أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 2:43 مساءً - بتوقيت القدس

إرادة الشعوب والمشروع الوطني: دروس من غزة وإيران في مواجهة الهيمنة

تثبت التجارب التاريخية المعاصرة أن إرادة الشعوب هي العامل الحاسم في حسم الصراعات الكبرى، كما حدث في فيتنام وأفغانستان سابقاً. واليوم، يتجسد هذا الصمود في قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، حيث استطاع مواجهة آلة الحرب رغم الحصار الممتد لأكثر من عقدين من الزمن.

إن ما يجري في الضفة الغربية من محاولات تهجير وتدمير ممنهج على يد المستوطنين وقوات الاحتلال، يقابله ثبات شعبي يعيد صياغة مفهوم المقاومة. هذا النموذج من الصمود يبرهن أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية للمعتدي أمام شعب متمسك بحقوقه الوطنية.

وفي السياق الإقليمي، تبرز التجربة الإيرانية كنموذج آخر لعدم الرضوخ للتهديدات العسكرية المتمثلة في حاملات الطائرات والبوارج الحربية. لم تنجح القوة الفتاكة في تثبيط العزيمة، بل عززت من التوجه نحو الاعتماد على الذات في مواجهة القوى الدولية التي تسعى لفرض وصايتها على المنطقة.

لقد آن الأوان لشعوب المنطقة أن تستخلص العبر من هذه الملاحم، وتبدأ في نسج خيوط فجر جديد يقيها من الاستغلال الخارجي. إن الاعتماد على القوى التي تدعي حماية الأمن لم يجلب سوى التبعية ونهب المقدرات الوطنية لصالح مشاريع استعمارية توسعية.

تطرح التطورات الأخيرة تساؤلاً جوهرياً حول جدوى القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وهل هي موجودة حقاً لحماية الدول المضيفة؟ تشير الوقائع إلى أن هذه القواعد تعمل كمراكز تحكم وسيطرة لضمان مصالح الغزاة وتأمين تدفق الثروات بعيداً عن تطلعات الشعوب العربية.

إن الرهان على علاقات التطبيع لتحقيق النهضة والرخاء أثبت فشله، حيث لم تزد هذه المسارات الشعوب إلا فقراً ونهباً لثرواتها. وبدلاً من أن يكون التطبيع سياجاً أمنياً، تحول إلى أداة لتأمين المصالح الإسرائيلية والأمريكية على حساب السيادة الوطنية للدول العربية.

لقد كشفت الحروب الأخيرة أن دول المنطقة غالباً ما تُقدم كأضحية على مذبح المصالح الدولية، خاصة فيما يتعلق بتأمين إمدادات الطاقة. وفي هذا الإطار، برز مضيق هرمز كقوة اقتصادية استراتيجية توازي في تأثيرها الأسلحة الردعية، مما غير موازين القوى في الصراع الإقليمي.

من المثير للاستغراب غياب التمثيل العربي الحقيقي في المفاوضات الكبرى التي تقرر مصير المنطقة وإنهاء الحروب. هذا الغياب يعكس حالة من التبعية السياسية حيث ينفرد الفاعلون الدوليون برسم الخرائط، بينما يكتفي الآخرون برصد النتائج وتسجيل الاعتراضات الصورية.

المطلوب اليوم هو صياغة مشروع وطني نهضوي شامل يقوم على الاستثمار في الموارد البشرية والطبيعية بعيداً عن ارتهان النفط والغاز. يجب التوجه نحو بناء قاعدة صناعية وزراعية وتكنولوجية صلبة تحقق الاستقلال الاقتصادي الذي هو حجر الزاوية للاستقلال السياسي.

إن بناء هذا المشروع يتطلب إطلاق طاقات الشباب والاستفادة من الخبرات الوطنية المهاجرة والمحلية، مع الانفتاح على الخبرات الخارجية دون الوقوع في فخ الوصاية. السيادة الوطنية لا تُصان إلا بسواعد الأبناء الذين يمتلكون الوعي الكافي بمخاطر الإمبريالية الجديدة.

لا يمكن لهذا النهوض أن يتحقق بدون بيئة ديمقراطية حقيقية تتيح للشعوب المشاركة في صنع القرار وتقرير مصير بلادها. إن تعزيز ثقافة المواطنة والمساواة هو البديل الوحيد لسياسات الإخضاع والتبعية التي مارستها الأنظمة لعقود طويلة.

يجب العمل على إعادة صياغة العقد الاجتماعي بين السلطات والشعوب، بحيث يقوم على الشفافية والعدالة بدلاً من أدوات القمع والاستبداد. الخروج من عباءة الانتماءات الضيقة، كالعشائرية والقبلية، نحو فضاء المواطنة الرحب هو السبيل الوحيد لمواجهة الأطماع الخارجية.

تطوير مناهج التعليم ونشر الوعي الثقافي يمثلان الركيزة الأساسية لتأهيل المواطن العربي القادر على التفكير الناقد واتخاذ القرارات المصيرية. الأجيال القادمة بحاجة إلى قيم النهضة التي تشمل كافة مجالات الحياة لبناء مجتمع متوازن وقوي.

في الختام، يبقى التاريخ شاهداً على أن جبروت الطغاة يتهاوى أمام إرادة الشعوب المنظمة والمؤمنة بقضاياها. إن سقوط نماذج من الطغيان في أوروبا وغيرها يعطي الأمل بأن التغيير ممكن، وأن الحسابات الختامية تكون دائماً لصالح الإرادات التي لا تقهر.

دلالات

شارك برأيك

إرادة الشعوب والمشروع الوطني: دروس من غزة وإيران في مواجهة الهيمنة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.