في كل مرة تتصاعد فيها الأزمة في الأراضي الفلسطينية، يعود الاتحاد الأوروبي إلى الواجهة بخطابه المألوف: دعم حل الدولتين، رفض الإجراءات الإسرائيلية، والتأكيد على ضرورة إنهاء الاحتلال. كلمات مصقولة، بيانات رسمية متكررة، ومواقف تبدو،على الورق، متقدمة سياسيًا. لكن خلف هذا الخطاب، تتكشف فجوة آخذة في الاتساع بين ما يُقال وما يُفعل.
على الأرض، لا شيء يعكس هذا الدعم المعلن. فبينما تفرض الحكومات الإسرائيلية، خاصة في عهد بنيامين نتنياهو، وقائع جديدة في الضفة الغربية، وتُعيد تشكيل المشهد في غزة بالقوة، تكتفي أوروبا بإصدار البيانات. لا إجراءات رادعة، لا ضغط حقيقي، ولا حتى تحرك اقتصادي يتناسب مع حجم التصريحات.
وفي المقابل، تُركت السلطة الفلسطينية تواجه واحدة من أخطر أزماتها منذ تأسيسها. أزمة ليست سياسية فقط، بل مالية واجتماعية وإنسانية في آنٍ واحد. أموال المقاصة محتجزة، الموارد شحيحة، والالتزامات تتراكم. ومع ذلك، يأتي الموقف الأوروبي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد: تقليص الدعم، تشديد الشروط، والتردد في ضخ تمويل يضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
هنا تحديدًا، تتجلى المفارقة القاسية. كيف يمكن لأوروبا أن تدافع عن حل الدولتين، بينما تساهم—بشكل مباشر أو غير مباشر—في إضعاف الطرف الذي يفترض أن يجسد هذا الحل؟ كيف يمكن الحديث عن “بناء دولة فلسطينية” في الوقت الذي تُترك فيه مؤسساتها الأساسية على حافة الانهيار؟
لكن ربما يكون السؤال الأعمق أكثر إزعاجًا: هل يعود هذا التراجع إلى اعتبارات سياسية فقط، أم إلى تحولات داخلية في بنية القرار الأوروبي نفسه؟ فداخل العديد من دول الاتحاد الأوروبي، تخضع المساعدات الخارجية لإجراءات تشريعية ورقابية معقدة، تتزايد فيها الشروط وتضيق فيها مساحات المرونة. ومع تصاعد النزعات الداخلية والضغوط الاقتصادية، لم تعد المساعدات تُمنح بوصفها أداة سياسية استراتيجية، بل كملف تقني يخضع لمعايير صارمة قد تُفرغها من مضمونها.
في هذا السياق، يبدو أن أهداف الدعم نفسها بدأت تتآكل أو تصبح أكثر ضبابية. فبعد أن كان الهدف المعلن هو “بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية” تمهيدًا لحل الدولتين، تحوّل التمويل تدريجيًا إلى أداة إدارة أزمات قصيرة المدى، أو وسيلة ضغط مشروطة بالإصلاحات، دون رؤية سياسية متكاملة. وهنا يكمن الخلل: حين يتحول الدعم من مشروع بناء دولة إلى مجرد آلية ضبط مالي، فإنه يفقد معناه الاستراتيجي.
ولعل أكثر ما يكشف طبيعة الموقف الأوروبي هو الدافع الكامن خلف تمسكه بحل الدولتين. فالدعم الذي يعلنه الاتحاد الأوروبي لهذا الحل لا يُفهم بالضرورة بوصفه انحيازًا أخلاقيًا خالصًا لحقوق الفلسطينيين، بقدر ما يعكس تصورًا استراتيجيًا يرى في هذا الحل الصيغة الأكثر قابلية لحماية الاستقرار الإقليمي، وضمان أمن إسرائيل على المدى الطويل.
بهذا المعنى، يبدو حل الدولتين، في العقل السياسي الأوروبي، أقرب إلى “تسوية وظيفية” منه إلى مشروع عدالة تاريخية. فهو يهدف أولًا إلى احتواء الصراع ومنع انفجاره، وتثبيت واقع يمكن التعايش معه دوليًا، قبل أن يكون استجابة كاملة للحقوق الفلسطينية. ومن هنا، يمكن فهم لماذا يستمر هذا الدعم نظريًا، حتى في الوقت الذي تتآكل فيه مقومات تطبيقه عمليًا على الأرض.
