عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 6:31 صباحًا - بتوقيت القدس

تناقضات البيت الأبيض حول نووي إيران: هل يرضخ ترمب لبقاء اليورانيوم تحت الأرض؟

تبرز قضية مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب كواحدة من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في مسار المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. ولا يتوقف الأمر عند كونه خلافاً تقنياً، بل تحول إلى اختبار جوهري لمدى قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على تنفيذ وعوده بإنهاء التهديد النووي الإيراني بشكل قطعي.

أفادت مصادر بأن التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض كشفت عن تباين ملموس في الرؤى بين الرئيس ومستشاريه حول شروط إنهاء الصراع. وبينما تضغط أطراف في الإدارة لانتزاع المخزون النووي بالكامل، تظهر إشارات أخرى توحي بإمكانية تقديم تنازلات في هذا الملف مقابل مكاسب سياسية أو عسكرية.

خلال مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً، رسم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ملامح الموقف الرسمي المتشدد، معتبراً أن تسليم اليورانيوم يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. وأكد بيسنت أن الإدارة لن تقبل بأي اتفاق يبقي هذه المواد الخطرة تحت السيطرة الإيرانية، مهما كانت الضمانات المقدمة.

في السياق ذاته، شدد وزير الخارجية ماركو روبيو على أن طهران ملزمة بالتخلي عن كافة المواد المخصبة كشرط أساسي لأي تهدئة. وأوضح روبيو أن هذا المطلب يمثل جوهر رؤية الرئيس ترمب، الذي يكرر في اجتماعاته المغلقة ضرورة تجريد إيران من قدراتها النووية الكامنة.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تبنى ترمب نبرة حازمة في البداية، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستعمل بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفكيك البرنامج الإيراني. وأشار إلى خطط تقنية تهدف إلى استخراج اليورانيوم المخصب من المنشآت الحصينة وتدميره لضمان عدم استخدامه مستقبلاً.

لكن هذا الحزم لم يستمر طويلاً، حيث بدأت ملامح التراجع تظهر في تصريحات الرئيس خلال مقابلات صحفية أجريت في شهر أبريل الماضي. فقد ألمح ترمب إلى أن اليورانيوم الموجود في أعماق الأرض قد لا يمثل تهديداً داهماً كما كان يُعتقد سابقاً، نظراً لقدرات المراقبة الأمريكية المتطورة.

وأشار الرئيس في تلك المرحلة إلى أن الأقمار الصناعية الأمريكية قادرة على رصد أي تحرك مشبوه في المواقع النووية الإيرانية بدقة عالية. واعتبر أن وجود المواد في مواقع عميقة يجعل من الصعب على طهران تحويلها إلى سلاح نووي دون أن يتم اكتشاف ذلك والتعامل معه عسكرياً.

المفاجأة كانت في العودة السريعة للموقف المتشدد بعد أسبوعين فقط، حيث صرح ترمب بضرورة استخدام معدات ضخمة لاستخراج اليورانيوم المدفون. وأكد في تصريحات لوسائل إعلام دولية أن واشنطن ستنقل هذا 'الغبار النووي' إلى الأراضي الأمريكية لضمان السيطرة الكاملة عليه ومنع وصول أي طرف إليه.

بحلول منتصف شهر مايو، عادت نبرة التشكيك في جدوى عملية الاستخراج لتسيطر على حديث الرئيس الأمريكي مرة أخرى. وخلال لقاء تلفزيوني، أوضح ترمب أن الوصول إلى تلك المواد يتسم بصعوبة تقنية بالغة وقد يتطلب بقاء القوات أو الفرق الفنية لفترات طويلة داخل إيران.

ولم يبدِ ترمب اعتراضاً واضحاً عندما طُرحت فكرة الاكتفاء بدفن اليورانيوم في مكانه بدلاً من تكبد عناء استخراجه ونقله. بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن الإصرار على الحصول على المخزون قد يكون له أهداف دعائية وإعلامية أكثر من كونه ضرورة أمنية ملحة.

ورغم هذه الليونة المفاجئة، عاد الرئيس ليناقض نفسه مجدداً أمام الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، مؤكداً رغبته في الاستحواذ الفعلي على اليورانيوم. هذا التذبذب المستمر أثار تساؤلات عميقة لدى المراقبين حول حقيقة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني في هذه المرحلة الحرجة.

يرى محللون أن هذه التناقضات لا تقتصر على الجانب التقني لليورانيوم، بل تعكس ارتباكاً أوسع في تحديد أهداف الحرب النهائية. فمنذ انطلاق العمليات، لم تنجح الإدارة في تقديم رؤية موحدة حول ما يشكل 'انتصاراً' حقيقياً في المواجهة مع طهران، مما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة.

ويعتقد منتقدون أن ترمب دخل في هذا الصراع دون خطة خروج واضحة أو استراتيجية تفاوضية متماسكة، مما يضطره لتغيير مواقفه بناءً على الضغوط. هذا التغيير المستمر في 'الخطوط الحمراء' قد يضعف الموقف التفاوضي الأمريكي ويمنح الجانب الإيراني فرصة للمناورة وكسب الوقت.

في نهاية المطاف، يبقى مصير اليورانيوم الإيراني معلقاً بين التشدد المؤسسي لوزارتي الخارجية والخزانة وبين براغماتية ترمب المتقلبة. وسيكون للأيام القادمة القول الفصل في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستصر على انتزاع 'الغبار النووي' أم ستكتفي بضمانات بقائه تحت الركام.

دلالات

شارك برأيك

تناقضات البيت الأبيض حول نووي إيران: هل يرضخ ترمب لبقاء اليورانيوم تحت الأرض؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.