قبسات
في المغير، لا تُدوَّن الوقائع كما يُراد لها أن تُفهم. تُختزل في لغةٍ إدارية صمّاء: اقتحام، اشتباك، إصابات. لكن ما لا يدخل في هذه اللغة هو البنية الأعمق للفعل: لحظة تحوّل الإنسان إلى شرطٍ لوجود المكان، لا مجرد ساكن فيه. هنا لا تكون الأحداث منفصلة، بل متصلة بخيطٍ واحد اسمه: معنى البقاء تحت ضغط الاقتلاع.
هجوم المستوطنين على مدرسة ذكور المغير لم يكن واقعة على مبنى، بل محاولة لاختبار إمكانية استمرار الحياة في طورها الأول. المدرسة ليست جدرانًا، بل زمنًا لم يُسمح له أن يكتمل. وحين هبّ الأهالي للتصدي، لم يكن ذلك فعل مواجهة فحسب، بل انكشافًا لمعنى الوجود حين يُختزل إلى جسدٍ يقف في مواجهة محوٍ محتمل.
في هذا الامتداد، ارتقى الطفل أوس نعسان، طالب الصف التاسع. في السرد الرسمي سيُختصر إلى رقمٍ في حدث، لكن في البنية الأعمق هو تكرار لمعنى لم ينقطع: ابن الشهيد حمدي، الذي ارتقى قبل سنوات في المشهد ذاته تقريبًا. هنا لا يعمل الزمن كخطٍّ متقدم، بل كبنية تكرار تُعيد اختبار الفكرة نفسها بأجساد مختلفة: هل يمكن للمعنى أن يستمر حين يُعاد إنتاج الفقد؟
أوس لا يطويه الموت. ما بعد الجسد ليس صمتًا مكتملًا، بل أثرًا معلّقًا. الدم الذي خضّب كوفيته لا يعمل كعلامة نهاية، بل كامتدادٍ لمعنى لم يُختتم. كأنّ الجسد، حين يتوقف، يترك خلفه طبقة من الوجود لا تنتمي إلى الحياة ولا إلى العدم، بل إلى ما بينهما.
وهنا، يقف شقيق أوس، كطفل يواجه سؤالًا يفوق عمره: كيف يُفهم الغياب حين يأتي دفعةً واحدة؟ في عينيه ارتباكٌ لا يجد لغة، ومحاولة أولى لالتقاط معنى الفقد قبل أن يكتمل وعيه به. هنا، لا يكون الحزن دموعًا فقط، بل بداية تشكّل وعيٍ قاسٍ بأن ما كان ثابتًا يمكن أن يختفي فجأة.
وبالتوازي، ارتقى الشاب جهاد مرزوق أبو نعيم. خروجه مع الأهالي لم يكن فعل قرار فردي، بل انخراطًا في لحظة يتداخل فيها الخاص مع العام حتى التلاشي. كان ينتظر طفلة، حياةً تتكوّن في مسارها الهادئ داخل بيته، لكنه في لحظة المواجهة انحاز إلى الحياة بوصفها معنى مهددًا، لا تجربة شخصية فقط. هنا يتحول الفعل من "اختيار" إلى ما يشبه الضرورة الوجودية: أن يكون الإنسان في موقعه حين يُختبر معنى وجوده.
رحل جهاد، وترك زوجته في شهرها الثامن. وما بين اكتمال الحياة داخليًا وانقطاعها خارجيًا، لا تنغلق الدلالة. الطفل القادم لا يبدأ من فراغ، إنما من اسمٍ محمّل بغيابٍ سابق، كأنّ الوجود لا يُولد من الصفر، بل من تراكم أثرٍ لم يُغلق.
وجهاد ليس معزولًا عن سياقه. هو ابن الفدائي أبو وحيد، الأسير المحرر، حيث سيرة لم تنته عند لحظة الخروج من القيد، بل استمرار لفكرة الحرية حين تتحول من حدثٍ فردي إلى ذاكرةٍ ممتدة داخل العائلة والمكان. هنا لا تنفصل التجربة عن أثرها، بل تتحول إلى بنية وعيٍ جماعيّ لا يُختصر في زمن الاعتقال أو التحرر.