لا يعني ذلك أن أوروبا تتجاهل الفلسطينيين بالكامل، لكنها تنظر إلى القضية من زاوية إدارة الصراع لا حله جذريًا. وهذا ما يفسر التناقض القائم: دعم سياسي مستمر لفكرة الدولة الفلسطينية، يقابله تردد فعلي في اتخاذ خطوات قد تكلّف سياسيًا أو تُحدث صدامًا مباشرًا مع إسرائيل.
لكن هل تفتقر أوروبا فعلًا إلى الأدوات لمعارضة السياسات الإسرائيلية، أم أنها تفتقر إلى الإرادة؟الذرائع موجودة، من القانون الدولي إلى قرارات الأمم المتحدة، لكن استخدامها يبقى محدودًا. هنا يبرز سؤال أكثر حساسية: إلى أي مدى تتحرك أوروبا ضمن هامش مستقل، وإلى أي مدى تُقيّد نفسها ضمن توازنات أوسع؟
لا يمكن تجاهل أن العلاقة مع الولايات المتحدة ترسم جزءًا مهمًا من هذا الهامش. فالدعم الأمريكي لإسرائيل لا يمر دون أثر في العواصم الأوروبية، التي تفضّل، في كثير من الأحيان، تفادي الصدام مع واشنطن في ملفات استراتيجية. وفي الوقت ذاته، تمارس إسرائيل حضورًا سياسيًا ودبلوماسيًا نشطًا داخل أوروبا، مستفيدة من علاقات متشابكة واعتبارات تاريخية تجعل بعض الدول أكثر تحفظًا في مواجهتها.
لكن اختزال الموقف الأوروبي في “ضغط خارجي” فقط قد يكون تبسيطًا مخلًا. فداخل الاتحاد الأوروبي نفسه، تتوزع المواقف وتتضارب الأولويات، ما يحوّل السياسة الخارجية إلى نتيجة مساومات داخلية بقدر ما هي انعكاس لضغوط خارجية. وهنا تحديدًا، تضيع الحدة السياسية، ويتحول الموقف إلى تسوية رمادية لا تُرضي أحدًا.
قد تُبرر أوروبا موقفها بمخاوف تتعلق بالإصلاح والحوكمة، أو بضغط الرأي العام الداخلي، أو حتى بحسابات جيوسياسية معقدة. لكن هذه التبريرات، مهما بدت منطقية، لا تُغير من حقيقة أساسية: أن السياسة لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج. والنتيجة اليوم واضحة—سلطة ضعيفة، اقتصاد يترنح، ومجتمع يفقد ثقته تدريجيًا بكل ما هو رسمي.
الأخطر من ذلك، أن هذا التراجع الأوروبي لا يحدث في فراغ. فكل فراغ سياسي أو مالي يُترك في الساحة الفلسطينية، يُملأ ببدائل قد لا تكون أقل تعقيدًا أو خطورة. بمعنى آخر، فإن إضعاف السلطة لا يؤدي إلى “تصحيح المسار”، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
ورغم موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، والتي بدت للكثيرين كتحول تاريخي، إلا أن هذا الاعتراف ظل أقرب إلى رمزية سياسية منه إلى التزام فعلي. فالاعتراف لا يبني مؤسسات، ولا يدفع رواتب، ولا يحمي نظامًا إداريًا من الانهيار. إنه خطوة مهمة، نعم، لكنه بلا أثر إن لم يُترجم إلى دعم ملموس ومستدام.
في النهاية، تبدو أوروبا وكأنها عالقة في منطقة رمادية: لا هي مستعدة لمواجهة السياسات الإسرائيلية بجدية، ولا هي قادرة على إعادة تعريف أدواتها بما يخدم رؤيتها المعلنة. وبين هذا وذاك، تدفع السلطة الفلسطينية الثمن، ومعها فكرة الدولة نفسها.
ربما لم يعد السؤال اليوم: هل تدعم أوروبا حل الدولتين؟ بل السؤال الأهم هو: هل ما زالت تمتلك الأدوات—والإرادة—لتحويل هذا الدعم من خطاب إلى واقع؟





شارك برأيك
أوروبا التي تتكلم كثيرًا… وتفعل قليلًا