أحدث الأخبار

الإثنين 30 مارس 2026 5:33 مساءً - بتوقيت القدس

بين الرسائل السياسية والتوظيف الديني.. هل تفتح 'دعوات العيد' صفحة جديدة بين القاهرة وطهران؟

أثار دعاء الشيخ سيد عبد الباري في خطبة العيد، بحضور القيادة السياسية، موجة واسعة من الجدل بعد أن تجاوزت أصداؤه المنابر الدينية لتستقر في قلب التجاذبات السياسية الإقليمية. الدعاء الذي توسل بآل البيت بأسلوب غير معتاد في الخطاب السني الرسمي، اعتبره مراقبون رسالة مشفرة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز العاطفة الدينية المجردة.

ولم تتأخر طهران في التقاط الإشارة، حيث سارعت لتوظيف هذا الخطاب عبر وضع صورة الخطيب المصري على أحد صواريخها الموجهة نحو الأراضي المحتلة، مع تكرار نص الدعاء. هذا الاحتفاء الإيراني أعاد إلى الأذهان محاولات سابقة لمد الجسور مع الشخصيات المصرية المؤثرة، سواء كانت من المعارضة أو من المؤسسة الرسمية.

وتشير مصادر إلى أن تكرار هذا الدعاء على لسان وعاظ رسميين، ومنهم الشيخ أحمد تركي في مجلس الشيوخ، يعكس حالة من التماهي مع خطاب جديد قد يكون معتمداً في دوائر ضيقة. هذا التوجه يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الفتح الإسلامي الجديد لمصر قد جاء عبر بوابة 'السر الكامن' في الأدعية السياسية.

في المقابل، حاولت وزارة الأوقاف المصرية تدارك الموقف عبر إصدار بيان يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وهو موقف جاء متأخراً بحسب بعض القراءات. ويرى محللون أن هذا البيان كان محاولة لامتصاص الغضب الخليجي وتوضيح أن المؤسسة الدينية لا تزال تلتزم بالخطوط العريضة للسياسة الخارجية.

تاريخياً، كانت إيران تستخدم أسماء رموز مصرية مثل الشيخ كشك وخالد الإسلامبولي لتوجيه رسائل سياسية للقاهرة، لكن الحالة الراهنة تختلف بكون الشخصية المحتفى بها تمثل صوتاً رسمياً. هذا التحول يضع العلاقات المصرية الإيرانية أمام اختبار حقيقي في ظل رغبة طهران المعلنة في تطبيع العلاقات بشكل كامل.

على الجانب الآخر، تبرز أزمة صامتة في العلاقات المصرية الخليجية، حيث كانت بعض العواصم تنتظر موقفاً مصرياً أكثر حزماً وسرعة تجاه التهديدات الإيرانية. القاهرة من جهتها تؤكد دائماً على سيادتها واستقلالية قرارها العسكري، مشددة على أن جيشها مخصص لحماية حدودها الوطنية بالدرجة الأولى.

وقد ظهرت أصوات عسكرية مصرية سابقة، مثل اللواء أحمد وصفي، لتؤكد رفض فكرة القيام بمهام خارجية، وهو ما فُهم كرسالة للداخل والخارج معاً. هذا الخطاب يهدف لتعزيز شرعية الحكم الحالي عبر إظهار القوة العسكرية كدرع وطني لا يخضع للإملاءات الخارجية مهما كانت الضغوط المالية.

الإعلام المصري بدوره قدم خطاباً مزدوجاً، فبينما لم ينحز صراحة للجانب الإيراني، إلا أنه ألمح إلى مبررات تتعلق بالقواعد الأمريكية في المنطقة. هذا الأسلوب في التناول أدى إلى ردود فعل عنيفة من مثقفين ومسؤولين خليجيين، وصلت إلى حد الهجوم المباشر على استقرار الدولة المصرية.

تصريحات الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله حول دور بلاده في دعم مصر أثارت استياءً واسعاً، حيث اعتبرها البعض تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية. ومع ذلك، تظل الحاجة المصرية للمساعدات المالية عاملاً حاسماً في كبح جماح أي تقارب كامل مع المحور الإيراني في الوقت الراهن.

المناورة المصرية الحالية تبدو وكأنها محاولة للضغط على الحلفاء التقليديين عبر التلويح بالورقة الإيرانية، دون الوصول إلى نقطة القطيعة. فالقاهرة تدرك أن أي تقارب جدي مع طهران سيصطدم بفيتو أمريكي وإسرائيلي، بالإضافة إلى التبعات الاقتصادية القاسية من الجانب الخليجي.

ويرى خبراء أن العلاقات المصرية الإيرانية ستبقى في إطار 'جس النبض' وتبادل الإشارات المشفرة دون تغيير استراتيجي عميق. فالمعوقات الأمنية الداخلية والارتباطات الدولية تجعل من الصعب على القاهرة القفز نحو المجهول في علاقتها مع نظام طهران.

إيران من جانبها تدرك أن الدعاء الذي ألقاه الشيخ عبد الباري قد لا يكون موجهاً لها بالضرورة، بل هو جزء من 'تلسين' سياسي بين حلفاء الأمس. ومع ذلك، تستمر طهران في استغلال أي ثغرة في الجدار العربي لتعزيز نفوذها وتصوير نفسها كحليف محتمل للقوى الكبرى في المنطقة.

في نهاية المطاف، يبقى المشهد معلقاً بين رغبة مصرية في تحسين شروط التفاوض مع الخليج، وطموح إيراني لكسر العزلة عبر بوابة القاهرة. لكن الحقائق على الأرض تشير إلى أن 'السر الكامن' في السياسة المصرية يظل مرتبطاً بتوازنات دقيقة لا تسمح بالذهاب بعيداً في أي اتجاه.

ستكشف الأيام القادمة ما إذا كانت هذه المناورات ستؤدي إلى تفاهمات جديدة أم أنها ستزيد من فجوة الثقة بين القاهرة وحلفائها التاريخيين. وحتى ذلك الحين، سيبقى كل طرف في مكانه، يراقب التحركات بحذر بانتظار لحظة انقشاع الغبار عن المشهد الإقليمي المتفجر.

دلالات

شارك برأيك

بين الرسائل السياسية والتوظيف الديني.. هل تفتح 'دعوات العيد' صفحة جديدة بين القاهرة وطهران؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.