في مقابل هذه اللغة التي تُغلق الوقائع داخل صيغٍ مكتملة، يخرج صوت الأب من خارج كل نظامٍ للتدوين. لا يقول شيئًا قابلًا للأرشفة، بل شيئًا يتشظى منها:
"تعجّلت الرحيل… بقي شهرٌ واحد لترى ابنتك التي انتظرتها خمسة عشر عامًا… لعلّك قلت إنك تراها في الجنة.
وجعنا كبير وأليم، لكنّنا صابرون لأنّنا ندرك أنك كنت تحمي أبناء قريتك وأنّ الهدف يستحق الشهادة.
ماذا أقول؟ هل أبكيك أم أزفّك؟ أنت من تقرر.
تركت فينا جرحًا عميقًا… ليتنا نحن من رحل.
من يقول لنا صباح الخير؟ من يمازح أمّه؟ من يأخذ الأطفال نزهة؟ لم تعد أختك تطل من شباكها، ولم يعد في السهرة من يخفف ثقلها.
هل نجلس على الرصيف أنا وأمك ننتظرك… أم لم يعد للانتظار جدوى؟".
هنا لا يعود الفقد فكرة، بل فجوة زمنية ملموسة بين حياةٍ كانت على وشك الاكتمال وانقطاعٍ مباغت. يتردّد الصوت بين البكاء والفخر، كحالةٍ لا تستقر، يتكشّف ما تعجز اللغة الإدارية عن التقاطه: أنّ الغياب لا يُقاس فقط بمن رحل، بل بما تركه معلّقًا—تفاصيل صغيرة انطفأت فجأة، وأدوار يومية لم يعد من يحملها، وذاكرةٌ بدأت تفقد توازنها.
في مستشفى رام الله، تتبدّل اللغة بينما يبقى المعنى نفسه خارجها. جثمانان في الثلاجة، في حالة سكونٍ يشبه تعليق الزمن. في السجلات تُكتب كلمات مغلقة: نقل، حفظ، توثيق. لكن ما لا يُكتب هو أنّ المكان نفسه يتحول إلى منطقة تماس بين طبقتين من الوجود، حيث لا يكتمل الغياب ولا تستقر الحياة.
هناك، عند لمس الجدران الباردة، لا تعود الذاكرة فردية. تعود ذاكرة أقدم: أخي مناضل الذي استُشهد منذ عشرين عامًا، ووداعي له الذي لم يكتمل، بقي كجملةٍ مفتوحة في الداخل، لا تُغلقها السنوات. ليست استعادة، بل استمرار لبنية فقدٍ تتكرر كلما أعاد الواقع إنتاج صورته الأولى.
وفي مشهدٍ لا يُكتب في المحاضر، يجلس أبٌ واضعًا رأس ابنه بين يديه، كأنّ الموت لم يكتمل بعد. لا صراخ، فقط صمتٌ تحمله يدان ترفضان الفقد. هنا، تسقط اللغة مرةً أخرى؛ فلا " الاستشهاد" يُغلق المعنى، ولا الغياب يكتمل.
في المغير، لا تُفهم الوقائع كأحداث منفصلة، بل كاختبار متكرر لعلاقة الإنسان بمكانه. الاقتحام ليس بداية، والاستشهاد ليس نهاية، بل نقاط داخل حركة أوسع: حركة إعادة تعريف الوجود نفسه تحت ضغط الإلغاء.
وفي محاضر الجنود، تُغلق الجمل بسرعة.
أما هنا، فلا شيء يُغلق.
كل اسم يُكتب لا يختتم المعنى، بل يفتحه من جديد،
كأنّ الأرض نفسها ترفض أن تُختصر في روايةٍ واحدة.





شارك برأيك
سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (٥) المغيّر: اكتبوا ما شئتم.. الحقيقة ليست في محاضركم