سلط تقرير صحفي دولي الضوء على حالة الانقسام والارتباك داخل الإدارة الأمريكية جراء الأجندات المتغيرة للرئيس ترامب فيما يخص الصراع مع إيران. وأشار التقرير إلى أن الرئيس يقرن إعلانات نهاية الحرب بتهديدات عسكرية جديدة، مما يولد رسائل متناقضة تستدعي تدخل موظفي البيت الأبيض لتصحيحها.
ويعد الجدول الزمني لنهاية العمليات العسكرية أحد أبرز نقاط التخبط، حيث ألمح ترامب في عدة مناسبات إلى قرب انتهاء الصراع قبل تمديد وقف إطلاق النار في أبريل الماضي. هذه التصريحات غالباً ما تفتقر إلى خطط متماسكة، مما يضع الأجهزة التنفيذية في موقف حرج أمام الرأي العام الدولي.
وفي مطلع شهر نيسان/ أبريل، شهدت الأوساط السياسية ذروة التناقض حين صرح ترامب بأن الحرب ستنتهي خلال ثلاثة أيام فقط. لكنه عاد في مساء اليوم نفسه ليتعهد عبر خطاب متلفز بشن هجمات 'بشدة بالغة' ضد الأهداف الإيرانية، وهي التهديدات التي لم تدخل حيز التنفيذ الفعلي.
من جانبه، انتقد ليون بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، هذا النهج واصفاً إياه بالفريد من نوعه في تاريخ السياسة الأمريكية. وأكد بانيتا أن تبني تبريرات متغيرة ومستمرة للأفعال السياسية يضعف من هيبة المنصب القيادي ويخلق حالة من عدم اليقين لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء.
ولم يقتصر التناقض على المواعيد، بل امتد ليشمل أهداف الصراع في مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر حيوية لتجارة النفط العالمية. فبعد أن هدد ترامب إيران بضرورة فتح المضيق، عاد ليقلل من أهميته الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، داعياً الدول المستفيدة للاعتماد على نفسها.
التذبذب في المواقف استمر بإعلان حصار أمريكي على السفن الإيرانية، ثم إطلاق عمليات لمساعدة السفن العالقة يوم الاثنين الماضي، قبل أن يتم تعليقها فجأة في اليوم التالي. هذا التردد يعكس غياب رؤية موحدة داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن تجاه أزمة الملاحة الدولية.
في المقابل، رفعت طهران من نبرة تهديداتها، حيث حذر القائد العسكري علي عبد الله من استهداف أي قوة مسلحة أجنبية تقترب من المضيق. وأصبح هذا الممر محوراً لمواجهة خطيرة تسببت في ضغوط اقتصادية عالمية فاقت التوقعات الأولية التي وضعتها الإدارة الأمريكية.
تاريخياً وسياسياً، لا أعتقد أنني رأيت من قبل شخصاً في منصب قيادي يتبنى هذا التبرير المتغير والمستمر لأفعاله.
ويرى مراقبون أن استعادة حركة المرور عبر مضيق هرمز هي المفتاح الوحيد لأي حل مستقبلي، وبدونها سيظل الاقتصاد العالمي مهدداً. ومع ذلك، فإن تغيير الإدارة الأمريكية لأهدافها المعلنة من 'القضاء على التهديدات' إلى 'تغيير النظام' ثم التراجع عنه، يزيد من تعقيد المشهد.
وحذر خبراء من أن هذه التناقضات قد أدت بالفعل إلى تآكل مصداقية واشنطن في أي مفاوضات محتملة مع الجانب الإيراني. وبحسب مصادر مطلعة، فإن طهران ربما وصلت إلى قناعة بأن الالتزامات الأمريكية لم تعد محل ثقة، مما يغلق الباب أمام الحلول الدبلوماسية القريبة.
وتشير سوزان مالوني، نائبة رئيس برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إلى أن الإدارة استهانت بقدرة إيران على التأثير في الاقتصاد العالمي. وكان المسؤولون الأمريكيون يفترضون أن النظام سينهار سريعاً تحت الضغط، وهو افتراض أثبت الواقع عدم صحته مع استمرار الصراع وتداعياته.
وتضيف مالوني أن ما يصل للجمهور حالياً هو 'أفكار آنية' للرئيس ترامب بدلاً من بيانات رسمية تعبر عن سياسة خارجية مدروسة. كما أن اعتماد الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي كقناة أساسية للتواصل زاد من حدة الارتباك وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات الرسمية.
وفي تصريحات أدلى بها في البيت الأبيض أواخر مارس، زعم ترامب أن واشنطن قادرة على إنهاء الحرب عبر 'إعادة إيران للعصور البدائية'. واشترط للانسحاب منع طهران من امتلاك سلاح نووي، معتبراً أن الاتفاقات الدبلوماسية ليست ضرورة حتمية لوقف الأعمال العدائية.
إلا أن المحللين العسكريين يشككون في جدوى هذا الطرح، مؤكدين أن الهجمات العسكرية قد تضعف القدرات لكنها لن تحل الأزمات الهيكلية. فالمواجهة في مضيق هرمز تتطلب حلولاً تتجاوز القوة الخشنة لتجنب تداعيات كارثية على إمدادات الطاقة العالمية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام واشنطن هو كيفية الانسحاب دون الظهور بمظهر المنهزم أو المتخلي عن دورها في حماية الملاحة الدولية. فالانسحاب دون اتفاق شامل قد ينهي 75 عاماً من السياسة الأمريكية الراسخة في المنطقة، ويترك فراغاً استراتيجياً يصعب التنبؤ بتبعاته.





شارك برأيك
تخبط في البيت الأبيض: كيف تسببت تصريحات ترامب المتناقضة في تعقيد الصراع مع إيران؟