لطالما ارتبط صلاح الإنسان واستقامة حياته بالتوازن بين المعرفة الدينية والوعي الدنيوي، وهو ما جسده الإمام الشافعي في رؤيته بأن العلم ينقسم إلى فقه للأديان وطب للأبدان. هذه الرؤية المبكرة تعكس إدراكاً عميقاً لضرورة التخصص، حيث لا يستقيم حال المجتمع إلا بوجود مرجعيات علمية موثوقة ترشد الناس في شؤون عقيدتهم وسلامة أجسادهم.
ومع ذلك، يواجه العصر الحديث موجة غير مسبوقة من التشكيك والغمز واللمز التي لا تستهدف الأشخاص فحسب، بل تطعن في جوهر المعرفة المتخصصة وقيمة الخبرة المتراكمة. لقد بات من الملاحظ أن هناك محاولات مستمرة لتقويض المنهجية العلمية واستبدالها بآراء شخصية تفتقر إلى الأدنى من شروط البحث أو الاستنباط السليم.
في المجال الديني، برزت ظاهرة الجدل غير المنضبط، حيث يتصدى للاجتهاد من لا يملك أدواته، ويتم تطويع النصوص لتناسب الأهواء الشخصية بعيداً عن الضوابط العلمية. هذا الانفلات المعرفي أدى إلى حالة من التخبط في الفهم، مما ساهم في إضعاف الثقة بالثوابت الدينية والمرجعيات الفقهية الرصينة التي حفظت وعي الأمة لقرون.
أما في الميدان الطبي، فلم يكن الحال أفضل، إذ تعرض الأطباء والباحثون لحملات تشكيك واسعة تفضل التجربة الفردية العابرة على البحث العلمي الرصين. وأصبح المحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية، رغم افتقاره للدليل، منافساً قوياً للمعرفة الطبية المبنية على سنوات طويلة من الدراسة والتجارب السريرية الدقيقة.
إن الحقيقة الراسخة تظل أن العلوم، سواء كانت شرعية أو تجريبية، تقوم على تراكم معرفي ومنهجيات صارمة لا يمكن تعويضها بالحدس أو الانطباعات اللحظية. ولا يعني هذا الدفاع عن العلم منح العصمة للعلماء، فالنقد العلمي والمراجعة الدائمة هما المحرك الأساسي لتطور المعرفة وتصحيح مساراتها البشرية.
يبرز الفرق الجوهري هنا بين النقد المنهجي الذي يسعى للتطوير، وبين الهجوم القائم على الجهل أو الرغبة في إثارة الجدل وتحقيق الانتشار الزائف. فالهدم غير المنضبط للمرجعيات العلمية لا يؤدي إلى تحسين الأداء، بل يقود المجتمع نحو فوضى معرفية تهدد قدرته على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بحياته وصحته.
ويبقى التساؤل قائماً حول سر استهداف مجالي الدين والطب تحديداً بهذا النوع من التهجم الممنهج في الآونة الأخيرة. لعل الإجابة تكمن في كونهما يمثلان الركائز الأساسية لهوية الإنسان المتمثلة في منظومته القيمية وسلامته الجسدية، مما يجعل أي اهتزاز فيهما ذا تأثير مباشر وعميق على استقرار الفرد.
إنما العلم علمان: علم الدين وعلم الدنيا، علم الأديان وعلم الأبدان، فالعلم الذي للدين هو الفقه، والعلم الذي للدنيا هو الطب.
تسهم الضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في خلق بيئة خصبة لفقدان الثقة بالمؤسسات، مما يدفع البعض لرفض كل ما يمثل سلطة معرفية أو مرجعية مستقرة. هذا التعميم الناتج عن إخفاقات حقيقية أو متصورة أدى إلى رفض فكرة الخبرة ذاتها، بدلاً من التركيز على نقد الأداء وتصويب الأخطاء بشكل موضوعي.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تعميق هذه الأزمة، بعد أن ألغت الحواجز التقليدية بين المتخصصين وغير المتخصصين في فضاء التأثير العام. وأصبح الصوت العالي والقدرة على الانتشار السريع معياراً للحقيقة لدى شريحة واسعة، متجاوزين بذلك سنوات التخصص والبحث العلمي المضني.
ومع سيادة المحتوى السريع والمختصر، تراجعت قدرة الجماهير على التمييز بين الرأي العلمي الرصين وبين الانطباعات الشخصية المثيرة للجدل. هذا التحول الرقمي ساهم في تسطيح القضايا المعقدة وتحويلها إلى مادة للاستهلاك اليومي بعيداً عن العمق المعرفي المطلوب لفهم الظواهر وتفسيرها.
كما تبرز نظريات المؤامرة كعامل إضافي يغذي الميل نحو الشك المطلق في كل ما هو رسمي أو علمي، حيث يتم تفسير الأحداث عبر شبكات خفية متخيلة. وتحول هذا الشك من أداة للبحث عن الحقيقة إلى منهج شامل لإنكار الحقائق العلمية والخبرات التخصصية، مما يعزل الأفراد عن الواقع الموضوعي.
في ظل هذا المناخ، يتحول الطبيب أو العالم الديني في نظر البعض إلى جزء من مخططات وهمية، مما يفقد الخبرة معناها وقيمتها المجتمعية. إن هذا التآكل في الثقة لا يضر المتخصصين وحدهم، بل يحرم المجتمع من أدواته الأساسية في مواجهة الأزمات الصحية والأخلاقية التي قد تعصف به.
إن النقد العلمي يظل ضرورة قصوى لتطور المجتمعات، بشرط أن يظل محكوماً بقواعد المنهج والأدلة والبراهين بعيداً عن العبثية. فالتطور الحقيقي لا يحدث عبر هدم المرجعيات، بل من خلال البناء عليها وتطويرها بما يتناسب مع مستجدات العصر وتحدياته المتسارعة.
في الختام، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون احترام حقيقي للعلم وأهله، والتمييز الواضح بين الرأي الشخصي والمعرفة الموثقة. إن استعادة التوازن بين النقد البناء والتقدير الواجب للتخصص هي السبيل الوحيد لضمان قدرة المجتمع على الفهم الصحيح واتخاذ القرارات السليمة في مستقبل يزداد تعقيداً.





شارك برأيك
أزمة الثقة بالمعرفة: هل فقدت المجتمعات احترامها للتخصص والعلم؟