر فلسطين لا كشعار، بل كجرح مفتوح في الذاكرة، وتلوح القدس كرمز روحي يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.

لا يمكن الاقتراب من تجربة ومان دون الانتباه إلى هذا التوتر الخلاق بين البساطة والعمق. فالزجل عنده ليس خطاباً سطحياً، ولا تعبيراً عابراً، بل هو بناء دلالي مركب، يشتغل على الإيقاع كما يشتغل على المعنى، ويزاوج بين الحكمة الشعبية والتصوير الشعري. وحين يلامس موضوع فلسطين، فإنه لا يقع في فخ الخطابة المباشرة، بل يعيد صياغة القضية عبر تفاصيل إنسانية: أم تنتظر، طفل يسأل، بيت مهدد، فيغدو الألم أكثر صدقاً، وأشد تأثيراً.

في قصائده، تتكلم الشوارع، وتبوح الأزقة، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى شواهد على زمن متغير. وهنا، لا يكون الوطن مفهوما محليا ضيقا، بل يمتد ليشمل كل الجراح العربية، حيث تتقاطع ذاكرة الجزائر مع ذاكرة فلسطين، ويتماهى المنفى مع المقاومة، ويغدو الإنسان هو القضية الكبرى. إن ومان، وهو يكتب بالعامية، ينجح في أن يجعل من لغته جسرا بين المحلي والقومي، بين الحي الشعبي والمدينة المقدسة.

أما حضور القدس في نصوصه، فهو حضور رمزي بامتياز. ليست مجرد مدينة، بل فكرة، وامتحان للضمير. تظهر أحيانا كحلم مؤجل، وأحيانا كأيقونة للصمود، وأحيانا كمرآة تعكس خيبات الأمة. لكنه، في كل ذلك، لا يسقط في اليأس، بل يترك نافذة للأمل، ولو كانت ضيقة، لأن الشعر، في جوهره، فعل مقاومة، لا استسلام.

ومن اللافت في تجربة ومان هذا الحضور القوي للبعد الاجتماعي، الذي يتقاطع مع الهم القومي. فهو لا يفصل بين معاناة الفرد في حيه الشعبي، ومعاناة الإنسان في أرض محتلة، بل يرى في الاثنين وجها لواقع واحد، عنوانه القلق، ومحوره الكرامة. لذلك، تأتي قصائده وكأنها نسيج واحد، تتداخل فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الحكايات، دون أن تفقد وحدتها الفنية.

الإيقاع، بدوره، يلعب دوراً مركزياً في حمل هذه المعاني. فالزجل، بطبيعته، يعتمد على الموسيقى الداخلية، على ذلك النبض الذي يجعل النص قابلا للإنشاد. وتوفيق ومان يوظف هذا الإيقاع ليمنح القضايا الكبرى بعدا وجدانيا، حيث تتحول الكلمات إلى نغم، والنغم إلى إحساس، والإحساس إلى موقف. وهنا، يلتقي الجمال بالالتزام، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

كما أن البعد الرمزي يظل حاضراً بقوة، خاصة حين يتعلق الأمر بفلسطين والقدس. فالرمز يسمح له بأن يقول الكثير دون أن يقول كل شيء، وأن يفتح النص على تأويلات متعددة، تجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى. وهذا ما يمنح شعره تلك الحيوية التي تتجاوز اللحظة، وتبقى قابلة للقراءة في سياقات مختلفة.

في سياق أوسع، يمكن قراءة تجربة ومان بوصفها مساهمة في إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية، وفي الوقت ذاته في إعادة وصلها بالقضايا الكبرى. فالزجل، في يده، لا ينحصر في المحلي، بل ينفتح على الإنساني، ولا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى مساءلته. ومن هنا، فإن حضوره لفلسطين والقدس ليس إضافة عرضية، بل امتداد طبيعي لرؤية ترى في الشعر أداة للوعي، لا مجرد تعبير.

إن توفيق ومان يكتب ليؤكد أن الكلمة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تحمل قضية، وأن العامية، مهما بدت يومية، قادرة على احتضان القضايا الكبرى. لقد جعل من قصيدته مساحة يلتقي فيها صوت الحي الشعبي مع صدى القدس، وتتعانق فيها ذاكرة الجزائر مع وجع فلسطين، فكان بذلك صوتا شعريا يعبر الحدود، دون أن يغادر جذوره.

هكذا، يبقى ومان شاعراً يكتب من الداخل، من قلب التجربة، حيث تتحول الكلمة إلى موقف، والقصيدة إلى شهادة. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، يظل صوته مختلفا، لأنه لا يسعى إلى الضجيج، بل إلى المعنى، ولا إلى العابر، بل إلى ما يبقى: الإنسان، وقضيته، وحقه في أن يحلم، حتى في أكثر اللحظات قسوة.


دلالات

شارك برأيك

محمد شايطة وتوفيق ومان… حين يكتب الشعر فلسطين من جرحٍ جزائري ويصافح القدس

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.